الإثنين , يونيو 22 2020
الكاتب والروائى العالمى واسينى الأعرج

نوبل والمضمار وسباق الأرانب؟

الروائي والأديب/ واسيني الأعرج

قوة نوبل العظيمة ليست فقط في قدرتها على الاستمرار منذ أكثر من قرن، أو في متابعة تطور مختلف الآداب العالمية، والعلوم، وتشجيع المميزين، ولا في منح الجائزة لشخصية مرموقة، فمن العادي جداً ان تعطى لسارتر، أو لماركيز أو لمحفوظ،أو غونتر غراس، أو فارغاس يوسا، أو غيرهم فالأمر لا يثير أي جدل، بل يدخل في المعتاد. فتتحول الجائزة في هذه الحالة إلى مجرد اعتراف بجهد حقيقي، متفَق عليه سلفاً، لا يضيف الشيء الكثير للكاتب سوى الاعتراف الذي يستحقه بقوة. وبذلك تكبر الجائزة بمن تمنح له وهو أهل لها.

فقوة نوبل الدائمة منذ إخفاقها في بداية نشأتها، هي في عدد الأرانب التي تطلقها في سباق يشبه الماراثون، لدرجة أن نظن أن أرنباً ما سيتلذذ بالسباق، فينسى كونه مجرد أرنب، لتقدمه في السباق. لكن الظاهرة نادرة جداً في السباقات الطويلة ونصف الطويلة. ما يحدث مع نوبل أنها في نهاية السباق تخرج من تحت قبعتها السحرية أرنبها الحقيقي الذي لم يتوقعه أحد. أرنب لم يلتفت إليه أحد، ولم يحسب حسابه غيرها.

من هنا اكتسبت نوبل هذه الخاصية الكبيرة التي تجعل كل احتمالات المتتبعين تسقط في النهاية. نوبل بهذه القصدية تعرف كيف تشد أنفاس الفضوليين المتابعين يومياً لبورصة الأسماء التي تصعد وتنزل طوال مدة الانتظار. هذه السنة احتلت المشهد مجموعة أسماء تحولت إلى أرانب من شدة تكرارها، كما في كل مرة وهم يستحقونها بامتياز. أدونيس، الكاتب الكيني تيينغو وا نغوغي، موراكامي، دافيد غروسمن، فيليب روث وغيرهم. وهذه الحالة التي تكاد تكون باتولوجية التي تشد إليها الكتاب والمتتبعين يتحكم فيها ناس الأكروبول المقدس للأدب الذين تتحدد المصائر من خلالهم. ينظرون الى الناس وهم يلعبون في بورصة تتجاوز حسابهم، ولا يعرفون مؤداها ولا خواتمها. مثل الآلهة الصغيرة، بالمعنى الإغريقي للكلمة، يعرفون من سيكون أرنباً، ومن سيكون فائزاً. وربما هنا بالضبط مصدر نجاح نوبل الذي تشد به الأنفاس.

فالجميع ينتظرون وفي رؤوسهم احتمالات تقارب الحقيقة، ولكنها لن تكون الحقيقة إلا نادراً. فجأة يظهر في نهاية المضمار الشاق، كاتب، غير متوقع. حدث مع الصحافية الأوكرانية سفيتلانا ألكسيفيش، وقبلها مع مويا الصيني. ويبدو أن الدرس الأول حفظ بشكل شبه نهائي، وأصبح ينتمي الى قرن من الزمن حينما تسرّب خبر منح نوبل لتولستوي. وأرسلت المؤسسة في 1901، الوفد المحاور. لكن تولستوي كان أكبر من جائزة. كان نصف إله، لا تعني له الجوائز أي شيء، أكبر منها. الحرب والسلام، وآنا كارينينا، وسوناتا لكروتزر جعلت منه كاتب العصر. رفض الجائزة في النهاية لأسباب عديدة منها أنها لم تكن تعني له الشيء الكثير. وعاد الوفد بخيبة ليمنح نوبل لسولي برودوم الذي لم يكن على أية لائحة سوى صداقته بأحد أعضاء اللجنة من المرتبطين بالنموذج الكلاسيكي للأدب.

وكان يجب إطلاق الجائزة. الوعكة كانت كبيرة. من ذلك اليوم أصبحت نوبل شديدة الحذر، فترمي في معترك السباق أرانب لا حصر لها. وهذه المرة أيضاً كانت موفقة، لأن الأسماء الي وضعتها تملك كل قابلية وخاصية ان تكون في عمق الفوز. لا أحد يشكك في كونها مهمة، ولها حق في الجائزة. منذ سنوات وهي تتكرر. أعطيت فجاة للمغني الشهير وكاتب كلمات الأغاني بوب ديلان، خارج أي انتظار. تماماً مثلما حدث عندما سلمت لرئيس الوزراء البريطاني تشرشل على مذكراته بأجزائها الستة في 1953. ضربة معلم. كرمت من خلال بوب ديلان، الشعر ولكن أيضاً الفن الذي لا يجد مكانه في نوبل على الرغم من أنه يؤنسن الإنسان، في زمن بدأ يفقد إنسانيته وتوازنه. مر عن طريق الشعر حتى يتم استيعاب نوبل هذه المرة أنها جائزة الآداب وليس الفنون، مع أن تسميتها بهذه التسمية يمنحها اتساعاً أكبر، ليمس حقول الفنون الأخرى. ويقلل قليلاً من نرجسية الكتاب بأنهم ليسوا الوحيدين الذين يهمهم مصير هذه الأرض القاسية.

عشاق فن بوب ديلان يكونون في قمة سعادتهم. بينما سيحتج الكثير من الشعراء لأنهم يرون في ذلك تعدياً على حقلهم الأدبي المقدس.. بوب ديلان ربى جيلاً كاملاً أعتقد أن محبي هذه الايقونة من الفنانين والكتاب والشعراء والجمهور العاشق الواسع، يكونون في قمة احتفالاتهم. للمرة الثانية تخرج نوبل عن نظامها وتقليدها، دون أن تخسر تسميتها: نوبل للآداب. في النهاية للفنان حق التكريم تحت عنوان الشعر؟ هكذا قررت لجنة جائزة نوبل. ربما ليس ديلان أفضل الشعراء، ولكن في ريادة الفنانين إذ اخترق أجيالاً كثيرة.

المهم أنه في النهاية، أخذ الجائزة من يستحقها ولا أحد يستطيع أن يقلل من قيمة هذه الأيقونة الحية. فقد كان بوب ديلان مناصراً للحرية والفرح، وهو واحد من ألد أعداء الحروب والتسلح النووي . والأكثر أهمية في النهاية هو كيف سيكون خطاب بوب ديلان يوم يتسلم نوبل. وهل سيذهب؟ هل لا تزال فيه الطاقة القوية التي جعلته ينتصر للإنسان ويصرخ بصوت عالٍ ضد حرائق العالم الذي يتحول يومياً إلى رماد، تحت البارود والمتفجرات، وقنابل الاستبداد والظلم والإبادة؟

 

 

 

 

 

شاهد أيضاً

د. عاطف المصري

كلام مسيحي

إحتدمت المناقشات حتي علي مواقع التواصل الإجتماعي حول إستخدام الماستير ( ملعقة التناول) بين الكثير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *