الإثنين , يونيو 8 2020
البرادعى

الشرق الأوسط : هل هناك مخرج ؟

بقلم الدكتور محمد البرادعى
مرحبا بكم في الشرق الأوسط، حيث تجدون، مع استثناءات قليلة، باقة متنوعة مما كانت عليه أوروبا في القرن السابع عشر: حروب وجودية بسبب الدين، أو المذهب، أو العرق، أو أية ذريعة أخري يمكن تصورها، هذا بالاضافة الي الاستبداد، و الفقر، وعدم المساواة، والأمية، والبطالة، أوأية مآس أخري يمكن تخيلها، و حيث السياسات الشمولية ، و الصراعات الجيوسياسية تحتل الأسبقية بالمقارنة بالحق في الحياة أوالكرامة الانسانية. ليست هذه هي المرة الأولى ،وللأسف قد لا تكون الأخيرة، التي نشاهد فيها انحطاطا للقيم الانسانية علي هذا النطاق الواسع. وَمِمَّا يزيد من حجم المأساة هو آن الشرق الأوسط يمتلك كل الموارد البشرية والطبيعية التي تؤهله للازدهار وان يكون في سلام مع نفسه ومع العالم لولا غياب الحكم الرشيد بالاضافة للتدخل الأجنبي قصير النظر غير الاخلاقى وغير القانوني احيانا ان استمرار الوضع الحالي معناه المخاطرة بتدمير المنطقة بل والعالم بأسره نتيجة أسلحة الدمار الشامل التي في حوزتنا والتي عاجلا أو آجلا سوف تقع في أيد عناصر متطرفة، حيث انه من قبيل الوهم ان نعتقد أننا نستطيع عزل مناطق الصراع عن باقي العالم أو أننا نستطيع أن نبني سياجا حول أنفسنا، وذلك لأنه في العالم المترابط الذي نحيى فيه اليوم و بسبب ما لدينا من تقنيات متقدمة فإننا جميعا عرضة لتبعات كل ما يجري حولنا.

ومن المبكيات حقا أننا مازلنا نتصرف وكأننا لا نستوعب علي الاطلاق هذه الحقيقة البديهية التي هي في واقع الأمر ليست فقط مسألة أخلاقية وانما في المقام الأول مسألة بقاء للبشرية. كان يتعين علينا أن ندرك أنه لا يمكن لنا أن نترك قضايا ، مثل القضية الفلسطينية، تتقيح لعقود وملايين يعيشون اما كلاجئين، أو تحت الاحتلال ، أو في شتات، دون أن ينتج عن هذا الوضع احساس مستشر عميق بالمهانة. لقد أصبح شئيا مألوفا لدي شعوب المنطقة أن تري مشاهد بشعة من قتل للمدنيين والتمثيل بهم في أفغانستان، والعراق ،وغيرهما. لقد رأوا المتهمين يسلمون خارج نطاق القانون الي دول أخري ليعذبوا أو يرسلون الي جوانتناموا وأبو غريب ليهانوا وتهدر كرامتهم. و لقد كانت أغلبية هؤلاء من المسلمين. ولقد أدى ذلك الي ترسخ الاعتقاد فى المنطقة ان قيمة الحياة الانسانية تتوقف علي من الذي يموت؟ وأين؟ .بالاضافة الي حالة ذهنية مفادها انه: “اذا كنت لا تكترث بي أو بحياتي فكيف تنتظر مني أن أكترث بك أو بحياتك”؟!

لقد أصبح وجود مؤامرة غربية كبري ضد المسلمين جزءا من الثقافة الشعبية، وبالطبع كان الحكام المستبدون سعداء بتعزيزوتعظيم فكرة المؤامرة كمبرر لسياستهم الاستبدادية واجراءتهم القمعية. ولا يجب أن نتعجب اذا ما أصبح هذا المزيج .من البؤس، والقهر، وفقدان الكرامة عاملا أساسيا فيما نراه اليوم من تطرف مقيت يسود المنطقة لقد أدت الملحمة المأساوية في سوريا الي فرار أربعة ملايين سوري من” قلب الظلام” أملا في ملاذ آمن في دول الغرب وغيرها. ولقد قيل لهم في أوروبا، مع بعض الاستثناءات النبيلة : أنه لا مكان لكم بيننا خاصة ان كنتم مسلمين. وجودكم يمكن

أن “يخل بالتماسك المجتمعي” في بلادنا أو من الوارد وهو شيء لايعقل أن تجلبوا معكم “الأمراض و الجراثيم” أما بعض ” العقول النابهة ” في الولايات المتحدة فقد اقترحوا منع دخول المسلمين بالكامل الي بلادهم أو عدم صلاحية مواطنيهم ا لمسلمين لتقلد المناصب العامة، و من الأفضل في جميع الاحوال اخضاعهم لرقابة مشددة. لقد استمرالشعوربالظلم، والمهانة، والتمييز الصارخ يشكل غصة في حلق المليارونصف مسلم .ولكن المشكلة تكمن في مكان آخر؛ فعندما تحول بعض المسلمين وغير المسلمين،ومعظمهم أصحاب سوابق جنائية ،الي التطرف بسبب التهميش، أوالمهانة، أو بسبب مشاكل نفسية لديهم، فانهم وجدوا في المفهوم المتطرف للاسلام اطارا ايديولوجيا مناسبا وضالتهم المنشودة في بحثهم . عن “هوية و لا شك أن المفهوم المتطرف للاسلام قد أصبح يشكل ايديولوجيا منحرفة وخطيرة تقوم علي معتقدات خاطئة و أكاذيب تراكمت علي مر القرون. وكما قال المفكر الفرنسي المرموق أوليفيه روي، وعن حق : أن المشكلة التي نواجهها هي” أسلمة التطرف و ليست تطرف الاسلام”. وفي حقيقة الأمر فان المسلمين لم يبذلوا جهدا يذكر في مجال الاصلاح الديني إما لعجزهم عن القيام بذلك أو لخوفهم من رد فعل المتطرفين. ومن ثم أصبح تنظيم الدولة الاسلامية ،وتنظيم القاعدة، وغيرهما من تجار الموت، أقطابا مغناطيسية جاذبة للمتطرفين.

ان مشكلة التطرف في الشرق الأوسط مركبة وعميقة الجذور، وعلينا مواجهتها اليوم قبل الغد و باسلوب شامل. أولا: يجب علينا تبني سياسات فعالة تنتشل شعوب المنطقة من البؤس وعدم المساواة. ثانيا: يجب أن نخلق بيئة لا تتهاون أو تسمح بأي شكل من الأشكال بانتهاك حقوق الانسان. ثالثا: يجب أن تكون هناك مجموعة من المفكرين والعلماء المسلمين لوضع خطة متكاملة لاصلاح ديني شامل يجتث نزعة التطرف من الاسلام. لقد كان الاسلام جزءا من عالمنا لمدة تربو على أربعة عشرة قرنا، و شأنه شأن الحضارات الآخري ،

فقد شهد فترات ازدهار وفترات اضمحلال. ويتحتم علينا في الشرق الأوسط أن نأخذ زمام المبادرة في أيدينا اذا ما أردنا أن ننقذ أنفسنا. وأول مايجب علينا عمله هو أن نجد صيغة للعيش المشترك في حرية ، وكرامة وأن نفهم آن العنف ليس حلا أوترياقا لمشاكلنا بل أنه دائما و أبدا يولد مزيدا من العنف. يجب علينا ان نحمي الأقليات ، التي كثيرا ما تتعرض للاضطهاد، من طغيان الأغلبية. وفي تلك الصيغة للعيش المشترك فان المؤسسات الديمقراطية والمجتمع المدني القوي يشكلان حجرا أساسيا .لقد حان الوقت لتعود الجيوش الي ثكناتها ، و أن يعود رجال الدين الي أماكن العبادة، وأن يسلموا السلطة الي قوي مد نية كفؤة ومنتخبة. ولكن في كل هذا يحتاج الشرق الأوسط الي الدعم والمساندة. نحتاج أول ما نحتاج الي تغيير في العقل الجمعي الانساني

يرسخ لفكرة أننا جميعا ننتمي الي نفس الأسرة الانسانية والتي لا مكان فيها لأي تمييز أو تفرقة من أي نوع. يجب أن نفهم أن المجتمعات الحرة المزدهرة هي وحدها القادرة علي تحقيق الاستقرار. ومن الأهمية بمكان أن ندرك بأن كل التحديات التي نواجهها هي تحديات مرتبطة ببعضها البعض سواء النزاعات، أو الحكم الرشيد أو التنمية الاقتصادية والاجتماعية الخ..

ان هناك حاجة ماسة الي عقد مؤتمر علي غرار مؤتمر ويستفاليا ( 1648 ) تشارك فيه جميع القوي الكبري والاقليمية، و تطرح فيه كافة قضايا المنطقة، و أن تعالج بالتوازي من أجل أن نتوصل معا الي بناء نظام أمن اقليمي جديد قائم علي الكرامة الانسانية والمساواة والتنمية ونبذ العنف. وبالارتباط مع هذا يجب أن يكون هناك مشروع مساعدات ضخم للنهوض بالشرق الأوسط علي غرار مشروع مارشال ف أعقاب الحرب العالمية الثانية يمول من دول المنطقة والمجتمع الدولي وذلك لخلق حافز و أمل لشعوب المنطقة في مستقبل أفضل. ويجب أن يكون الهدف الأول من مشروع النهوض بالمنطقة هو التنمية البشرية مع اعطاء الآسبقية للتعليم ، والعلوم ، والتكنولوجيا. نحن علي مشارف صحوة تاريخية فارقة. نعلم أن الطريق طويل ووعر ، و ندرك أنها البداية و ليست النهاية.

شاهد أيضاً

د. عاطف المصري

بدون تطبيل

سبق وعلمنا أن القياده السياسيه رصدت مبلغ مائة مليار جنيها لأزمة كورونا و ظلت تنادي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *