السبت , يونيو 6 2020

توك توك شو ..

بقلم/ أمل فرج
أعتقد أن كوكب الأرض يترنح فوق فوهة بركان يستعد لثورة ستأكل الأخضر واليابس .. هكذا قراءتي للوضع الراهن في ظل أجواء العالم العربي السياسي ، واختناق الشارع المصري من أزمات حقيقية لا ينكرها أحد ، ولأكون أكثر إنصافا ، فالمواطن المصري لا يجيد التلفيق حين يتهم الحكومة الحالية بالضعف والتخاذل ، بل وبالنصب أحيانا كما ثبت مؤخرا ضد بعض المسئولين ، لا يجيد الشعب المصري الادعاء حين يتهم جميع المسئولين بغياب لباقة الفكر ،ومحاولة طرح الحلول في الأزمات .. هذا حق ؛ فحتى اليوم لا نملك العقل الراجح الذي يفكر بشأن الوطن بأسلوب يلمسه الجميع أو حتى عقلاء المجتمع ، لقد أثبت الواقع أننا لا نملك العقل الاقتصادي الذي يجيد إيجاد الحلول المرضية للأزمات الاقتصادية وغلاء الأسعار ، الذي هو السبب الرئيسي والأول في غليان الشارع المصري اليوم ..
غياب العقليات المفكرة الجادة هو السبب الأول في أن تجد كلمة مصطفى ـ سائق التوك توك ـ الأشهر اليوم في الوسط السياسي كل تلك المصداقية عند الشعب وأصبح بطلا في عشية وضحاها ، ولما وجد مَن يريدون المتاجرة والمزايدة بكلمة سائق التوك توك فرصة سانحة لتوجيه الكلمة لخدمة اتجاهاتهم وإشعال الأمر بما لا يُحتمل..

لا أجد في كلمة السائق ما يخالف الواقع ، ولا أكذب كثيرا مما جاء به مصطفى سائق التوك توك ؛ فكلمته لمست كثيرا من الواقع ، ولكنه غفل أو ربما تغافل عن كثير من الواقع أيضا ؛ فقد تحدث عن وضع مصر أيام الاحتلال البريطاني بشيئ من الرفاهية وكأن الشعب المصري لم يتجرع ويلات الاستعمار البريطاني ..
تحدث السائق عن المشروعات الضخمة في إشارة منه لإنجازات السيسي ، وكيف كلفها مبالغ باهظة أرهقت مصر والشعب المصري ، ولكنه لم يتحدث عن أن كثيرا من هذه المشروعات كانت سببا في القضاء على بطالة الكثيرمن الشباب العاطل ،وأن هذه المشروعات لابد وأن تؤتي ثمارها طالما استمرت عجلة العمل، اتهم مصطفى سائق التوك توك التعليم بالتدني الشديد ، وهذا ـ من وجهة نظري ـ ما لا أملك أن أدافع فيه عن مصر؛ فقد تحدث السائق صادقا ، بل صادقا جدا ..
كما أصاب الحق حين تحدث برثاء عن حال الصحة ؛ فلا نشهد حتى الآن أي نوع من مراعاة الآدمية والإنسانية في الصحة ، وما هي في مصر إلا عملية استثمار وتجارة واستنزاف مغلف بإحكام بعار الإهمال الذي تجاوز كل الحدود ولا من مسئول يسأل أو يُجيب ، كما هو حال التعليم تماما ..

أما عن الزراعة فلم يحالفه الصواب ؛ حيث إن الرئيس السيسي له بصمات في هذا الصدد،تجلت وقت الاحتفال بموسم حصاد محصول القمح ، الأمر الذي لم نعلم به حتى وقت الحصاد والاحتفال فقط ؛ مما جعلني أشعر أن الرجل ـ حقا ـ يعمل في صمت ، كما نلمس محاولات رئاسية لسد العجز فيما تجلى العجز فيه ،علّ هذه المحاولات والمساعي تجعلنا أكثر صبرا وتريثا على سوء أحوال البلاد في قطاعات عدّة ، أما عن الشارع المصري المتأثر بكلمة سائق التوك توك ..
فعلينا أن نلتفت إلى أننا نحاسب الرئاسة على موروث عصور من الخراب والفساد ، وهذا ماليس من الإنصاف في شيئ ..
ومن الإنصاف أن نعترف بأن السيسي قد تسلم الدولة وهي تقريبا معدمة حتى من الاحتياطي للدولة ..
وإن كنت ألتمس تقصيرا رئاسيا في رعاية قوة تفعيل القوانين ، كذلك في التدخل السريع لمعالجة الأزمات التي تجاهلها وزراؤه أو ربما افتعلوها ،حتى باتت وأصبحت في وضح الشمس ، خاصة أزمة استعار الأسعار ، واحتكار السلع ، وعليه أتعاطف مع السائق المفوّه في ثورته للمطالبة بالحياة ، إلا أنني كنت أتمنى أن يفطن أبناء مصر إلى إيثار الصالح العام على المصلحة الشخصية ؛ فمهما كان الوضع مؤرقا فلابد أنه سيكون أكثر إزعاجا في حال الحث على إشعال الثورات والمتاجرة بأية معارضة لإيقاذ الفتن ؛ فمصر ليست قوية البنيان لتحتمل صفعة مجددة ، خاصة وأن العدو هذه المرة لابد وأن يكون قد تعلم الدرس وأصبح اكثر حنكة وشراسة ودراية بموقع الضربة القاضية ، كنت أتمنى من أبناء مصر أن يكونوا أكثر وعيا ليدركوا تماما أن لمصر من الأعداء بالداخل والخارج من يتلهف لثورة تخدم طموحاتهم على حساب دماء أرض مصر وأبنائها ..
إن غفل السائق المثقف عن هذا ، فكان بالأجدر على مَن تبنى إذاعة كلمته أن يكون حريصا على إخماد الفتن ولا يعمل على إثارتها ، ذلك إن كان حقا ذا وعي وحكمة ووطنية ، فقد جاء توقيت إذاعة كلمة السائق متزامنة مع انطلاقة الدعوات لحشد ثورة 11/11 ، فلو فرضنا حسن النية في البرنامج الذي أذاع كلمة التوك توك شو ، فسنتهمه بعدم الحكمة والقصور في لباقة الفكر، الأمر الذي لا يليق بإعلام ناضج ، لبق ، مثقف ..
ولو أننا افترضنا سوء النية ، فهذا يشير إلى خطر أعظم بعدم الحرص على الوطن والصالح العام ، وإثارة روح الشغب والفتن بين أبناء البلاد ، وفي كل الاحتمالات نحن أمام اتهام محقق بالإدانة لكل مَن ساهم في هذه الضجة وتزايد الدعوات للثورة من خلال إذاعة هذه الكلمة لسائق التوك توك ، في هذا التوقيت تحديدا .. مصر ياسادة يا كرام لا تحتمل المزيد من الثوزرات ؛ مصر جسد مريض لا يجيد المبارزة أمام عدو شرس ، مكتمل الأدوات ، يتقن جيدا ترقب واقتناص اللحظات التي تسمح له بأن يتوارى من قريب أو بعيد على أرض مصر لتكرر مصير الدول المنكوبة ؛ فاحذر أيها الشعب الذي لا يتقن إلا الغضب أن تغضب غضبة تطيح بالجميع ، كونوا أكثر إيثارا ووطنية ،وابحثوا عن أساليب آمنة لتعبروا بها عن غضبكم وتطرحوا من خلالها عن مقترحات للحلول ، واحذروا الثورة حين يعاني الوطن وأهله الضعف والإرهاق ، انتزعوا الأنانية من قلوبكم ؛ فمصر تستحق ..

شاهد أيضاً

د. عاطف المصري

الأهميه والأولويه

قد نري في كثير من الأحيان ان لم يكن دائما أشخاص لاقيمه لهم بجميع المقاييس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *