الثلاثاء , يونيو 9 2020
الكاتب والروائى العالمى واسينى الأعرج

هل يخفي الصراخ ضحالة الموهبة أم يفضحها ؟!

واسيني الأعرج
هل يخفي الصراخ ضحالة الموهبة أم يفضحها؟! مرض كبير ينتشر بشكل سرطاني في العالم العربي، يبدأ من الغيرة التي قد تكون طبيعيَّة، وينتهي على حوافِّ الحسد، ثم الضغينة التي لا باب بعدها إلاَّ باب جهنم التي تأكل صاحبها قبل أن تأكل غيره إذا طالته. طبعًا، أدرك سلفًا أنَّ الكاتب الناجح يتعرض دومًا للطعن وليس للنقد. لأن النقد قيمة ثقافيَّة عالية عندما تتأسس على فعل التقويم أو الفهم الأدبي. لا يمكنه أن ينجو من ذلك، مهما حاول الكاتب أن يكون صادقًا وجميلاً، وواسع الروح، ولا يلتفت للمهاترات التي لا تكشف في النهاية إلاَّ هزال أصحابها.
هذا مفهوم ومستوعَب، لأن الأهواء البشريَّة من الصعب التحكم فيها، فهي مثل النار، إذا تخطت عتبة معينة تحوَّلت إلى دوار تنتهي بصاحبها إلى الجنون. الجنون الفعلي وليس الرمزي. عندما أقرأ لبعض هؤلاء أشعر حقيقةً بأنَّهم على الحافة. وأنَّ حضور مُحلِّل نفساني بجانبهم يصبح أكثر من ضرورة. والغريب في وضع مثل هذا، أن الأنظار، بدل أن تتوجَّه للأدب والمناقشات الجادة والمفيدة، تتحوَّل إلى معارك شخصيَّة خاسرة، شديدة الانحدار. فاقد الشيء لا يعطيه طبعًا. بالخصوص إذا وجدت مَن يزكيها ويزيد في إشعالها. كل الوسائل التدميرية صالحة كالاتهام بالسرقة الأدبية، تبخيس ما يُكتَب، وكأن البلاد، وربما الأمة لم تنجب أحدًا غيره. بل إن بعضهم بدل أن يبدع في العمل الخلاق والمفيد، يُوقظ كل الحواس المريضة النائمة في الأعماق، يذهب إلى درجة اقتطاع جملة من سياقها النصي، ويرميها في الفيسبوك أو في مقالات، ويطلب من أصدقاء صفحته، أو المتوقفين عندها: هل فهمتم شيئًا في هذه الجملة؟ بدون أن ينسى أن يقول: أصدقكم القول إني لم أفهم شيئًا. وعندما نبحث طويلاً في درجة البؤس الذي وصلت إليه هذه العقلية، نجد أن الاختلاف البسيط إذا وجد، تحول إلى ضغينة غير مسبوقة. هذا العقل يرى في كل مبدع، عقبة في طريقه.
والغريب أني عندما أقرأ النصوص التي يريد تسفيهها، فازت باهتمام القراء الكبير، وجوائز كثيرة، وترجمت إلى لغات كثيرة. وفي دفع أكثر للتأمل وفهم سرّ الحقد، نجد أن الرجل الذي يشتم كل شيء بما في ذلك الجوائز، قد ترشَّح، ومن سوء حظّه لم يفز. قد يكون الأمر عاديًّا بالنسبة لشخصٍ سليم البصر والبصيرة، ولكن في الحالات المرضيَّة مثل هذه، ردة الفعل تتحوَّل إلى سلسلة من الأحقاد والشتائم لكل الوسط الثقافي أملاً في أن يجعل من نفسه ضحيَّة أو معارضًا مظلومًا. لكن حتى هذه الصفة لا تنطبق عليه لأنَّه حاضر في الغرف الخلفية، لكل الموائد.
هذا الصراخ الذي ينشأ حول بعض النصوص يثير كثيرًا من الجدل، حتى أصبح من الآلي والطبيعي، أن كل نص يتعرض لهذا السيل من النقد غير المؤسس، الذي لا علاقة له بالأدب، لابد أن يكون فيه شيء يستحق التأمل. وبالفعل. هناك حقيقة نلمسها. فتتحول هذه الضوضاء إلى وسيلة دعائيَّة مجانيَّة. تتجاوز إرادة سدنة الشتيمة والبؤس. للأدب قوته الداخليَّة التي تحميه. يستطيع أمثال هؤلاء أن يصرخوا كما يشاؤون، حتى الاختناق، فلا أحد يستطيع، مهما أوتي من قوة، أن يوقف لا آلة الكتابة، ولا خيارات المبدع في منجزه. النص مخلوق من نور، كلما ظن بعض هؤلاء أنهم أوقفوه، قام من عمق الرماد ليستمر محلقًا في الحياة.
نصوص شكسبير دفنت على مدى القرنين قبل أن تعاود الحياة في عز ألقها. ألف ليلة وليلة أحرقت عشرات المرات بسبب غباوات تتكرر في كل العصور، لكنها في كل مرة تنشأ من رمادها وتحضر بقوة في الذاكرة الجمعيَّة والإنسانيَّة. فلا شيء أمام المبدع إلاَّ الإبداع، فهو الفيصل في النهاية. نصيحتي دومًا للكُتَّاب الشباب الذين يرددون نفس السؤال: ماذا نفعل لكي لا نُكسر ونحن في بداية الطريق؟ أن لا يلتفتوا إلى الوراء. أن يستمعوا للنقد المؤسس والبناء الذي ينشئ رأيه على نص مقروء وليس على سماع ضعيف. أن ينظروا إلى الأمام، ويقرأوا كثيرًا. وأن يضعوا تجاربهم في عمق التجارب التي يقرأونها. وعندما يكبرون سنًّا، ويكبرون ككُتَّاب، يكتشفون كم أنهم تطوّروا في رحلتهم؟ وكم أن قراءهم كبروا معهم. وكم أن الذين شتموهم، ولم يلتفتوا نحوهم، ولم يردُّوا عليهم، ظلوا صغارًا، يُراوحون نفس الأمكنة. لا سلطان في الكتابة، إلاَّ جودة الكتابة.

شاهد أيضاً

د. عاطف المصري

بدون تطبيل

سبق وعلمنا أن القياده السياسيه رصدت مبلغ مائة مليار جنيها لأزمة كورونا و ظلت تنادي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *