السبت , مايو 15 2021

حرق ذاكرة شعب، ما بين مكتبة الأسكندرية والمُجمَّع العلمي

بقلم : نانا جاورجيوس

في هذا المقال التاريخي سؤال يكرر نفسه : مَن أحرق مكتبة الأسكندرية، وهل أحرقت قبل أم أثناء أم بعد الغزو العربي لمصر ؟ ينسب المتشددين حرقها للمصريين وليس للغزاة. فهل كان المصري القديم كارهاً لهذه الدرجة للعلومه الإنسانية ليحرق تراثه وتاريخه وتاريخ أجداده، أم كان يقدس المعرفة وكان أول من عرف كيف يبني له حضارة لم يكن وقتها العالم يدرك معناها ولا قيمتها.

بعد مئات السنين منها يعطنا التاريخ عِظته وخلاصة خبرته، أنه لإستئصال شعب من جذوره ومحو ذاكرته عليَّ بخطوات ثلاث: أن أحرق كتبه، و أسحق تراثه وثقافته المعرفية، ثم أدمر معالم تاريخه لأمحي أي أثر و ذِكر لهذا الشعب. ليقوم بعدي مجموعة من مزيفي التاريخ بتأليف تاريخ جديد ونشره في أبواق قنواتهم وتعليمه في مناهجهم بشعارات حنجورية تلهب حماس البسطاء، لتتحقق مقولة غوبلز: اعطني إعلاماً بلا ضمير،اعطيك شعباً بلا وعي!

ولن يمضي وقتاً طويلاً حتى يبدأ الشعب في نسيان ذاكرته ولغته وثقافته وما كان عليه من تاريخ، فكرة “الإحتلال الفكري” هي أخطر أنواع الإحتلالات بل أخطر من إحتلال الأرض نفسها. فهو الأسلوب المجرِّب والأمثل ليفقد شعب بسرعة هويته وتستنزف موارده البشرية، لتحل محلها لغة المُحتل وفكره وثقافته لسحق العقول وغسيل الأدمغة. هذا بإختصار ماحدث لمصر حين الغزو عليها عبر تاريخها و ليس فقط الغزو العربي بل كل إغارة تعرضت لها على مراحل متتالية بدءاً من إحتلال الهكسوس أيام الفراعنة وحتى ثورات ربيعهم العربي. وكما قال ابن خلدون في مقدمته:” العرب إذا تغلّبوا على أوطان أسرع إليها الخراب… وفي موضع أخر يقول:” أنه لا يطيق أن يرى حضارة مزدهرة وأنه يميل إلى تخريبها كلما سنحت الفرصة”.

ليس العرب فقط من انتهجوا هذا الأسلوب، بل عبر التاريخ كان تدمير الحضارات القديمة ومحو ذاكرة الشعوب السِمة المميزة وعلامة الغلبة والإنتصار، فالتتار حرقوا مكتبات بغدادوأغرقوا ملايين الكتب في أنهار بغداد في نهاية العصر العباسي، والرجل الأوروبي حرق معالم حضارة الأزتك للهنود الحمر بالأمريكتين. و الهكسوس دمروا جزء من الحضارة الفرعونية حين أغاروا على مصر. وصولاً لتنظيم الدولة الإسلامية ” داعش” اليوم وهي تحرق الكنوز الأثرية والمعالم الحضارية و مكتبات العراق والشام.لنتسائل اليوم ماذا تركت لنا داعش من رسالة للإنسانية كبصمة تضاف لإنسانيتنا، سوى رسالة الدم ولعبة الموت اليومي وقطع الرؤوس التي أتقنت فنونها والمتاجرة بالنفط المسروق من قوت الشعوب ! وسط صمت من المجتمع الدولي، ولو تواطؤ بالصمت أو بإمداد داعش بالسلاح والمال اللازم لتدمير إنسانيتنا أو بقيامهم بالإعتراف بها كدولة قائمة ليشتروا نفطها المسموم !.

– ما بين حرق مكتبة الأسكندرية وحرق” المُجمَّع العلمي” الذي أسسه نابليون بونابرت أثناء حملته الفرنسية على مصر، وهو يضم أهم الوثائق التاريخية والمجلدات النادرة ومنها سلسلة كتاب ” وصف مصر”، سنجد أن هناك خطاً قرمزياً لمنهجية حرق المكتبات إما أثناء الثورات أو الإحتلالات، لطمس معالم شعب وإحلال أخر أو لتغيير ذاكرته بالأنظمة السياسية المتعاقبة بإستخدام أيدلوجية القوى والعنف،هنا تنتفي أي حكمة أو قانون لأن تلك اللحظة يحكمها قانون الغاب والغلبة فيها والبقاء للأقوى وليس للأصلح، فالأقوى يملك أدواته ليملي على التاريخ ما يريده، بغض النظر عن الحقيقة.

فعندما سلب الإخوان الحكم وصعدوا على أكتاف ثورة 25 يناير أحرقوا ودمروا ليس فقط المُجمَّع العلمي بل جميع منشآت الدولة التي طالتها أيديهم من نهب وتحطيم وسرقة لمتاحف الآثار التي تم تهريبها للخارج أو تدميرها كما تفعل داعش اليوم، حتى وصل الأمر أنهم أفتوا بهدم الأهرامات وتحطيم الآثار أو تغطيتها بالشمع! كما فعلوا في حريق القاهرة لثورة١٩٥٢.

– كان أول من أرخ لحرق لمكتبة الأسكندرية، المؤرخ و الرحالة الفارسي والطبيب المعروف عبد اللطيف البغدادي المتوفى سنه629 هجريه 1230م، في” الإفادة في أخبار مصر” حوالي عام 1200م،والذي زار مصر في نهاية القرن السادس الهجري وكتب عن آثار مصر أحداثها وتاريخها، فيقول بمناسبة ذكره لعمود السواري في صـ 64 frown رمز تعبيري وإنه دار العلم الذي بناه الإسكندر حين بنى مدينته وفيها كانت خزانة الكتب التي حرقها عمرو إبن العاص..).

وقد دُوِن نفس الحادثة بالتفصيل المؤرخ الفقيه جمال الدين إبن القفطي المعروف بالقاضي الأكرم والذي عاصر عبد اللطيف البغدادي، فكتب في “تاريخ تراجم الحكماء” وفي صفحة355 يقول:( فشرع عمرو في تفريقها على حمامات الأسكندرية وإحراقها في مواقدها وذكرت عدة الحمامات يومئذ وأنسيتها فذكروا أنها إستُنفذت في مدة ستة أشهر فأسمع ما جرى وأعجب ).

– وذكر المقريزي في المواعظ والإعتبار الجزء الأول،صـ 159فيقول:( هذا العمود من جملة أعمدة كانت تحمل أروقة أرسطاطاليس الذي كان يدرس به الحكمة وإنه كان دار علم وفيه خزانة كتب أحرقها عمرو بن العاص…)

-وذكر القصة بتفصيل أكثر أبو الفرج الملطي في كتابه ( مختصر تاريخ الدول، صـ 176) فيقول:( ثم قال له يحيي يوماً: إنك قد احطت بحواصل الأسكندرية وختمت على كل الأصناف الموجودة بها، فما لك به إنتفاع فلا أعارضك فيه ومالا إنتقاع لك به فنحن اولى به. فقال له عمرو: وما الذي تحتاج إليه. قال: كتب الحكمة التي في خزائن الملوكية… وكتب إلى عمر وعرفه قول يحيي. فورد عليه كتاب عمر يقول فيه: وأما الكتب التي ذكرتها فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنه غنىً. وأن كان فيها مايخالف كتاب الله فلا حاجة إليه فتقدم بإعدامها. فشرع عمرو إبن العاص في تفريغها على حمامات الأسكندرية، وإحراقها في مواقدها. فإستيقدت في مدة ستة أشهر. فأسمع ما جرى وأعجب).

فكم نتخيل اليوم حجم مكتبة الأسكندرية من كتبٍ ومخطوطات أصلية لتظلت حمامات الأسكندرية مشتعلة لمدة ستة أشهر متواصلة؟! وهناك عشرات المراجع العربية والأجنبية التي سجلت كارثة مسح ذاكرة مرحلة مهمة في حياة المصريين، وأتفقوا جميعاً على نفس الرواية بل على تفاصيلها الدقيقة والتي لا مجال هنا لسردها، مثل المؤرخ” ألفريد بتلر” وكتابه ” فتح العرب لمصر” و كتاب “الفهرست” لإبن النديم، وكتاب “كشف الظنون1/446″، ومقدمة إبن خلدون الذي ذكر أنه بفتح أرض فارس ضاع سجل حضاري بأكمله من تاريخ الفرس، حين تم طرح كتبهم وإغراقها في الماء و بالنار لأنها تحتوي على ضلال .” تاريخ ابن خلدون ج1،ص 631″ –

ويضيف ابن خلدون في تاريخه 1/32 :” كانت النتائج مدمرة للعالم كله، لأن مكتبة الأسكندرية كانت تحوى تسجيلاً كاملاً و دقيقا لأسس حضارة العالم ومقوماته الفكرية والثقافية والعلمية وعند تدمير الأساس” السجل الحضارى” إنهارت العلوم ورجعت البشريه قروناً من التخلف الحضارى، فالعلوم كثيرة والحكماء في أمم النوع الانساني متعددون، وما لم يصل إلينا من العلوم أكثر مما وصل”.

– من ينكرون اليوم حرق العرب لمكتبة الأسكندرية، فليقولوا لنا من أحرق مكتبة فارس و أحرق مكتبة السيرابيوم و حرق المكتبات الفاطمية بمصر سواء” مكتبات القصور” ومكتبة” بيت العلم”؟ والتي قال عنها الدكتور شعبان خليفة في كتابه” مكتبة الأسكندرية الحريق والإحياء ص107: ” … ( وأنظر إلى صلاح الدين الأيوبى نفسه عندما أمر بتدمير المكتبات الفاطمية فى مصر سواء بيت العلم أو مكتبات القصور, وكيف أن جنوده كانوا ينزعون جلود الكتب ليصنعوا منها نعال وأحذية لهم , كما فعل صلاح الدين بمكتبات الشام نفس ما فعله بمكتبات مصر, حتى قيل أن المجموعات التى دمرها قد بلغت فى مصر والشام نحو أربعة ملايين مجلد.)

– نعود لمكتبة الإسكندرية وإثباتات وجودها قبل الغزو العربى مباشرة فقد ذكر المؤرخين بسوزومين وثيئودوريت وروفينوس أنهم شاهدوا المكتبة فى القرن الرابع أما افتونيوس المؤرخ فقال frown رمز تعبيري وهذه مكتبة السيرابيوم المفتوحة للجمهور نهاراً هى للمدينه كلها، دعوة مستمرة للإستقاء من مناهل الحكمة). وذكر”امونيوس الفيلسوف” السكندرى الذى كتب مؤلفاته فى السنوات الاخيرة من القرن السادس وصف مكتبة الاسكندرية وذكر أنها تحوى فى هذا الوقت على 40 نسخة من ” التحاليل الفلسفية” – ونسختين من “المصنفات” وهما من تأليف الفيلسوف المشهور أرسطاطليس، وكان أمونيوس هذا معلماً ل(يوحنا الغراماطيقى) الملقب بـ “فيليبون” الذى يروى عنه المؤرخين العرب أنه حاول مع الخليفة عمرو بن العاص لينقذ المكتبة من تدميرها حرقاً.

اليوم تحاول التيارات الإسلامية تجميل تاريخها و التنصل من تلك الجريمة التاريخية سواء بمصر أو بالعراق والشام. ولكن كيف لهم وهناك عشرات المراجع الإسلامية والقبطية والأجنبية التي سجلها التاريخ بأيدي مؤرخين أمناء من مسلمي ومسيحي مصر والعالم العربي والغربي الذين أكدت وثائقهم حرق الغزو العربي لمكتبة الأسكندرية خصوصاً أنها كانت أكبر مكتبة في العالم في هذا الوقت، لتفقد مصر قروناً من تقدمها العلمي والحضاري والإنساني ليسود الجهل وثقافة الرجعية لأصحاب الكثبان الرملية. ليس في مصر فقط بل في كل حضارات منطقتنا العربية، كالحضارة الفارسية و السريانية و الآشورية والأمازيغية. فطبيعي أن المنتصر يقوم بتدمير فكر وحضارة الشعوب المهزومة ومحو ثقافتها لفرض ثقافته. فالتاريخ يفرضه الأقوياء لا الضعفاء، لأنهم من يملكون الأذرع الإعلامية التي يضخون من خلالها ما يريدون ترويجه.

– الحقيقة الراهنة تخبرنا أنها نفس الجريمة لنفس اليد المتطرفة الإخوانية التي أحرقت المجمع العلمي بالقاهرة وإعتلت الحكم، هي اليد الداعشية التي تهدم الآن في العراق والشام لتؤسس لها دولة دينية بخطى حثيثة. وأن حرق مكتبة الأسكندرية كان من أكبر الكوارث الإنسانية التي فقدت فيه حقبة تاريخية هامة من العلوم الإنسانية والكثير من الأسرار التاريخية للحياة اليومية للمصريين ومؤلفات فلسفية من الحضارة اليونانية والتي إندفنت معها حقبة ثقافية وتاريخية لمسح ثقافة الأخر، بتلك اللعبة التاريخية التي تمارس على مرأى ومسمع من العالم. يتم فيها إزالة أجناس من أرضها وإقتلاع تاريخها تدريجياً وبمنهجية تُبث في عقول الأجيال الجديدة لزرع ذاكرة مزيفة. أما الأجناس والأعراق الأصلية التي يتم محوها تدريجياً وهي غالباً الأجناس المغلوبة والأكثر هشاشة وضعفاً فيحاولون أن يحتفظوا بتاريخهم الحقيقي في جيناتهم التي تحمل فيها سماتهم و طابعهم المميز الذي تشكلوا عليها في تُربة أرضهم لتمنحهم الأرض هويتها الأصلية التي مازال بعض الأعراق تحتفظ بهويتهم رغم كل الإحتلالات التاريخية والثورات الدموية التي إستنزفتهم ودفعوا ثمناً غالياً للإحتفاظ بهويتهم الأصلية وتاريخهم الحقيقي.

المـــــــــــــراجع

——————

1- عبد الطيف البغدادى ( الإفادة والإعتبار فى الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة فى مصر ).

2 – ابن خلدون … ( مقدمة ابن خلدون ).

3 – أبو الحسن على بن القفطى … ( أخبار العلماء فى أخيار العلماء ).

4 – المقريزى … ( المواعظ والاعتبار فى ذكر الخطط والآثار ).

5- أبى الفرج المالطى … ( مختصر تاريخ الدول ).

شاهد أيضاً

الدكتورعكاشة ووزير الأوقاف

مختار محمود لا نعلم إن كان أستاذ الطب النفسي الشهير الدكتور أحمد عكاشة يتقاضى راتبًا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *