الأحد , يونيو 7 2020
مدحت موريس
مدحت موريس

التجربة

مدحت موريس

لم اتخيل ان اعيش يوماً تلك الفترة العصيبة التى مررت بها…فمنذ ان رُزقت بابنى الوحيد وانا اعمل جاهداً على تنشئته وتربيته على كل الفضائل..

ومع استجابته لى انا وامه نشأ طفلى محبوباً ومغبوطاً من الجميع بل صرنا انا وامه محسودين على ابننا الوحيد الذى صار فى صباه وسنين مراهقته مثالاً لكل من يعرفه اما عن فخرى به انا وامه فهذا امر غنى عن التعبير.

وكيف لنا الا نفخر بفتى يشهد له الجميع بالاخلاق الحسنة والعقل الراشد وفوق هذا وذاك تفوقه العلمى فى مراحل التعليم المختلفة..حتى وصل للعام الاخير من المرحلة الثانوية….الثانوية العامة التى تُعلن فيها حالة الطوارىء فى كل البيوت المصرية ويخيم الصمت على كل المنازل فلا مجال لاغانى نستمع اليها ولا لافلام نشاهدها او مباراة رياضية نتابعها فكل البيوت مشغولة بعام تحديد المصير.

على العكس من هذا كان بيتنا حيث لم نعش فترة الطوارىء فابننا طالب الثانوية العامة كان وقته منظماً تماماً فكان ينكب على دراسته فى وقت ويستمع الى الموسيقى التى يحبها فى وقت وكان يتابع ايضاً مبارايات كرة القدم فى وقت آخر….ومع كل هذا كانت علاقته بربه موجودة فى كل الاوقات لا تتعطل ولا تتأثر بما يجرى حوله…خلاصة القول ان تلك السنة مرت علينا مثل كل سنوات دراسته ولم نستشعر فارقاً بينها وبين سنوات الدراسة الاخرى…

وفى نهاية العام لم نتفاجأ ان يكون ابننا وفخرنا من زمرة المتفوقين وبسهولة وبدون عناء تم قبوله بكلية الهندسة. من هنا بدأت المعاناة…معاناتى انا وامه؟ ام معاناته هو؟ لا ادرى ان كنا نشعر به فنعانى ام تراه كان يشعر بنا فيعانى. الحقيقة انها كانت معاناة للجميع. اجتاز ابنى سنة الدراسة الاولى بكلية الهندسة بعدها التحق فى العام التالى بشعبة الميكانيكا….ثم جاءت الصدمة التى لم يتوقعها احد

حيث رسب ابنى فى فاجعة اهتزت لها اركان منزلنا فلم نتعود على الفشل بل ان كلمة رسوب لم يعتادها اى لسان لاحد افراد الاسرة ومجرد التفكير فيها هو امر اقرب الى المحال…لكن للاسف هذه الكلمة صارت حقيقة واقعة نعيشها…تفجرت دموع امه وتماسكت انا بينما الدموع سجينة فى مقلتى تناشدنى حريتها….اما ابنى الذى اشفقنا عليه من هول الصدمة فقد بدا متماسكاً، كنا نلمح حزنه لكنه ايضاً كان متماسكاً ولم تهتز ثقته بنفسه.

حاولنا معرفة سبب الرسوب واجتهدنا لايجاد اسباباً كانت كلها تهدف لتبرئته من الفشل والصاق الاتهام لعوامل اخرى كلها خارجة عن ارادته. لم احاول ان اناقشه فى امر عدم نجاحه كثيراً لكن كلماتى له جاءت مشجعة لاحفزه للعودة الى النجاح من جديد. ولم يحمل العام الجديد او السنة الثانية سوى مصيبة اقوى بتكرار رسوبه مع تعقد موقفه من الاستمرار فى دراسته فقد منحته الجامعة فرصة اخيرة ليمتحن من الخارج

فان نجح ينتقل الى السنة الثالثة وينفتح امامه باب المستقبل كمهندس محترم اما اذا رسب فانه يُفصل من الكلية وعليه وقتها ان يختار الالتحاق باحدى الكليلت الادبية وتضيع عليه السنوات التى قضاها فى دراسة الهندسة…..

وبسرعة مرت الايام لنعيش مرحلة الامتحانات لعام الامل الاخير وعرفنا معه اجواء حالة الطوارىء التى تعيشها البيوت المصرية فى سنة الثانوية العامة مع فارق كبير نعيشه الآن هو بلا شك اكثر تأزماً واشد الماً.

وبدأت الامتحانات وبدأ الارتباك المنزلى ، وصرنا ثلاثتنا نتحاشى الكلام وحتى النظرات وهاجس الرسوب يهاجمنا او على الاقل انا وامه وللحق فهو كان اكثر ثباتاً منا. تحاشينا الكلام حتى اننا كنا نخشىى سؤاله بعد العودة من الامتحان عن احواله فكان هو يبادرنا بعبارة قصيرة…الحمدلله…وبقدر ايمانى بالله بقدر ما اشعر باننا لا نستخدم هذه الجملة – نحن المصريون – الا فى المصائب والنوائب لكنه

كان يطمئننى بثقة شعرت انها بدأت تعود اليه وبنفس قدر الثقة فوجئت به يصارحنى بمخاوفه من الامتحان القادم بعد يومين، وسقط قلبى بين قدمى فهذا قول جديد تماماً عليه لم يحدث طوال سنوات دراسته سواء تلك التى تفوق فيها او تلك التى لم يحالفه فيها التوفيق….طمأنته بصورة لم اجدنى فيها مقنعاً لكن ما عساى افعل ولا املك من الامر شيئاً دخلت الى حجرة نومى فاذ بامه والتى كانت قد سمعت جانباً من الحوار واقفة تصلى بدموع طالبة من اله السموات ان يمد يده ويترفق بابننا الوحيد…خرجت الى الشرفة وانا اسأل لماذا؟ لماذا؟

و لا اعرف لمن وجهت السؤال…ثم بضعف الاب المستسلم لمشاعره تذكرت حواراً لزملاء العمل يتحدثون عن الفساد…الفساد فى كل شىء لدرجة انهم بيبيعوا الامتحانات!!!!!! بل واقسم احد الزملاء انه يعرف شخصياً افراد يكونون مافيا للامتحانات سواء للثانوية العامة او للامتحانات الجامعية!!!!

سرحت اكثر ودارت رأسى بافكار شيطانية لم اعتدها لكنى استسلمت لها ووجدت فيها طوق النجاة وعلى الرغم من تنافى هذا الاسلوب مع الاخلاق التى نشأت عليها الا اننى وجدت مبرراً وحيداً وهو اننى لن اترك ابنى يغرق وهناك آخرون لا يستحقون النجاح وينالونه فى مقابل المال. استعجلت الليل ان يمر ليأتى الصباح واذهب الى عملى مسرعاً والتقى بالرجل الذى يعرف هؤلاء المافيا وسألته وانا احاول الا ابدى اهتماماً ان كان يعرف احداً يستطيع ان يسرب له اسئلة هذا الامتحان الذى يخشاه ابنى؟

وعندما اجابنى بالايجاب لم استطع ان اخفى مشاعرى بل وطلبت منه بصورة اقرب الى التوسل ان يأتى لى بهذا الامتحان….انصرف عنى واجرى محادثة تليفونية ثم اتى ليبشرنى ولكنه قال “الاسئلة فقط” فلن استطيع ان احضر الاجابات….لا يهم ..لا يهم لن يحتاج ابنى الى الاجابات فهو طالب مجتهد ما يهمنى هو ان يركز فقط فى عدد محدد من الاسئلة. فذهب هو ليحضر الاسئلة

وذهبت انا الى البنك حيث سحبت خمسة آلاف جنيهاً هى ثمن بخس لانقاذ ابنى من الضياع…ولم اعد الى المنزل الا وبيدى اسئلة الامتحان…..سيراجعها الليلة بعد ان يذاكر جيداً ، ستكون المراجعة الاخيرة قبل ان يذهب للامتحان. فى المنزل ترددت قبل ان اطرق باب حجرته، هل سادخل عليه لاقول افرح يا ابنى الحبيب ابوك صار فاسداً واشترى لك الامتحان؟…دخلت حجرته سألته عن احوال المذاكرة فاخبرنى انه لتوه انتهى وسينام الآن ليصحو مبكراً ويراجع المراجعة الاخيرة، مددت يدى باوراق الاسئلة التى اشتريتها

وقلت دون ان انظر اليه هذه بعض الاسئلة يقولون انها مهمة جداً…القيت كلماتى وخرجت قبل ان يسألنى اسئلة صعب على ان اجد اجابة لها. استغرقت فى النوم وصحوت مبكراً جداً وشعرت بابنى وهو يغادر الى الامتحان ولم اشأ ان انهض بل ولم اذهب الى عملى…

لكنى نهضت لادخل حجرته وانظر الى مكتبه لاجد الاوراق التى اعطيتها له فى مكانها ويبدو انه لم يمسها !!!! تباينت مشاعرى ولم اعرف هل افرح لامانته ام احزن لضياع نقودى و مبادىء عشتها عمرى كله، وفى النهاية تغلبت مشاعر الخوف لساعات انتظرت فيها عودة ابنى من الامتحان….ما ان سمعت خطواته حتى سارعت وفتحت الباب لاجده امامى بابتسامة خففت قليلاً من توترى وسألته عن احوال الامتحان فاجابنى ” كان امتحان صعباً جداً”…انقبض قلبى وقلت له بصوت خافت ” مادام صعب على الجميع يبقى ح يراعوا ده فى التصحيح”

اجابنى ابنى “فعلاً”.سألته تقصد ايه…قال لى ” خلينى احكى لك الحكاية” جلست صامتاً استمع….بدأ ابنى حكايته ” استاذ المادة هو الدكتور سرور المعروف بصرامته الشديدة وهو ايضاً رئيس لجنة الامتحان..واثناء مروره على لجنتنا سمع همهمات الطلبة وشكواهم من صعوبة الامتحان..فكان انه وقف يتحدث مع المراقبين على باب اللجنة او خارجها قليلاً وكأنه يعطى الضوء الاخضر للطلبة لتبادل الاجابات..

بل انه قال على مسمع ومرأى من الجميع “اتصرفوا بينكم وبين بعض” فصارت اللجنة مثل السوق. قاطعت ابنى ” وماذا فعلت انت؟” اجبنى ” حصرت ذهنى قدر ما استطعت وحاولت فى جميع الاسئلة وكتبت ما استطعت ان اكتبه، لكنى لم التفت يميناً او يساراً فضميرى لم يسمح بأن آخذ ما ليس لى..!!!!

وقبل انقضاء نصف الوقت وجدت اننى كتبت كل ما اعرف وكانت هذه هى كل قدرتى وفوق هذا لم استرح للجو العام للجنة فهممت بتسليم الورقة والخروج، وما ان رآنى الدكتور سرور واقفاً حتى سألنى – رايح فين- اجبته: انا خلصت، امسك الدكتور بورقة الاجابة متصفحاً ثم قال بصيغة آمرة – ارجع كمل الاجابات

قلت له هذا كل ما اعرفه يا دكتور…صاح الدكتور: ده مش ح ينجحك ادخل واتصرف مع زمايلك..اجبته: مش قادر اعمل كده يادكتور…ارتفع صوته اكثر: انا باقولك غش قلت له : ضميرى لا يستطيع صدقنى ، قال الدكتور وهو يسب ويشتم: يا واد انت منين؟اصلك ايه؟ قلت له: انا مسيحى يا بيه وامسك الدكتور بالقلم

وهو يقسم باننى ناجح وعلم على الورقة واعطانى اكثر من درجة النجاح. انسابت دموع ابنى غزيرة وهو يروى لى قصته وعجزت هذه المرة عن التحكم فى دموعى واحتضنته وانا اهنئه ليس بالنجاح فى الدراسة وانما بنجاحه فى اجتياز التجربة، ثم تركته لاختلى بنفسى

واعاتب ذاتى على ضعفى تحت مسمى حبى لابنى او لاتخاذى لفساد الآخرين ذريعة وحجة للتهاون والتنازل عن المبادىء التى تربيت عليها. نجح ابنى فى الامتحات ولا يهمنى ان كان سينجح فى دراسته فى السنوات القادمة

لانه بالفعل اجتاز الامتحان الاصعب وتتبقى التجربة التى مررت انا بها وسقطت فيها سقوطاً مخيفاً لتكون درساً لى فى سنين عمرى القادمة. ملحوظة: قصة التجربة هى من وحى خيال المؤلف ولكن المشهد الخاص بلجنة الامتحان وحوار الطالب مع الدكتور هو واقعة حقيقىة وحدثت بالفعل بكلية الهندسة جامعة الاسكندرية فى اواسط الستينات من القرن الماضى وكان القمص لوقا سيداروس شاهداً لتلك الواقعة وذكرها فى الجزء الثالث من كتابه رائحة المسيح فى حياة ابرار معاصرين.

شاهد أيضاً

د. عاطف المصري

الأهميه والأولويه

قد نري في كثير من الأحيان ان لم يكن دائما أشخاص لاقيمه لهم بجميع المقاييس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *