الأربعاء , يونيو 24 2020
الكاتب والروائى العالمى واسينى الأعرج

الحقيقة المُرّة في سينما التاريخ المنسي .

بقلم : واسيني الأعرج
الحقيقة المرة في سينما التاريخ المنسي هناك الكثير من الأفلام تبقى في الذاكرة الجمعية ليس بخطابها العالي وحسب، أو بحدة موضوعها وتماهية مع الراهن حتى ولو كان تاريخيًا، ولكن فقط ببساطتها التي تمس العمق الإنساني وقوة تأثيرها حتى بدون الخدع السينمائية التي أصبحت وسيلة، كثيرًا ما تغطي النقائص الفيلمية، أخرج السينمائي الفرانكو- جزائري رشيد بوشارب العديد من الأفلام المهمة التي أثارت جدلاً كبيرًا، كان آخرها «الطريق إلى اسطنبول» الذي تناول قضية شديدة الحساسية اليوم، في المجتمع الأوروبي، التحاق الأوروبيين بداعش والجماعات المسلحة في العراق وسوريا، اعتمد بوشارب عائلة أوروبية بسيطة لا علاقة لها بالإسلام، في بلجيكا للتعبير عن هذه المأساة، اعتمد أكثر على البعد الإنساني للأمّ العازبة التي تعيش في الريف البلجيكي مع ابنتها، البالغة من العمر 18 عامًا، تنقلب حياة الأم رأسًا على عقب عندما تكتشف أن ابنتها سافرت مع صديقها للانضمام إلى داعش، ولا تتلقى من السلطات البلجيكية إلا ردًا سهلاً بأنه لا دخل للسلطات لأن ابنتها بالغة، حينها تقرر الأم البحث عن ابنتها بنفسها.
لكن الفيلم الذي ظل يشد اهتمام المتتبعين هو بلا منازع «الأهالي» أو «أنديجين» الذي دفع بالرئيس جاك شيراك وهو آخر الديغوليين، إلى تغيير الكثير من القوانين الفرنسية الخاصة بالذين أسهموا في الحرب العالمية الثانية ووقفوا بجانب فرنسا على أمل نيل استقلالهم، قبل أن تُدحر النازية وتوجه البنادق الفرنسية ضد المغاربيين، والجزائريين بالخصوص، حيث خلفت أحداث الشرق الجزائري في 1945، قرابة الـ45 ألف قتيل، كرد فعل ضد الذين خرجوا يذكرون فرنسا الاستعمارية بوعودها، الفيلم ذاكرة حية وظالمة تعيش بيننا، حيث أهمل الذين شاركوا في تحرير فرنسا من قبضة النازية، رهان بوشارب هو تحرير الذاكرة من يقينها، أنتج بعد «الأهالي» فيلمًا خصصه لأحداث 1945 فقط: «الخارجون عن القانون»، أثار الفيلم جدلاً كبيرًا في باريس، بمناسبة مشاركته في مهرجان كان السينمائي، في دورته 63، ويبدو أن الفيلم، خارج الاعتبارات الفنية، هو اختبار للديمقراطية الفرنسية وقدرتها على تحمل تبعات تاريخها، ردود الفعل المتناقضة كان أهمها موقف وزير الثقافة من الفيلم، أجاب عندما سئل عن الضجة التي اعتبرت الفيلم معاديًا لفرنسا: من حق بوشارب أن يقول ما يشاء، فهو فنان كبير ومسؤول، وله رأيه الخاص، ما يهمني في الفيلم هو كونه أولًا وأخيرًا قيمة فنية قبل أي شيء آخر، ومادام مهرجان كان قد قبل به، فهذا يعني أن في الفيلم قيمة فنية عالية.
لنخرج من هذه النقاشات السهلة التي لا تقدم لا معرفة ولا أي شيء يمكن أن يفيد المجتمع، طبعًا الفيلم ليس معاديًا، لكنه يضع الخطاب الكولونيالي المكتفي بذاته والذي يرفض الاعتراف بجرائمه التاريخية، على حافة التساؤل، بعد مرور أكثر من نصف قرن على أحداث 08 مايو 1945، لم تنتبه السينما الفرنسية الواقعة تحت تأثير الخطاب المهيمن الذي يتخفى تحت وطنية ليست دائمًا صائبة، إلى إعادة تأمل التاريخ مثلما فعل المخرجون الأمريكيون، في تعاملهم مع الحالة الفيتنامية. استطاعوا بأفلامهم العظيمة أن يقللوا من الأهواء ويذهبوا نحو الحالة كما حدثت، ببشاعتها، ورأى المواطن الأمريكي الذي لم يعش حرب فيتنام، لأول مرة، صورته القاسية جدًا والإجرامية أحيانًا، وانتقدها، لأنه لم يقبل بها في مجتمع يروم الحرية. الفرنسيون أنفسهم بدأوا من خلال فيلم الحصار مثلاً، يرون هذه الصورة المرتبطة بالشخصية اليهودية إبان الحرب العالمية الثانية وكيف تم تجميع اليهود في فالديف ونقلهم إلى المحارق النازية، الحصار بيّن للفرنسي البسيط الذي لم يعش هذه الحقبة السوداء من تاريخه، كيف أن فرنسيين مثله كانوا في القيادة أو حتى شعبيين بسطاء، كانوا وراء الوشاية وتسليم اليهود لمحارق هتلر، مثل هذه الأعمال التي تقلل من الأهواء ومن الخطابات المريحة تجعلنا نواجه التاريخ كما هو لا كما نشتهيه، نواجه التاريخ لا كما بنته وأنشأته الحكومات في ظروف الحرب المحكومة بالكتمان والسرية، ولكن كما هو، في صعوباته ومهالكه وشجاعته أيضًا، لأن الحاسم في مثل هذه الخطابات الجديدة، هو الشجاعة والتفكير في تحرير التاريخ من مقدسه الغامض.

شاهد أيضاً

الست ماجدة منير

بقلم / ماجدة سيدهم ومابين ماجدة منير وإيرين باباس حكاية نص وقلم “ماجدة منير” الفنانة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *