الإثنين , يونيو 22 2020
الأنبا بولا

قراءة فى المشهد القبطي ( 1 ) .

بقلم / مايكل عزيز البشموري
إنتابنى حالة من الصمت الطويل صاحبه شعوراً باليأس ، حيال الأحداث الدراماتيكية التى شهدها أقباط مصر بالأونة الاخيرة ، والسبب فى ذلك يرجع ، عدم وجود حل للمشكلات والصعاب التي يواجهونها ، تلك المشكلات التى تهدد وحدة وترابط الشعب المصري بمسلميه ومسيحيه ، والأسوأ من ذلك مشاهدتنا تواطؤ الحكومة المصرية فى عدم اتخاذ أي إجراءات أو حلولاً عملية من شأنها حل الإشكاليات التى تواجه الاقباط ، لتبوح فى الأفق نظرة ضبابية على المشهد القبطي ، وتلك النظرة السوداوية ليست وليدة اللحظة ، وإنما جاءت بعد تراكمات سنوات عدة ، شهدنا من خلالها أحداث طائفية وعنصرية متتالية .
ومن الضروري هنا التساؤل عن دور المجتمع المدني القبطي حيال تلك الأزمات المتكررة ؟
– الإجابة ستأتي مغايرة وعكس المتوقع ، فبعد عدة أعوام قضيتٌها في العمل القبطي العام ، اتضح لى جلياً عدم وجود مجتمع مدني قبطي ، فأغلب الشواهد تؤكد بأن المجتمعات التى يحيط بها الاقباط أنفسهم ، هي مجتمعات دينية منغلقة ومنزوية على نفسها ، ويحكمها الدين والطائفية بطبيعة الحال ، وتلعب الكنيسة ورئيس الطائفة دور المحرك الرئيسي والممثل الرسمي لتلك الجماعات ، ومن هذا المنطلق استخلصت من خلال تجربتي الخاصة عدة نقاط هامة :
١- الاقباط يعيشون داخل مجتمع ديني مسيحي منفصل ويحكمهم رجال الدين وتثيرهم النعرات الطائفية والمذهبية .
٢- كل ما نعانيه من مشكلات يتحمل مسئوليته قــادة الكنيسة الارثوذكسية . ولنكن أكثر إنصافاً تتحمل الكنيسة نصف المشكلات التى يعانيها أقباط مصر .
٣- قادة الكنيسة لا يؤمنون بالدولة المدنية ولا بدولة المواطنة .
٤- سيطرة اليمين الأرثوذكسي المتطرف على صناعة القرار القبطي داخل الكنيسة القبطية .
و يتضح لنا من قراءة تلك النقاط عالية ، أننا نتعامل مع تيارات مسيحية متشددة تتشابه إلى حد كبير بالتيارات الاسلامية المتطرفة ، فالرابط الذي يجمع بين هذان الفريقان : كراهيتهم للعلمانية ، نبذهم للمفكرين ، وإحتقراهم لإقباط المهجر ، وقد أصبحت تلك الجماعات المسيحية المتطرفة ، أداةً خصبة في أيدي الأساقفة المسيسّين داخل الكنيسة القبطية ، فعملوا على خدمة مصالحهم الخاصة وتم إستخدامهم لتضليل وغسل عقول الشعب القبطي البائس . وهو ما يعيد الينا ذكر مصطلح : المسيحية السياسية وكنيسة العصور الوسطي .
وبإختصار وبدون إطالة تعاني كنيستنا القبطية اليوم من إضمحلال روحي وأخلاقي ، فقد ضرب الفساد قيادتها، وأصبحت المصالح الخاصة تقودهم ، فتحولت الكنيسة بعد ثورتين متتاليتين إلى « حزب سلطة حاكم » يتمتع رجالها بنفوذ وصلاحيات موسعة لم توجد إلا فى كنيسة العصور الوسطي ، وكل هذا جاء على حساب الدولة المدنية ، ودولة المواطنة التى باعها رجال الدين الاقباط من أجل تخصيص مادة ثالثة من الدستور المصري ، تسمح لهم بالسيطرة على شعبهم أسوة بنظيرتها المادة الثانية ، والنتيجة كما شاهدنا بالسنوات الاخيرة ، ظهور قيادات دينية خانعة وخائنة لشعبها ، قيادات تآمرت وتحالفت مع قتلة الاقباط فى ماسبيرو من أجل الوصول تحت قبة البرلمان المصري ، فلإول مرة فى التاريخ المعاصر نرى :
١- كنيسة تقوم بالاشراف على قائمة بمرشحين أقباط لإنتخابهم بالبرلمان ( راجع تصريحات الانبا بولا الاخيرة ) .
٢- كنيسة تنفرد بكتابة القوانين المدنية كقانون الأحوال الشخصية وقانون بناء دور العبادة وغيره من القوانين .
٣- كنيسة تساهلت مع الحكومة الدينية وقبلت بالذمية والاحكام العرفية وصمتت إزاء ما يحدث لأقباط المنيا من جرائم عنف طائفية ممنهجة .
٤- كنيسة تنازلت عن مدنية الدولة وعلمانيتها من أجل تحقيق مكاسب زمنية وقتية على حساب نهضة وطنها وشعبها .
٥- كنيسة تغاضت عن دماء شهدائها بمذبحة ماسبيرو والقديسين وغيرها في سبيل تحقيق مكاسب خاصة .
لقد باتت قيادات الكنيسة المصرية اليوم ، مصدر فشل وتعاسة الاقباط فى مصر ، وأصبحت عبئاً كبيراً عليهم ، نتيجة اتخاذهم قرارات مصيرية منفردة تخص شعبهم ، والفضل فى ذلك يرجع سيطرتهم على السلطتين التنفيذية والتشريعية فى ظل مباركة من الدولة الدينية القائمة ، والنتيجة كما نشاهد إنحراف دفة الكنيسة والأقباط سوياً ، وهو الامر الذي حذر من خطورته الاب متى المسكين ، قائلاً : « إنه كلما خرجت الكنيسة عن اختصاصات مسيحها ، وبدأت تنزع إلى السلطان الزمنى ، وتجيش الجيوش بإسم الصليب ، وزاغت وراء أموال الاغنياء ، وإرتمت في أحضان أصحاب النفوذ والسلطة ، وحاولت محاولات جدية وعنيفة للجمع بين السلطان الدينى والسلطان الزمنى ، ودأبت على المطالبة بحقوق عنصرية وطائفية ، كلما فشلت المسيحية فى تأدية رسالتها ، ودب فيها الخصام والنزاع والوهن ، وفقدت شكل مسيحها كمنادية بالتوبة ، وهكذا ضاع منها الخروف الضال ، ولما انشغلت بأمجاد الدنيا ، قُفل فى وجهها باب الملكوت السماوى ، وصارت فى حاجة لمن ينتشلها من ورطتها ويردها إلى حدود اختصاصاتها الاولى » . من كتاب : الكنيسة والدولة .
للحديث بقية

شاهد أيضاً

تغسيل الموتى جريمة بشعة وتؤدى لنشرالوباء.

تغسيل الموتى عادة سيئة وبغيضة ، ولا أساس لها في معتقداتنا المسيحية .تغسيل الموتى يتسبب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *