الجمعة , مايو 21 2021
نانا جاورجيوس

بنيلوبي و أوديسيوس

بقلم : نانا جاورجيوس

إليكَ أوديسيوس، أيها الغائب الحاضر أبدا، أهديك ترنيمتي، من لغز موج بحر وصعوبة حب لا أفهم إلى الآن مغزاه، وسر حنين بات يقطع بيننا المسافات، مهما خالطت أمواجه فضول أحلامنا وصدفة المُحالٌ . نبت بضلعي وتسلقته كما يتسلق الدم شريانه، أتنفس مآثرك وأيامي معك، يوم أخذتني من يدي تحت المطر بلا أحذية ولا مطرية في فضاء الساحة كم ركضنا وتدحرجنا فوق حبات رمالها، ترفرف فراشاتنا في سمائنا، لننسى ألم ملامحنا و كم حزّتها خطوط الأحزان، الآن أتحسس بأناملي وجهك النبيل لأستعيد ذاكرتي، فيرق الشعر أبياته من أجلنا، كلما رأيتني في شوق عينيك يلمع حنين مستعصي فيهما، أغفو بعيني و أرتحل إليك كل ليلة حيث اللازمكان وصدى الوديان.

كيف أصف جرحاً عبرت تباريحه ملامس الدم، فمؤلمة هي كثرة الجراح، فلا فراق إلا فراق صمت بلا نسيان. فالصمت يجيد كلماته أكثر ليعزفها على وتر الزمان، فمتى خرجت ونطقناها تقل قيمتها. وحنين في ملح منافينا إستكان. كيف للحب ألا يمنحنا طوق نجاته، فكم تقاسمنا قطعة الخبز وأكتفينا بقدح من ماء. الآن كلما نظرت لحزن عينيك أغرق في عرقي كلما رأيتني فيهما، فتملأني حيرتك وألمي لما وصلنا إليه من شتات الصقيع تجمدت في عاصفته أطرافنا.

سأحياك ذاكرة حية كي لا ينطفئ حنين الغياب وبُعد المسافات، ربما أشفق غيابنا يوماً ليحضننا في عمق اللقاء. كي لا نموت ظمأً في منافينا حملتنا إليها قسوة الأيام. فلا أحلام لدى و لا أمنية سوى أن تختزل بيننا تلك المسافات التي تخللتها كوابيس الموت، أن ترجعني إلى حقولك، إلبسني ألوانك القزحية الجديدة كما كنت تفعل، كي أصغر فأصغر حتى تعود تلك الطفلة المدللة تتشكل في دفء يديك.

يكفيني أنك ستذكرني كل يوم عند شمس الأصيل وأني مازلتُ نائمة في قلبك وأحيا في ذاكرتك، ذاكرة حنين كلما تألمت تدخلنا دفعة واحدة في حضنها. دعني أقول كل يوم أحبك أوديسيوس فتنتشي تلك الطفلة البنفسجية في قطرات عرق بحر كم حضن فيه مسامات الحنين، فعلمني كيف أجتاز الحواجز وعواصف الأحزان لأصل إليك، إلى ضفتك؟ كي تشفق قلوبنا وتدع نبضات الوتر مشدوداً، لينبت فينا غصناً أخضر يمحو عواصف باتت تنخر بصمتٍ العظام.

سأحيك الوشاح وأغزله كل شمس نهار، و أحِلّ عقدته كل ليلة إسهار، كي لا أدع بحر الوفاء يفرغ من ملحمته، سأتكئ عمري على مقعدنا، منكفأة لغدي والإنتظار. وسأظل أحيكه متى إنتهيتَ من غيابك، أتيت لتعيد لنا زهوة ألوان فراشتنا وتغريدة الفرح لعصفور الجنة، فيزهر نوار اللوز ربيعه الجديد، فلن يلبسني وشاح الراحة الأبيض إلاكَ، لتصير اللمسة الأخيرة هي لمسة يداك .

13082621_1075319752527739_6924747299793377288_n

شاهد أيضاً

الأقصر يخيم عليها الحزن من أخبار الموت المتسارعة

(( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *