الأربعاء , أبريل 27 2022
أخبار عاجلة
مدحت موريس
مدحت موريس

مدحت موريس يكتب : المفاجأة

ودع زوجته بابتسامة حانية كعادته كل يوم وهو ذاهب الى عمله ، لكنه اليوم كانت له وجهة اخرى فقد استقطع اليوم من رصيد اجازاته السنوية ولم يخبرها، وسيعود اليها فى منتصف اليوم ليفاجئها بيوم حافل وبرنامج اعده خصيصاً لتلك المناسبة السعيدة ، ابتسم بمكر بعدما تركها تظن انه قد نسى تلك المناسبة وهى لا تعلم انه قد امضى اسبوعاً باكمله يعد للمفاجأة…تظنه قد نسى عيد زواجهما، تظن ان الرجال عامة والازواج بصفة خاصة يفتقدون للرومانسية …لكنها – شأنها شأن كل النساء – لا تعلم كيف يحب الرجل.

قد يعيب الرجل انه جاد وعملى اكثر من اللازم وقد يعيبه ايضاً انه لا يجيد التعبير عن مشاعره لكنه فى النهاية يملك مشاعر كمثل التى تملكها المرأة لكنه – ببساطة – اكثر قدرة على التحكم فيها. ثم كيف له ان ينسى عيد زواجهما ومتى نساه من قبل ؟ فها هو العيد الثلاثين قد اتى وهو مازال يتذكر هذا اليوم بل ويعتبره اجمل ايام حياته واجمل ذكرى تحملها له الايام.

وحلت له الذكريات فدارت هوامش الموضوعات فى راسه وتراجعت عجلة الزمان لترسم امام عينيه صورة اول لقاء بينهما ايام الجامعة وكيف جمعتهما هواية الرسم حتى وحدت بين قلبيهما وامتزج حسهما الفنى المرهف فتولد الحب الذى استمر وتصاعدت خطوطه البيانية لتكلل بالزفاف السعيد ثم بالابناء….واستمر الحب كشريك دائم للاسرة الصغيرة مهما هبت العواصف الاعتيادية والازمات التى تصادف اى حياة اسرية، بل ان الحب وحده كان العامل الاساسى الذى كثيراً ما اوقف العواصف واذاب جليد الازمات.

وصل بسيارته الى منزل فؤاد صديق الجامعة وشاهد الحب وايضاً شاهد الزواج فقد كان زميلاً لهما فى الجامعة وايضاً كان هاوياً للرسم لكن الفارق الوحيد بينهما وبين فؤاد هو انه لم يعبأ بشهادته الجامعية فبينما واصلا هما حياتهما العملية بعد التخرج وتدرجا فى الوظائف الادارية وضع فؤاد شهادته الجامعية جانباً وتفرغ لفنه وحول نصف منزله الكبير الذى ورثه عن والده الى اتيليه يمارس فيه فنه الذى امتلك كل وقته وحياته حتى انه لم يفكر يوماً فى الارتباط وتكوين اسرة.

كان قد استأذن فؤاد الذى سافر فى رحلة فنية الى اوروبا ان يذهب الى الاتيليه ويرسم لوحة خاصة به وبالطبع لم يمانع صديقه القديم فصار يأتى كل يوم الى الاتيليه ولمدة عشرة ايام متواصلة دون ان يخبر زوجته ليعد لها المفاجأة الكبرى فقد خطر بباله ان يرسم صورة زفافهما القديمة بنفس الوقفة امام الكاميرا ولكن بشخوصهما الحالية…بعد ثلاثين عاماً سواء فى الشكل او فى حجم الجسد….يعرف ان الفكرة مجنونة ولكنه الفن. والفن … اى فن لا يخلو من الجنون؟.

على الجانب الاخرى كانت الزوجة تسبح فى خواطرها وتتذكر ايام الحب الاولى ثم الزفاف وشهر العسل ثم الابناء الذين جلسوا على قمة هرم السعادة فى حياة الاسرة الصغيرة..ابتسمت على حال زوجها الذى يمارس خدعة كل عام ويحاول ايهامها بأنه نسى عيد زواجهما…وهى كالعادة تجاريه،

هى واثقة انه لم ينسى ولن ينسى لكنه يصر على ايصالها هذا الشعور ويصر اكثر على الاقتناع بانها غاضبة من نسيانه المزعوم ، حسناً فليكن له ما يريد ولكنه مع اصراره المتكرر هذا يستفزها ويستفز عقلها…لماذا يظن اننى بهذه السطحية؟ وبعد كل هذه السنين اتراه يعتقد اننى لم احفظه واحفظ تصرفاته؟ لماذا يظن الرجل ان النساء – والزوجات بالذات – اقل ذكاءاً؟

هى تعلم انه يجهز مفاجأة تماماً مثل كل عام، لكنه عيد زواجهما الثلاثين…هى الاخرى تعد له مفاجأة لن تخطر له على بال، ستستعين بموهبتها القديمة وسترسم صورة زفافهما القديمة بنفس الوقفة امام الكاميرا ولكن بشخوصهما الحالية…استغلت حجرة ابنتها التى تزوجت منذ عامين لكى ترسم فيها اللوحة وتخفيها الى ان يحين موعد عيد الزواج….وضعت الرتوش الاخيرة للوحة ..ثم ابتعدت خطوات للخلف وتأملتها باعجاب واضح ثم قامت بتغطيتها…ومضت خارج الحجرة وهى تتمتم …

اعرف ان الفكرة مجنونة، لكنه الفن…والفن ، اى فن لا يخلو من الجنون. تأمل اللوحة التى رسمها باعجاب واضح ، ثم قام بلفها بعد تأكده من انها قد جفت تماماً غادر الاتيليه ووضع اللوحة بعناية فى السيارة قبل ان ينطلق عائداً الى منزله ليفاجىء زوجته، وفى الطريق كان يفكر كيف ستتفاجأ بدخوله عليها ، ماذا سيكون رد فعلها عندما ترى اللوحة؟ اتراها تبكى الآن؟ غريبة انها لم تتصل به لتتأكد من نسيانه لعيد الزواج؟ ،

اخرج مفاتيحه وصعد السلم بهدوء ليفاجىء الزوجة العزيزة…..اما هى فقد ارتدت ملابسها وتزينت وهى تتساءل عن سر تأخره عن الموعد الذى قدرته هى لعودته ليتصنع المفاجأة…..وما هى الا دقائق حتى وجدت زوجها العزيز امامها مبتسماً ابتسامة عريضة…كل سنة وانت طيبة يا حبيبتى …وضع ما بيده جانباً وفتح ذراعيه واحتضنها وهو يسألها …لابسة ومتشيكة ورايحة على فين؟..اجابته ببساطة كنت انتظر حضورك….ضحك قائلاً يا بنت الايه….يعنى انت فاهمة وواخدة بالك…اجابته ضاحكة….اتظننى بهذا الغباء..؟.

انت تفعل ما تفعله كل عام وتنسى انى حافظاك اكثر من نفسك…وكل سنة ترجع وتقول يا بنت الاييييه. قاطعها …اعملى حسابك ح ننزل اسكندرية نقضى الليلة هناك فاكملت هى انا حاجز ليلة فى فندق فلسطين…وانفجر الاثنان فى الضحك، ثم امسك هو بلوحته قائلاً هذه هى المفاجأة الحقيقية….سألته ايه اللفة دى طلب منها ان تفتحها لكنها عاودت السؤال ودون ان تنتظر اجابة دخلت حجرة ابنتها وحملت اللوحة التى رسمتها وخرجت وهى تصدر اللوحة امام عينيه وتنظر لوقع المفاجأة عليه، غرق الاثنان فى ضحكة طويلة لتطابق افكارهما وبدأ كل واحد منهما يتأمل الصورة التى رسمها الآخر….ثم صدرت منها شهقة عالية….ايه ده؟…مين دى؟ بقى انا شكلى كده؟ انا بالبدانة دى ؟

انا بالبشاعة دى؟ اما هو فزاغت عيناه بين اللوحتين وتلعثم قليلاً وسألها فيه ايه بس؟ اشارت الى لوحتها قائلة انظر الى اللوحتين لتعرف الفارق بينهما….هدأ الرجل قليلاً وتأمل لوحتها التى كانت مطابقة تقريباً لصورة الزفاف الاصلية لكنها اكتفت باضافة بعض الشعيرات البيضاء له وغيرت القليل من ملامح الوجهين. ابتسم و بدأ يتحدث بشىء من الوقار يا حبيبتى هذا هو الفارق بين الرجل والمرأة فلوحتى اكثر واقعية من لوحتك انظرى الى شكلى فى لوحتك …هل ترين على رأسى هذا الشعر الذى فى اللوحة؟ لقد اصبحت اصلع تقريباً لهذا انا ارى ان لوحتك تفتقد للواقعية….اجابته وهل الواقعية ان اكون بهذا الحجم وبكل هذه التجاعيد على وجهى؟

الحقيقة انك بالغت كثيراً فى واقعيتك هذه…لكن الحقيقة المؤكدة هى ان الفرق بين الرجل والمرأة هى العين التى ترى فعين المرأة ترى الجمال الذى لا تراه عين الرجل وهذا هو ايضاً هو الفارق بين اللوحتين….كان ابنهما قد دخل اثناء الحوار وتأمل اللوحتين مبتسماً ثم سألهما …انتم رايحين اسكندرية؟ …لم يسمعاه وهما يغادران المنزل ثم التفتت امه اليه لتخبره بانهما ذاهبان الى الاسكندرية وسيعودان فى الغد ولم تنس ان تخبره عن طعامه الموجود فى الثلاجة….وفى الطريق الى الاسكندرية استكملا حوارهما عن اللوحتين حتى وصلا الى فندق فلسطين.

شاهد أيضاً

مدرسة سيناء التى علمتنا جميعا !

يندر أن تجد باحثا في الجغرافيا أو الجيولوجيا في مصر ولم تكن سيناء مصدرا لمعارفه. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *