الثلاثاء , يونيو 9 2020
صلاح عبد السميع عبد الرازق

” الميد تيرم ” ليس هو المشكلة .

الدكتور / صلاح عبد السميع عبد الرازق
تابعت كما تابع الجميع من المهتمين بالشأن التعليمي ما تم إصداره من قرارات وزارية خاصة بتعديل بعض مواد القرار ” 313″ الصادر بتاريخ 7/ 9 / 2011م بشأن إعادة تنظيم التقويم التربوي الشامل المطبق على مرحلة التعليم الأساسي بحلقتيها الابتدائية والإعدادية . مبررا ذلك بأنه وفقاً لما يتناسب مع العملية التعليمية بمصر.

حيث أعلن انه تم تخصيص 40% لأعمال السنة والمواظبة والسلوك، بدلاً من 60% قبل التعديل، مع تخصيص الـ60% للامتحانات التحريرية، وتخصيص 3 اختبارات شهرياً كل فصل دراسى، بواقع 6 خلال السنة الدراسية كوسيلة لتقويم الطلاب بشكل أكبر، والغاء امتحانات منتصف الفصل الدراسي “الميد ترم” والعمل بالاختبارات الشهرية ، بالإضافة إلي جعل درجات سنوات النقل الإعدادية من 60 درجه بدلاً من 50 درجة.

كما تضمنت تصريحات وزير التعليم بحسب ما ورد في جريدة ” مصر فايف” أنه سيتم إضافة ماده التربية الرياضية والأنشطة “الزراعية، الصناعية، والاقتصاد” ضمن الأنشطة الأساسية بجدول كل المدارس على مستوي الجمهورية، وإضافة مادة الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات ضمن تلك الأنشطة، وذلك لجذب الطالب وتخفيف الأعباء عليه وامتزاجه بالعملية التعليمية.

كما سيتم تطبيق القرارات الجديدة واستخدام الأنشطة بداية من مرحلة الصف الرابع الابتدائي حتي الصف السادس، وجعلها ماده نجاح ورسوب وعدم إضافتها للمجموع الكلي ويحظر عقد امتحانات تحريرية لها والاكتفاء بالاختبارات الشفوية.

ولعل تصريح السيد وزير التربية و التعليم “أن التعليم في مصر لا بد من تغيره وفقاً لمعايير التعليم العالمي والتي تعتمد على 30% نشاط و 70% للمواد الأساسية ومواد المعرفة والاعتماد على تقليل كثافة الفصول، مؤكداً أنه هذا ما تقوم وزارة التربية والتعليم على تفعيله لجذب الطالب للتعليم بحب وعدم اللجوء إلى الغياب أو ترك المدارس” .
انتهت التصريحات وهنا أود أن أقول من الجميل أن نهتم بمنظومة التقويم الشامل ، ومن الأجمل أن نوفر مقومات تحقيق تقويم شامل لجميع التلاميذ ، وذلك منذ مرحلة الروضة وليس من مرحلة التعليم الابتدائي فقط ، ولعل الحديث عن تفعيل الأنشطة بكافة أشكالها ” رياضية وزراعية وتجارية وصناعية وفنية وتكنولوجية .. الخ من الأمور الواجبة ، ليس من باب الترفيه ، بل انطلاقاً من أن الهدف من مرحلة التعليم الأساسي يتضمن امتلاك التلاميذ للمهارات الحياتية ، ومحاولة ربط التلميذ بالبيئة المحيطة عبر توظيفها تربويا وتعليمياً ، وإذا كانت معايير التعليم على المستوى العالمى تعتمد على 30 % نشاط و 70 % مواد أساسية ، وان كانت النسبة قد تزيد عن ذلك فيما يخص النشاط فى كثير من الدول المتقدمة .
ولكن السؤال الرئيس هنا هل يكفى أن أعلن عن إضافة تلك المواد ضمن جدول الدراسة بالمدرسة والمثقل أصلا بحصص المواد الأساسية ، والتي يعتبرها معظم المعلمين مشكلة بالنسبة لهم ؟ ترى من سيقوم على تدريس تلك المواد أو تلك الأنشطة ؟ هل المدارس بشكلها وتكوينها الحالي تصلح أن توفر غرف وأماكن لممارسة تلك الأنشطة التجارية ، والزراعية ، والصناعية، والتكنولوجية ؟ هل إدارة المدارس لديها القدرة على تطبيق ذلك ؟ ترى إن كانت تلك المواد ستكون مواد نجاح ورسوب إلا أنها لن تضاف إلى المجموع هل ستكون محل اهتمام من قبل التلاميذ وأولياء الأمور ؟

لدينا مشكلة حقيقية الآن تتمثل في غياب حقيقي عن المشهد التعليمي لتلاميذ وطلاب الشهادات ” ثالث اعدادى ، ثالث ثانوي ” حتى بالنسبة لتلاميذ الصف السادس أذكر اننى التقيت بتلميذ العام الماضي فسألته لم تجلس مع والدك فى المحل ولا تذهب الى المدرسة ، قال لي بالحرف الواحد ” ان المعلمين يقولون لهم لماذا تأتوا الى المدرسة ” طبعا الخطاب موجه إلى تلاميذ الصف السادس باعتبارها شهادة ، نعم انه المرض الذى انتقل من الثانوية العامة إلى الشهادة الإعدادية ، أن الواقع يقول أن الدروس الخصوصية أصبحت واقعا يسير منظومة التعليم العام ، وليس القرارات السيادية أو الوزارية ، أو اى صاحب سلطة إدارية ، ولنا في الأعوام السابقة خير مثال ، عندما حاول احد المحافظين واذكر انه محافظ نشيط تم إقالته وكان محافظا للشرقية ، فقد حرص على أن يتابع مراكز الدروس الخصوصية لطلاب الثانوية العامة ، وذهب فى زيارات مفاجأة لمراكز الدروس الخصوصية ، واصدر أوامره بإغلاق تلك المراكز وتحويل من يترك المدرسة اثناء اليوم الدراسى ليعمل في تلك المراكز إلى التحقيق ، بعد ذلك قام بعض أصحاب المصالح والمنتفعين الذين يروجون لمافيا الدروس الخصوصية بتحريض بعض الطلاب للتجمهر أمام المدريات والمحافظات ، وذلك لإظهار ردود أفعال جماهيرية غاضبة ، للأسف من باب الخديعة ولحساب مافيا الدروس ، وقتها تم تجاهل غياب الطلاب من قبل الوزارة وتم تطبيق المثل الشائع ” ودن من طين وأخرى من عجين ” .

إننا يا سادة إمام مشكلة حقيقية حلها يكمن في إرادة حقيقية تتمثل في التعامل بوضوح مع محتوى كتب دراسية يغلب عليه الحشو والاستغراق فى الكم على حساب الكيف ، إن النشاط الزراعي يمكن ان يدرس من خلال مادة الدراسات ومادة العلوم ليصبح جزء من المادة ، إن أحسن إعداد الكتاب المدرسي ليصبح كتاب دولة ، تجند له الطاقات والخبرات الأكاديمية والمهنية من أهل التخصص والمتخصصين في المناهج وعلم النفس ، لنخرج من دائرة مافيا الكتاب الخارجي ، وما الفجالة إلا خير نموذج عن تردى وضع الكتاب المدرسي ، كمصدر رسمي لبيع الكتب الخارجية ، والتي تعد مصدر ربح بالملايين لأشخاص ودور طباعة تعرف كيف تؤلف وتنتج الكتاب قبل أن يصل إلى المدارس ، وكأن معهم الفانوس السحري الذي يعرف النقاط التي تم إضافتها وتعديلها في المنهج المطور ، في حين انه لا يعرف ذلك الا لجنة التأليف ومستشار المادة محل التعديل أو التطوير ، من أين إذا حصل من قاموا على تأليف تلك الكتب الخارجية على المادة الجديدة والموضوعات التي تم إضافتها ؟؟؟؟

ان ممارسة التلاميذ للنشاط أمر حتمي في مجتمع يريد أن يشعر الأبناء من خلاله بسعادة ومتعة التعلم ، ولكن لهذا الأمر متطلبات ، فلا يمكن أبدا أن تشغل التلميذ بمقررات كثيرة وتطلب منه خلال فترة ثلاثة أشهر أن يمتحن فيها ، ثم يلقى بها إلى سلة المهملات ليتفرغ إلى مقررات أخرى جديدة يطلب منه أيضا أن ينتهي منها خلال مدة مماثلة بل قد تكون اقل من سالفتها ، وينهى العام باختبار تحصيلي آخر، ليعيش الأبناء فى دوامة الاختبارات التحريرية التحصيلية ، والمبنية على الدروس الخصوصية ، ولهذا لا حديث عن أنشطة حقيقية ، كيف تطلب من التلاميذ ممارسة نشاط وتعتبره مادة نجاح ورسوب ولا تضيفه إلى المجموع ؟ ترى من يضحك على من ، من أين ستأتي موازنة إنشاء ورش للنشاط الصناعي ، والنشاط الزراعي ، والنشاط التجاري ، والتكنولوجى .

في قريتي ” سلامون القماش ” مركز المنصورة وهى قرية صناعية من الله عليها بنعمة كبيرة وهى أن بعض رجال الأعمال منها ، ساهموا فى بناء اكثر من صرح تعليمى لأبناء القرية ، ومنهم من توفى ولكن بقى عمله عبر هذا الصرح ، ومنهم من هو على قيد الحياة اسأل الله تعالى أن يبارك في عمره ، نعم بقيت تلك المدارس وقليل منها تكرمت الوزارة متمثلة فى هيئة الأبنية التعليمية ببناء بعضها ، ولكن المشكلة الكبرى من أصل ثلاث مدارس واحدة إعدادية بنين تم تهجير طلابها منذ أعوام لكي يتم إزالتها وبناء مدرسة جديدة ، وحتى تاريخه لم يتم البناء ، ومدرسة ابتدائية ” صدر قرار بترميمها ، وتم الترميم ولكن رفضت إدارة المدرسة استلام المبنى لأنه غير مطابق للمواصفات ، بدعوى أن المبلغ الذى صرف عليها وقد تجاوز المليون جنيهاً لا يساوى ما تم انجازه من أعمال ترميم على الإطلاق ، ومدرسة ثالثة ابتدائية صدر قرار إزالتها ، وتم إرسال الأبناء إلى المدرسة الوحيدة الابتدائية ليدرسوا فترة ثانية مسائية ، للأسف هذا واقع عاينته بنفسي وتلك قريتي اعرف ما فيها واشعر بالأسى والأسف ألا يجد الأطفال والتلاميذ مأوى يحترم آدميتهم ، ولا يجدوا من يدافع عن حقوقهم ، ونحن الآن وعبر تصريحات وزير التعليم التى يتحدث من خلالها عن آليات وقوانين جذب الطلاب ليكونوا في المدارس ممارسين للنشاط .

اقول هنا أين المدارس التي تستقبل الأبناء ؟ وأين الكمبيوتر التعليمي الذي يسمح لأعداد هائلة باستخدامه؟ ، كيف نربى التكنولوجيا في وسط تعلميى ليس فيه مكان للوسائط التعليمية وليس هناك من يدرس تلك الوسائط لجميع التلاميذ ؟ ،

اين دور الوزارة في تجهيز الملاعب وأماكن ممارسة الرياضة ؟ ، وأين موقع النشاط من الجدول المدرسي ؟ اسألوا اى مدير مدرسة عن حقيقة ممارسة النشاط ، اسألوهم عن ألوان وأشكال العذاب التي يجدونها عند تحصيل الرسوم المدرسية الهزيلة من أولياء الأمور ، ثم تطالبهم الإدارة التعليمية بتفعيل النشاط من حصة الرسوم التي لم تحصل في الأصل ، هذا واقع مدارسنا ولم أتحدث عن المعلم الذي غاب قصدا عن التدريب الحقيقي ، وأصبحت مؤسسات التدريب تؤدى دورا روتينيا مبنى على الأرقام وليس الكيف ، اسألوا المعلم عن رضاه الوظيفي ، اسألوا عن المعلم المهان ، والتلميذ المهان ، والمدير المهان ، ابحثوا عن سبل إزالة الاهانة المعنوية ثم سبل اذالة الاهانات المادية ، وبعدها نذهب إلى تعديل وتغيير قوانين في الأصل لا تطبق ، وان طبقت وعارضها أصحاب المصالح سرعان ما تجد أيادى مرتعشة لا تستطيع الاستمرار في اتخاذ القرار المناسب ، وتواجه بلوبي كل ما يشغله مصلحته الخاصة على حساب مصلحة الأبناء ومصلحة الوطن .

إن من يشغل نفسه بتعميق قيم الانتماء للوطن ، عليه أن يعرف أن المدخل الرئيس لذلك هو مخاطبة الرأي العام وإشراكه في الأمر ، عليه أن يوفر الأدوات المناسبة التي تسمح له بالتطوير على ضوء قراءة الواقع ،عليه أن يكون صادقاً مع نفسه ومع من حوله ، إن الاهتمام بالأنشطة الصفية واللاصفية أمر مهم نحتاج إليه بقوة ، ليشعر الأبناء بمتعة التعلم ، وليحدث تعلم حقيقي مبنى على الحب والتقدير المتبادل بين المعلم والتلميذ ، لنبحث عن مفهوم المدرسة الفعالة من خلال الفعل وليس سن القوانين أو تعديلها ، “الميد تريرم” ليس هو المشكلة أصبحنا نحن من يصنع المشكلة بصمتنا على إيجاد حلول حقيقية ترتبط بالواقع والتعامل مع مشكلاته التعليمية والتربوية والى أن نعترف بذلك ونسعى إلى تفعيله وفق الإمكانات المتاحة ، ورصد حقيقي لأسباب المشكلة والبحث عن حلول واقعية لها ، لن نحقق شيئا وستبقى مدارسنا كما هي تصرخ دون سامع أو مجيب ، وان سمع أحد فشعاره ” ودن من طين وأخرى من عجين ” .

شاهد أيضاً

د. عاطف المصري

بدون تطبيل

سبق وعلمنا أن القياده السياسيه رصدت مبلغ مائة مليار جنيها لأزمة كورونا و ظلت تنادي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *