الثلاثاء , يونيو 16 2020

ماجد سوس يكتب: بين التكفير و الهرطقة

لست ادري هل هي احدى مساويء او تبعات ثورة 25 يناير و ما بعدها من احداث شكلت نموذج لشخصية مصرية تظهر عليها العنف و التمرد و رفض الآخر دون نقد او بحث موضوعي أم هي آفة ضربت المجتمع ، منذ عهود بعيدة ، نتيجة لتفشي ثقافة عدم قبول الآخرأ و الإختلاف معه في الدين او العقيدة او الطائفة ، كل هذا مع العيش في جلباب رجال الدين و الإنقياد خلفهم دون اعمال العقل او تمييز الأفكار.
ما دعاني للحديث في هذا الشأن هو انه مع ازدياد فكرة تكفير الآخر المنتشرة بين بعض المسلمين سواء بتكفيرهم لبعض من اهل السنة والشيعة و الدروز و الخوارج و الاحمدية و القرآنيين وخلافه ، تسرب الى داخل بعض المسيحيين نفس الفكر و ان لم يتخذ فكر العنف المادي الا انه احيانا قد يكون العنف النفسي أكثر فتكا من العنف الجسدي .
بعد إنتشار السوشيال ميديا و تطورها السريع و من قبله الزخم الإعلامي الشديد أصبح ان تملك قناة سواء عبر الأثير او عبر صفحات الإنترنت أمرا يسيرا لا يكلفك جهدا او مالا و ما عليك الا ان تكتب ما تريد و تضغط على زر البحث فتجمع بعض المعلومات ثم تدعي الخبرة و القدرة على التحليل و اصبحت كلمة الخبير او المحلل او المفكر او الباحث تطلق على اي شخص و تكونت الشللية و التبعية فمن يتبع شخص يدافع عنه و يعادي من يختلف معه .
بعد ان كانت كلمة هرطقة او مهرطق لاتخرج سوى من مجامع مسكونية و بعد بحث و تحري و محاكمات عادلة مطولة و اصوام وصلوات حيث كان اباء الكنيسة يخشون نطقها خوفا من الدينونة التي قد يقع فيها الشخص الذي يتهم بها الآخر .
و بعد ان تطور الأمر بعد القرن الخامس بعد إنقسام الكنائس الى ان تخرج الكلمة من مجمع محلي على ان تكون بالإجماع و ايضا بعد تدقيق و محاكمات عادلة ، تجد الآن اطفال روحيين في الإيمان و العلم و اللاهوت يرددون الكلمة على اي شخص يختلف معهم او مع متبوعهم فوجدنا تكتلات و مجموعات من يسمى نفسه حامي الايمان و من يسمي نفسه المدافع عنه و من يسمي نفسه انه سيثبّت العقيدة او من يؤسس صفحة و يسميها ضد هرطقات فلان او علان و اصبح حال الأقباط يحزن روح الله.
لعل التاريخ نفسه يشهد ان الإنقسام بين الكنيسة الغربية و الكنيسة الشرقية جاء بسبب سوء فهم وقعت فيه الكنائس حول طبيعة المسيح فأتهمت بعضها البعض بالهرطقة . على سبيل المثال ما اصعب عليك مثلا حين تدخل كنيسة كالكنيسة اليونانية الأرثوذكسية و تجدهم يقولون ان الأقباط كفرة و يلعنون البابا كيرلس عامود الدين ثم ترد الكنيسة القبطية بالمثل و بعد خمسة عشر قرن و حين نجلس معا نكتشف ان إيماننا واحد و لكن كلمة واحدة قلناها فهمها الآخر بالخطأ فإنقسمنا و تبددت الرعية .
آه لو يعلم هؤلاء ان العثرة التي يسببونها لشعب المسيح و جسده اكبر بكثير من الإدعاء بحماية الإيمان ، فالذي يهاجم اسقف او راهب او كاهن او خادم له اتباع و مخدومين و يهلك منهم احد معثرا لن يستطع ان يواجه المسيح بحجة انه كان يدافع عن الإيمان فالدفاع عن الإيمان له رجاله و اجراءاته .
من ناحية من يحاكم لاهوتيا يجي ان يكون اكثر منه علما او في مستواه ، من يحاكم لاهوتيا يجب ان يكون مجمع اساقفة مع العلماء من الكهنة و الرهبان و الخدام و العلمانية ، من يحاكم لاهوتيا يجب ان يحاكمه في محاكمة عادلة من درجتين او ثلاثة درجات و يكون في تشكيلها قضاة لاهوتيين ، من يحاكم لاهوتيا لا يكون قد كان على خلاف شخصي او ابدى رأيه في شخص او كتابات المتهم لاهوتيا دون فحص او تدقيق بعد ان تعطى للمتهم تحضير دفاعه بكل شفافية مع اعطاءه فرصة الدفاع كاملة .
نشكر الله ان قداسة البابا الإصلاحي المجدد الأنبا تواضروس الثاني و قد استشعر بخطورة الظاهرة و التي تفشت و تسربت من الميديا الى داخل كنائسنا ايضا و على منابرها ، انه طلب تشكيل لجنة في المجمع اضاف إليها علماء علمانيين لبحث كل الأمور اللاعوتية و العقيدية المختلف عليها ، و في احدى القضايا طلب عدم الحديث عن شخص لم تراجع افكاره بعد.
ما زالت أتشوق لتشكيل محاكم كنسية عادلة على درجات مختلفة ابتدائية و استئنافية و عليا و تشكل من رجال العلم و القضاء و تكفل للشخص المتهم بمخالفة التعليم كل سبل الدفاع عنه نفسه او بالوكالة حتى يرتاح ضمير الكنيسة بالتمام انها لم تظلم احد .
التكفير و الهرطقة ظاهرة تضرب المجتمع المصري فتهلكه فلنتصدى لها جميعا حتى لا نأخذ دور الله و نجلب على انفسنا دينونة نهلك بها.
كنسيا لنترك لروح الله يقود و يرشد البابا و المجمع المقدس و علماء الكنيسة لتدبر الأمر بكل حكمة و حيادية ليصلوا بالكنيسة و بشعبها لبر الأمان و هو حضن المسيح و هو غاية حياتنا و املنا المنشود.

شاهد أيضاً

عشرات القتلى في سلسلة هجمات جديدة علي مسيحيي نيجيريا

هاني صبري – المحامي يستمر مسلسل الهجمات الدموية من جماعة بوكو حرام الإرهابية بحق المسيحيين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *