الإثنين , يونيو 15 2020
الكاتب والروائى العالمى واسينى الأعرج

رواية في عمق تراجيديا الإرهاب .

الروائي والأديب/ واسيني الأعرج
رواية في عمق تراجيديا الإرهاب ليس كل من يملأون المشهد الإعلامي هم الأفضل أدبيا دائما. هذه المعادلة الصعبة أكَّدها الروائي ناصر سالمي بروايته الألسنة الزرقاء، التي فازت هذه السنة بجائزة كتارا في فئة النص غير المنشور، والتي ستترجم إلى اللغة الإنجليزية والفرنسية، وتنشر بالعربية أيضا، ويوقّعها الكاتب مع افتتاح الدورة الثالثة لجائزة كتارا. الحدث كبير، لأنه أولا، صنعه كاتب لا أحد يعرفه، أو لنقل اختار أن يعيش عزلته في الظل، بعيداً عن يوميات الضجيج الإعلامي. أو كما يصرح هو: أيّ مخلوق أنت؟ أمضيتَ قرابة ربع قرن تدرّس الأدب في ثانويات بلد كنت تظنّه وطنك، تعلّمهم الصّدق وحبّ العلم والوطنيّة.. قد أبدو قاسيًا ومتعاليًا للبعض ممّن يعرفني ومن لا يعرفني، قليل الكلام، منزو، ومنطو على نفسي.
الألسنة الزرقاء، الفائزة بجائزة كتارا، هي جزء من تكوين الكاتب، ومن يومياته القاسية. كتبها على مدار 19 سنة من الجهد والمكابدة. فقد جاءت بعد مخاض فردي عسير، استمر لسنواتٍ عديدة. انتهج فيها أسلوبًا فنتازيًا تخييليًا، ربطه بثيمة تاريخيّة سوداء تدور أحداثها بالجزائر، في مدينة افترضها الكاتب، عين آدم، بين خريف 1996 وربيع 1997. لم يأت عنوان الرواية الألسنة الزرقاء اعتباطيًا. إيحائي، مرتبط بوباء يصيب الأغنام فيقتلها. يرى ناصر من خلال هذه الاستعارة، أن هذا المرض رديف لوباء يصيب البشر فيجعل ألسنتهم مريضة من كثرة الكلام والإشاعة، التي تتحول إلى نمط حياة، ثم إلى مرض اجتماعي، يصيب كل المجموعات بالخصوص في زمن الأحقاد والكراهيات القاسية. من هنا، فنص الألسنة الزرقاء، كما شاء لها كاتبها، لا تفسّر الإرهاب بالأسباب السياسيّة والعقائديّة وبالتّناقضات الاجتماعيّة والقبليّة (العشائريّة) وحسب، بل ترى أيضا أنّ الإشاعات المغرضة التي تجعل المجتمع يعيش في حالة خوف دائمة، تشعل نيران الفتن هنا وهناك، وتقف وراء الانتشار السريع لوباء الإرهاب المستفحل في كل النسيج المجتمعي. وهو ما أنقذ النص من التكرار الذي كثيرًا ما طبع الأعمال التي تناولت هذه الثيمة. فقد أنشأ عالمًا أدبيًا خاصًا من خلال مزج الحقيقة بالمتخيل، بالخرافي أيضًا. الشخصيات التي اختارها ناصر لأداء البرنامج السردي عينات منتقاة بدقة، نبتت في عمق المجتمع المنفصم، والمتناقض، المتسم بصفات البؤس، والشقاء، والخوف، فلا فرح ولا سعادة، تشرق فيه الشمس وتغيب على القلق والتّوجّس من الآتي. المجتمع الروائي من خيال الروائي، تجمّعت فيه تناقضات المجتمع الجزائري في تلك الفترة، التي ولّدت الإرهاب وظلّت تُغذّيه وتمدّه بحطب الحقد ولهيب الكراهية حتّى احترق الجميع بنارها. نوّارة، زوجة الإرهابي عبدالرحمن الديب، هي مثال للمرأة المقاومة لشطط الحياة، من أجل البقاء رفقة ابنها يوسف، على الرغم من خيباتنا وخوفها. رابح البودالي، نموذج آخر. هو الممرّض الذي يسارع إلى مساعدة الآخرين بكل ما يملك من حبٍ وتعاطف، في زمن بدأ الناس يهربون من بعضهم البعض، لكنّه كما البقية، يعاني من أعراض عين آدم، زوجته عاقر لكنّه يخفي ذلك عنها وعن المجتمع، متّهما نفسه بالعقم حفاظاً عليها من الألسن. بينما يشكل الصّادق، وعدة البوليسي، والحاج جلول، نماذج لناس عين آدم نصف المتعلّمين ونصف الأميّين الذي يتحكمون في أخبار الناس وحيواتهم. بينما المولاي المعارض السياسي حلمه لا يتخطى عتبة الاستيلاء على سلطة البلدية كما كل الجشعين السياسيين.
من خلال هذه الشخصيات تتحرك محاور الرواية التي تبدأ بقدوم مجموعة من المعلّمات إلى المدينة للالتحاق بعملهن بالمدرسة، في رحلة يوميّة عبر طريق وعر، تحفّه مخاطر الطّبيعة الصّعبة والإرهاب، بينما المدينة ترزح تحت وطأة فرقة تقسم المدينة إلى حيّين بائسين متناحرين، وجفاف مقيت وإرهاب أعمى. تتدرّج الأحداث بين إشاعات عن ظهور عبدالرحمن الديب واختفائه، وعمليات للجيش هنا، وضربات للإرهاب هناك. يقتل الإرهابيون المعلّمات ذبحا، وهو ما يذكّر مقتل المعلمات في سيدي بلعباس. فيطلب رابح السلاح، يساعده المولاي نكاية في رئيس البلدية، ورغبة في استمالته للانخراط في التّجمع. تتحوّل شخصية الصّادق من معلّم لاهث خلف الإشاعة إلى رجل أعمال، يعمل مع شريك له على الاستفادة من الأحداث لجمع المال، وهو ما يسمى بأثرياء الحروب. وكأن المأساة تنادي المأساة، فيأتي طوفان شبيه بطوفان سيدنا نوح، فيأتي على كل شيء. يهدم الحيّين الهشّين بالمدينة، فيسقط كل شيء إذ يتساوى المنتصر والمنهزم. وتفقد نوّارة ابنها الصغير في الطوفان، لينتهي بها الأمر إلى الجنون، ثم الدروشة، قبل أن تختفي هي أيضا بعد زلزال عنيف ضرب عين آدم.
رواية الألسنة الزرقاء هي في النهاية استعارة جمالية لزمن شديد القسوة، عاشته الجزائر، وبعدها البلاد العربية، في العزلة والخوف والموت اليومي. وحيدة في صراع تراجيدي غير مسبوق.

شاهد أيضاً

د. عاطف المصري

كلام مسيحي

إحتدمت المناقشات حتي علي مواقع التواصل الإجتماعي حول إستخدام الماستير ( ملعقة التناول) بين الكثير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *