الثلاثاء , يونيو 23 2020
أ.د/ عبدالرازق مختار محمود

لا صوت يعلو فوق صوت المصلحة

أنا لست من جيل ثورة يوليو (1952)، ولم أتجرع يوما مرارة هزيمة ( 1967)، والتي رُوج لها على أنها نكسة، إلا أن أنفاسي الأولى في الحياة كانت مع بشائر نصر أكتوبر المجيد، الذي عبرنا به وفيه من مرحلة إلى مرحلة أخري مختلفة تماما.
هذا العبور ربما لكم يكن فقط على نطاق العسكرية، التي سطرت أمجادا لا يحيد عنها إلا من أبى أن يعمل عقله، هي أمجاد شهد لها القريب والبعيد، والمحب والكاره، والعدو قبل الصديق.

ومع كل ذلك وفور الانتهاء من نشوة النصر وعلى عجل بدأت مراحل العبور الأخرى، فذاكرة السينما، وتدوينات الكتاب، وحكايات الأهل والأحباب تحدثنا عن تلك الروح التي كانت سائدة قبل ثورة يوليو، وحتى أيام الملكية حتى سوقت لنا على أنها مقيته، وعلى الرغم أيضا من كل ما تسوقه لنا الأخبار في تلك الأيام من ضيق الحال وقلة ذات اليد، إلا أننا كنا في مكان آخر غير هذا، كنا بعيدين كثيرا عن هنا.

كانت روحنا أحلى، كان تعاملنا أرقى، كانت شوارعنا غاية في النظافة، كان تعليمنا مميزا، كانت كتاباتنا عميقة وهادفة وراقية، كانت ثقافتنا أوسع، كنا حيث كان الالتفاف حول المشروعات الكبرى، كنا حيث كان الهدف يجمعنا، كنا حيث كانت النخوة تعلو جباه النساء قبل الرجال، كنا حيث كانت القبلات الحانية على أيدي الآباء والمعلمين احتراما ووقارا، كنا حيث القبلات الدافئة على جبين الأبناء، كنا حيث الحشمة والوقار، كنا حيث العيب والخطأ والخطيئة، كنا حيث اجتهدنا أن يكون لنا السبق في بعض الأشياء، كنا حيث كانت التضحية هي شغلنا الشاغل في مرحلة البناء، كنا نضحي بما نملك على قلته لمن يحتاج، كنا نتقاسم ونتبادل سويا أصناف الطعام، كنا حيث كانت البيوت لا تخلو من الزيارات، كنا حيث يفرد (المنديل) على عجل لجمع ما يزيد عن حاجة المحتاج، كنا حيث التطوع، حيث البذل ، حيث العطاء، حيث الرغبة في البناء، كنا حيث كان الإيثار…

وبعد العبور عبرنا، وكأن الجسر الذي انتقلنا به بعد النصر، ألقي الكثير مما كنا نملك من قيم في جوف الماء حتى وصلنا هنا، وصلنا إلى ذلك الإعلام الذي سيطر على غالبيته ثلة من المرتزقة البائعة كل شيء حتى قيمها، حيث وسائل التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى أساليب للقطيعة والشقاق، حيث سينما ومسلسلات دشنت بكفاءة كل أساليب الانحلال، حيث الشوارع المثقلة بكل المخلفات، وكأنها تنطق كل ما أحمله هو صنع يديكم، نعم نحن هنا حيث الاستهلاك يصرع الانتاج، نحن هنا حيث اتساع الفجوة بين الغني والفقير، نحن هنا حيث ضياع التعليم، نحن هنا حيث غياب الصحة، نحن هنا حيث ضياع البوصلة، وغياب الهدف، وضبابية الرؤية، نحن هنا حيث التناحر والشقاق، حيث غياب النخوة وانتشار التحرش في شوارعنا، نحن هنا حيث ثقافة الاضمحلال، نحن هنا حيث لا صوت يعلو فوق صوت المصلحة، حيث التجارة في القيم من أجل ربح الضلال، حيث النشوة والفخار بهزمة اخي وانتصار ألد الأعداء.

نعم هي مرارة العبور المحملة بالعبرات، مرارة جينات ممتدة حيث لم يكن في التاريخ إلا الفراغ، مرارة أمة كانت سيدة وقادرة وقائدة حيث كان الشتات، هي أمة علمت الجميع، هي أمة سطرت عظمتها في كل الكتب المقدسة (التوراة- الانجيل – القرآن) هي أمة أنجبت الأنبياء، واحتضنت الأنبياء، وحمت الأنبياء، وربت الأنبياء، ونجا فيها الأنبياء، ومنها انطلقت دعوة الأنبياء، ولها دعا الأنبياء، وفوق أرضها تكلم الله، وهي الأمة الآمنة بالقرآن، وهي المحملة بالخيرات كما قال القرآن، وهي المذكور والخالدة بالقرآن.
نعم هي المرارة المملوءة بالعبرات أن نصبح هنا حيث لا صوت يعلو فوق صوت المصلحة، ويا له من ألم أن يكون الحلم بهذا الضعف، أن نتمنى أن نعود إلى الوراء، نعم نعود حيث كنا، وذاك أصبح الأمل.

وأخيرا لا أمل لنا أن نتغير إلا عندما نتغير من الداخل أولا، فإن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم، ينبغي أن نعاود النظر في قيمنا التي عبرت مع العبور، نعاود تقلد تلك القيم التي غابت، قيم الحرية، التواضع، التضحية، الإيثار، البناء، الاحترام، نعم قيم التحليق في مستقبل مشرق ينبغي أولا أن نمتلك أدواته، ويصبح الشعار لا صوت يعلو فوق صوت العمل.
أ.د/ عبدالرازق مختار محمود
أستاذ علم المناهج وطرائق التدريس بجامعة اسيوط

شاهد أيضاً

مشهد رأسى من القباحي الغربي “١”

محمد توفيق جادالله القباحى تلك البلدة الطيبة ذات الأصول العريقة التي يمتد نسبها للنبي صلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *