السبت , يونيو 6 2020
مدحت موريس
مدحت موريس

مدحت موريس يكتب : نهاية العالم

غاص فى مقعده وهو يتنقل بين صفحات مجلات وجرائد تتناول موضوعاً واحداً منذ أكثر من أسبوع، لم يثر الأمر إهتمامه فى البداية بل على العكس كانت السخرية هى الغالبة على تعليقاته….

السخرية من الرعب الذى أصاب الناس حوله، ثم السخرية من الموضوع برمته. إنه رجل عقلانى عملى لا يؤمن بالسحرة والمشعوذين وأيضاً علماء الفلك فهم لا يختلفون كثيراً عن الدجالين، غاية الأمر أنهم يفضلون أن يمارسوا أعمال النصب والاحتيال بأساليب راقية متحضرة فى غلاف علمى جذاب.

“نهاية العالم” كارثة جديدة قادمة بعد سلسلة من الزلازل والبراكين، كارثة يشرحها تفصيلاً أحد العلماء “مذنب يحجب الشمس ثم …كوارث صغيرة متعددة وتفصيلات لا تهمه كثيراً الأهم فى نهاية الأمر.ان نهاية العالم قادمة ومحددة باليوم والساعة!!!.

نهض من مقعده وقد إمتلأت رأسه بأفكار وصور تجمعت من الصحف والمجلات وصفحات الإنترنت وشكلت فى عقله صورة متكاملة لنهاية العالم ثم بدأت الصورة تتحرك فى بطء لتتحول إلى “قيديو كليب” صاخب بمشاهد مرعبة لم يتحملها عقله فهز رأسه بقوة محاولاً طرد ما بداخلها ونجح الى حد ما فى تعطيل الشريط ولكن بقيت الصورة مشوشة بداخله لا تعطى تفصيلات لكنها تبقى على شعور الفزع والرعب بداخله. وقف أمام النافذة بعدما أرخى ستائرها ملقياً بنظراته من الطابق العاشر نحو الشارع….أمواج من البشر يسيرون أو يقودون سياراتهم كل شيء يبدو طبيعياً ..أمن المعقول أن كل هؤلاء لم يصدقوا النبوءة؟

أم تراهم لم يسمعوا بها ؟

أم لعل نهاية العالم لن تغير من أمرهم شيئاً. لكن الأمر عنده يختلف فنهاية العالم تعنى الكثير والكثير بالنسبة له، فهى ليست نهاية لحياته فحسب بل هى نهاية أبدية لسلسلة نجاحاته فى عالم البيزنس الذى إقتحمه بقوة منذ سنوات وهى أيضاً إنهياراً لإمبراطوريته التى أسسها فى نفس الفترة.

شعور بالإختناق أحسه، فتح النافذة ليجدد الهواء…تنفس بعمق وهو يتذكر متاعبه وكفاحه خلال تلك السنوات…ثم تذكر أيضاً كيف حارب وجاهد فى عالم البيزنس وهو عالم لا يعرف الرحمة ولا يقبل التخاذل…فقفز من تصر الى نصر ومن نجاح الى آخر….شركات أفلست، ورجال أعمال سقطوا أمام إنتصاراته غير مأسوف عليهم…ففى هذا العالم البقاء فقط للأقوى. أغلق النافذة فى عنف بعدما شعر أنه فتح نافذة للذكريات….فللذكريات جوانب أخرى يريد أن ينساها أو يفضل أن يتناساها… لكن تلك الجوانب أبت أن تفارقه فجلس مستسلماً بعدما رفض إستعادة الذكريات فاستعادته الذكريات!!!!! إنها معركة..ولكى يفوز هو لا بد أن يخسر آخر….لكى يبقى هو لا بد أن ينتهى آخر ولكى يحيا هو لا بد أن يموت آخر!!!! وقد فاز كثيراً وبقى وعاش مديداً وفى المقابل خسر وانتهى بل ومات كثيرون. إنهم ليسوا ضحايا أعمالى إنه عالم البيزنس….هكذا حاول أن يقنع ذاته لكن ذاته لم تقتنع….فذاته كانت شريكة كاملة له فى كل أعماله….ذكرته بكل ما مضى…مؤامرات لاسقاط منافسين، عقود شركات وهمية لاسقاط الخصوم، تزوير توكيلات..رشاوى…………وقائمة لا تنتهى من أعمال شيطانية هدفها الأوحد الإنتصار المزعوم .” يا إلهى…أى شيطان أنا” قالها وقد زاده فزعاً قناعته باقتراب نهاية العالم.

أخرج ورقة بيضاء وبدأ يسجل أسماء ضحاياه الذين أسقطهم أو أضرهم فى مسيرته…قائمة طويلة وكلما طالت كلما شعر بثقل ذنوبه….لكنه كان قد قرر أن يعوض كل من تسبب له فى أذى بالتعويض المناسب بل واكثر بكثير. أسبوع أو أكثر قضاه فاتحاُ كل ملفات أعماله التجارية منذ أن بدأ البيزنس، مراجعاً كل أعماله مدققاً فى كل أرقامه محدداً أمام كل إسم من الأسماء التى كتبها المبلغ الذى كان يستحقه مضروباً فى عشرة أضعاف!!!!

لم يبق سوى شهراً واحداً على نهاية العالم وعليه أن يبدأ الآن. قضى ليلته سعيداً بقراره ثم حام حول رأسه فكر أصابه بالرعب وهو أنه لا يصنع خيراً بل الحقيقة أنه يحاول أن يمحى شراً صنعه هو بنفسه فى يوم من الأيام وظل حبيساً لهذا الصراع طيلة ليلته والليالى التالية.

قرابة الشهر وهو يصحو مبكراً ويبدأ جولته فضحاياه كثيرون داخل المدينة أو خارجها فيعوض من أضره ويعطى من أذله فى يوم ما، ثم يعود الى مكتبه ويُخرج القائمة و”يشطب” اسم من قام بتعويضه وهكذا حتى إنتهى من تعويض كل ضحاياه، وتمنى مستغفراً الا يكون قد أغفل أحداً على سبيل السهو.

ولأول مرة منذ زمن يذهب الى فراشه هادىء النفس منتظراً اليوم الأخير…..نهاية العالم. مر أسبوعان ولم تأت نهاية العالم كما توقع العلماء وكما صدقهم هو والغريب أن الصحف والمجلات لم تناقش الموضوع من جديد أو تتحدث عنه وكأنه لم يكن. ثلاثة أشهر مضت وأصبحت نبوءة نهاية العالم فى طى النسيان، وتعجب الرجل ثم تحول التعجب الى غضب بعد مراجعة كشوف حسابات البنوك وأرصدته التى تدنت بصورة كبيرة، ذهب الى غرفة مكتبه وأخرج قائمة الأسماء وبدأ يعيد كتابة الأسماء من جديد على ورقة جديدة وقد صمم على استعادة أمواله التى منحها لهؤلاء “الأوغاد”….غداً سأبدأ فى استعادة أموالى من جديد..بأية وسيلة….لقد منحتهم أموالى بارادتى وسأستعيدها أيضاً بارادتى. وذهب الى فراشه وقد بدا عليه التصميم على تنفيذ ما نواه.

أشرق صباح يوم جديد وتسللت خيوط الشمس الى غرفة نومه..ويسقط بعض منها على جسده الذى بقى فوق الفراش بلا حراك….لم تأت نهاية العالم بعد كما توقع العلماء…لم تنته الحياة كما تناولتها الصحف والمجلات ووكالات الانباء….خابت كل التوقعات ولم تتحقق النبوءة..ولكن ما لم يتوقعه العلماء ووكالات الانباء هو ان تنتهى حياة رجل الاعمال الشهير …فتكون نهاية لعالمه الخاص.

 

شاهد أيضاً

د. عاطف المصري

الأهميه والأولويه

قد نري في كثير من الأحيان ان لم يكن دائما أشخاص لاقيمه لهم بجميع المقاييس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *