الأحد , مايو 16 2021

نادية خلوف تكتب : التّرصّد، والمتابعة

الحياة أقصر من لمح البصر، وأطول من دهور. نحن نختار كيف سوف تكون حياتنا . البعض منّا يفكّر في النتيجة ولا ينظر إلى مسيرة الألم. يرغب أن يمتلك سيارة فارهة، ومالاً وفيراً، وشهادة علمية عاليّة ، وينتظر الأمنيّات معتقداً أنّ الحظّ سيأتيه يوماً ، ثم يكتشف أنّه كان ينتظر من أجل الانتظار فقط.

الحياة مسيرة ألم تنتهي بنجاح ما أو الحصول على بعض الأهداف. لو أمضينا العمر ونحن نتتبّع نجاح الآخرين أو فشلهم نخسر الكثير. نحن نتطلّع إلى نتيجتهم ، وليس إلى معاناتهم مع النّجاح. البعض منّا يعتبر نفسه ناجحاً على كافة الأصعدة، يصاب بداء ” جنون العظمة” وهو مرض حقيقيّ يصيب ضعاف النّفوس، ومن بينهم أولئك الذين يتابعون الآخرين، ويترّصدون مسيرتهم، ويتمنون الإيقاع بهم.

لن نتوقّع من الحياة أن تمنحنا ما نرغب به دون السيّر في معركة النجاح والسّقوط، وهي معركة شخصيّة نخوضها مع أنفسنا ، وتنتهي بنا إمّا إلى البدء في طريق سليم، وإما الانتظار من أجل الانتظار.

يعارض الكثيرون هذا الكلام، ويستشهدون بوصول فلان إلى منصب ما دون تعب، وحصول فلانة على وظيفة معتبرة بينما درجاتها العلمية متدنّية، نحن ننظر في هذه الحالة  إلى القشرة، وليس إلى اللبّ، وتلك الحالات الاستثنائية لو صبرنا عليها قليلاً لرأينا سقوطها المدوّي.

المعاناة التي توصّل إلى النّجاح لا تعني الحزن، ولا تعني العيش في مكان يأكل البشر فيه لحوم بعضهم البعض. نتحدّث عن الإنسان في مملكة البشر، وليس في مدن القتل . الإنسان الذي يشبه سيزيف ، أو ربما لم يسقط مثل سيزيف سوى بضع مرّات تعلّم منها النّجاح، أوصل الحجر إلى قمّة الجبل . تلك المعاناة تشبه مسيرة ترغب فيها الوصول إلى قمّة الجبل مع فريق، لكنّك كلما وصلت إلى مكان سقطّت لأنّك لم تختبر التّربة والصّخور. أنت لا تلتفت إلى الفريق ولا تتابع حركات أفراده ، و في النّهاية تصل ربما وحيداً، وتجد أغلب الفريق قد غادر المكان لأنه فقد الأمل من المرة الأولى أو الثانية أمّا أنت فقد أوصلتك المعاناة إلى نهاية ترغب بها.

الإنسان عالم كامل  لا يمكنك التّحكم بداخله، ولن تستطيع تغييره إلا إذا مرّ بتجربة مؤلمة إلى حدّ ما ، وأكثر التّجارب الفاشلة لو قدّر للإنسان إعادتها لصحّح الكثير من الأخطاء التي مرّت به .

التّرصّد والمتابعة من أخطر الأشياء على مسيرة الإنسان، فلو تابعت أجمل الأشياء لاكتشفت فيه بعض القبح ،فلا شيء كامل في هذه الحياة. جميعنا تعترينا لحظات جنون، لحظات حكمة، لحظات السّعي إلى حياة مثاليّة، لحظات إحباط، يمكنك اكتشاف أجمل ما فينا، أو أسوأ ما فينا. يتوقّف الأمر عليك ، وعلى نظرتك للحياة بشكل عام .

الحياة قصيرة ، وعندما تحين لحظة الرّحيل إما أن نكون مستعدّين لها وراضين عن أداءنا، أو نرغب في إمهالنا بعض الوقت لنصحّح أخطاءنا، وفي النّهاية قد نترك الكثير من الأشياء الجميلة  أو القبيحة خلفنا، ويبقى لنا رائحة تشبه رائحة الحياة باقيّة في أمكنتنا تتحدّث عن جمالنا ، أو قبحنا. . .

شاهد أيضاً

عين الحسود فيها عود ..

عضة أسد ولا نظرة حسد .. خلق الحسد .. الذى لا يسلم منه جسد .. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *