الجمعة , مايو 6 2022

ماجدة سيدهم يكتب :من النجع الجواني

في المقابر تختفي الحياة ، مرت الأعوام وظلت حكاية ” حياة  ”  حقيقة ربما..  أو خرافة  ربما ..لكن المؤكد أنها الحكاية المتداولة بلسان حال المسامرات  في جلسات نسوة  النجع ، حيث تناول قطع الخبز اللدن وكعك التمروقطع الوقت بأسرار البيوت والحكايا الساخنة ،وفي كل مرة يؤكدن تحذيرهن للصبايا الطالعات ” إياكوا في يوم تصدقوا وتبولوا على وش مسيحي ميت حتى لو ركبكوا ميت عفريت ” ..

هكذا أصاب “همّام ” رجل  ” حياة  ” من الجنون ما أصابه بينما يؤكد أهل النجع أن ” حياة  ”  لازالت حيّة ترمح وتعيث  في كل الأوقات وعري الأمكنة هيجانا فاضحا ،  فهي حين تشتاق رجلا لا تشعر بالحرج وتقوم بمضاجعته جهرا، على متسع الطرق ،وسط ضحك المارة وزحام الأسواق  حتى في مواقيت الصلاة وساحة المسجد وأمام لعنة شهوة الاتقياء ، والاّ بماذا تُفسر نوبات الصرع والهياج العارم التي تنتاب ” همّام  ”  دونما تمهل أو خشية التعري ، هي ” حياة   ” الملعونة التي باتت تنتقم من كل أهل النجع بعدما ابتلعها جنيّ مسيحي فاجر وصار يمتعها بالمداعبة حتى ذروة تعذيبها بالاختناق ثم يتركها لحال شبقها الماجن  تشبعه  من  كل رجل عابر ولا تفارقه غير مصروعا ،  هكذا يتداولن فيما بينهن ..

تزوجت  ” حياة  ” من ” همّام  ” بعد قصة حب حلوة ، ولما طال زمن الإنجاب راحت النسوة يقدمن وجع المشورات واتعس الوصفات من تعذيب ثم تلاوات ثم تداوي ثم تعاويذ ثم طبول  واعتداء ورش دم لتتخلص ” حياة ” من سحر دُس لها وهي لازالت بعد عروسا ،  هنا لا يشفع  ولا يُعترف بين نساء النجع حب همّام لحياة ،فالإنجاب في القرى والنجوع أوثق وأصدق وأبقى من عهد الحب  ، فلاصلاحية لعقد زواج  دونما حبل ، ضاق ” همّام  ” من سواد اقتراحات نسوة النجع التي أحالت جدران بيته إلى كلس يتهاوى ..

 : اسمع الكلام يا ولدي النوبة دي ها يتم الكسر ..

:  مش عاوزها الخلفة يا عمّتي، سيبوا مرتي في حالها ، راضي بقسمتي يا ناس ..

همست حشرجات النسوة في أذن حياة   : ” إياكي يا هبيلة تصدقي ، راح يحن ف يوم للعيل ويلف على مرة غيرك جُرنها  حبـّال ” ..

شددت النسوة الهمّة  قبيل  المغيب  ورحن يضربن تراب الطريق، فقد قارب الموعد من حلوله بينما سارت ” حياة ” تجر قدميها تعثرا ، تكورت في رعبتها وصارت  كهذيان ينساق   : ” أنا مرعوبة يامّة “

ردت الخالة ” : ماتخافيش يابنيتي  راح يتفك سحرك  لأجل ماتحبلى ” ..

 دخلن المقابر وقد جاوزت الوحشة غروب دقات القلب والزمن  ، بادر الشيخ “علي” أن يتبعنه بعدما دس المال في جيب معطفه المغبر بالحكايا والوعود المؤكدة  والمجربة قبلا ، اقتربن  خلفه من المقبرة المقصودة ،لا تختلف عن رعبة الظلمة العالقة بأطرافالموت  لكنها  الوحشة دوما أشد  وجعا  ووخزا من غصة الموت في  كبد المرارة  ،  تابعنه وقد دمرت غلظة الخوف أية رغبة في التراجع ، بل رحن يجذبن” حياة ”  يشجعنّها أن تتماسك وتتحلى أيضا بالجَلد ، خرج الشيخ “علي” بعدما تأكد من إتمام المهمة والكشف عن وجه الجثة ،  يتعجلهن  : ” همي بسرعة قبل الجتة ما تبرد ” ..

تمرغت ” حياة  ” لهول الرعب  تقبل قدم أمها وسائر النسوة الحالكات تتوسل: والنبي بلاش يامّة .. والنبي بلاش يامّة ،بينما هوت صفعة هائلة على وجهها الذي شاخ فجأة  اخرست فيها الحس بعدما رمقت الخالة بلل  هائل بسروالها وهو ما يفترض أن تسكبه كله على وجه الميت دونما تفقد قطرة منه ، هذا ما تؤكده التعويذة  وقراءة عجائز البوم ، انتهرتها الخالة دون رحمة لدموع أو لتوسل وقمن بدفعها  بعنف لتسقط داخل المقبرة ، وبحدة توصيها  الخالة بعصر مثانتها والتبول بغزارة على وجه الميت وحتى آخر ملوحة اختزنتها منذ صباح اليوم ، وقفن بالخارج وقد ضجت قلوبهن الخرساء بصراخ التوقع المخيف ، لحظات وانطلقت ” حياة  ”  بالخارج تصرخ وقد شوه الجزع هيئتها ..تمزق خديها فيما تطاير منها  لهيب الخصلات وقد طُعن الصوت فيها : ” الحقيني يامّة ..الحقيني يامّة ..دا فتح عينيه وبيلعب حواجبة والمصحف يامّة .. والمصحف يامّة فاتح عينه ..”..

هكذا  انطلقت ” حياة   ”  تضرب الظلام ركضا  متخبطا ،  تصرخ وسط القبور ، تدق صقيع الخرس ، تدك الرعب بالوجل بينما تفقأ عين العفاريت بالتيه والانسحاق الأخير وتشق الوحشة  بصراخ مخيف :  ” الحقيني يامااااااااااا” لحتى اختفى الصوت منها بعيدا وكذا الظل تعلق بالمغيب ، صرخن خلفها يركضن  وليس من يجيب غير أصداء موحشة التكرار لحياة بين القبور تاهت و أبت أن تعود.. لم يجدن تفسيرا يبررنه ل ” همّام ” باختفاء  امرأته  غير ذاك الذي أوضحه  وأكده لهن الشيخ “علي” :  ما فيش غيره السٌفلي بتاع المسيحي هو اللي خطفها ..

راح ” همّام  ” يصرخ  كل الأيام  يطالبهن متحديا ويطالب أهل النجع والشوارع والمدينة : ” هاتولي مرتي ياولاد الحرام ” ..هكذا حتى  أصابه من الجنون ما جعله مصروعا ، وحين يزبد ويرغي أرضا يؤكدن على إنها الداعرة “حياة” تضاجع زوجها جهرا ،حيث يفسرن صرعه أنه ذروة الشبق الجنسي  بلا حياء ، مايدفع  الخالة أن تحفز  نسوة النجع  أن يمسكن  بالضغط  على عضوه الذكري ويصنعن به  وخزا حتى ينتبه من نوبته وتفارقه حياة الموت ويهدأ صخب النجع من عار حياته اللعينة ..

 أيام كثيرة يـُصرع ” همّام  ”  وكلما طاب جـُرحه  تعاود النسوه وخزه حتى مات متقيحا في عضوة ، وصارت الحكاية المتداولة أن ” حياة   ” تلازم جنيّها المسيحي الذي يفتعل بها ذروة الإثارة الجنسية  دونما إكتمال  ثم يطلقها مستمتعا بمشاهدتها كماجنة تفتش عن شبقها بين الرجال ، فتصيب منهم بالصرع  دونما توقف لحتي يـُوخز ويُخدش عضو المصروع فيتورم ويتقيح ثم يموت، هكذا تفعل النسوة لحتى تغادر  ” حياة ” جسد النجع كله  ، مات “همّام   ” ولحقه أخرون  وظل السؤال  أين اختفت  ” حياة “حتى اليوم ..؟ وهل حقا أثار بولها شهوة السٌفلي فسكنها …!   أم غضب  لانتقاله مكرها  لمقابر مغايرة تفضح نوايا موتاها عند محاسبات  القبر ..!مات الشيخ “علي.” وماتت معه  الأسرار وهل حقا أحضر جثة طازجة لمسيحي أم كان الجسد المكفن  لشخص حيّ باتفاق مسبق ،ليس ثمة إجابة فالتساؤلات المحيرة لغزا شهيا ومحل تسلية  مشوقة لمسامراتنسوة النجع ، لكن لابأس من تداول وصفات الحماية والتداوي  بمزج مرارة الأعشاب  مع أمرّها لحتي بات  على كل  مصروع يخشى غواية  ” حياة ” أن يشرب منقوع المر فجر كل آذان  ومع مطلع كل غروب كيلا يقتسم  مع ” همّام ” ذات المصير المتقيح .. ولازالت  الأسرار  شهوة حكايا النجع ..

ولم تنته بعد الحكايا  ..

 

شاهد أيضاً

بالصور : ليلة أقصرية تستحوذ على المشهد داخل المدينة

منى عبده ليلة من الف ليلة وليلة وفى جو من الفرح والسعادة والبهجة، تم عقد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *