الإثنين , يونيو 8 2020
د.ماجد عزت إسرائيل

الحداثه فى فكر القديس حبيب جرجس (1876-1951م).

د.ماجد عزت إسرائيل
فى صيف عام 1934م وبعد أن زاد نشاط الحركات التبشرية المسيحية بمصر، وأنتشار بعض المفاهيم والتعاليم الخاطئة،رآت جمعية المحبة القبطية الأرثوذكسية ضرورة نشر تعاليم الكنيسة وشرح عقائدها لأسرارها السبعة وشرحها شرحاً وافياً وكاملاً،فأسندت إلى العالم اللاهوتى “حبيب جرجس “مدير المدرسة الاكليريكية وصاحب مجلة الكرمة الغراء، تأليف هذا الكتاب الذى عرف بـ “اسرار الكنيسة السبعة “،وبرهنت رغبتها فى تولى هذا المؤلف؛ لما عرفه عنه من غزارة العلم والتمكين فى المواضع اللاهوتية مع قوة الحجة وسلامة الدليل،بالإضافة لمنهجية البحث وحداثته فى تنوع الاعتماد على المصادرالكنسية واللاهوتية العربية والأجنبية، وأستطاع فى هذه الدراسة أن يعبر عن امتلاكه أدوات الباحث العلمية والتى منها؛ الاستبانة والتى تعنى جمع المعلومات، وطرح إشكالية الدراسة فى شكل مجموعة من الأسئلة، تبعاً للموضوع المراد دراسته ومن خلال الأجابة على هذه الأسئلة، استخدم المنهج التحليلى لتوضيح بعض المفاهيم اللاهوتية والطقسية مع توضيح الفرق ما بين تعاليم الكنيسة الأرثوذكسية،وتعاليم هذه الحركات التبشرية الأجنبية.

على أية حال،لم ينسى القديس حبيب جرجس الأشخاص الأميين من من ليس لهم قدرة على القراءة، ولذلك استخدم فى دراساته ما يعرف بالاستبانة المصورة وهى التى تعتمد على الأشكال التصورية،التى وردت بالكتاب المقدس أو سير الآباء القدسين أو الأمثال البسيطة التى توضح ذات الفكرة،ولكن بشكل يسهل استيعابه أو فهمه لدى الأميين، ونذكر على سبيل المثال ما ورد فى ذات الدراسة السالفة الذكر، عن سر الكهنوت فتحدث عن ضرورة ما يعرف بـ (الوسم) فذكر قائلاً” إنه من اللائق بمن ينتدب إلى وظيفة أو يقبل سلطاناً أن يوسم بعلامة تميزه عن غيره،كما يرتدى الجنود والكهنة والملوك ملابس خصوصية يتميزون بها عن سواهم…” ،ولكن هذا أيضًا يعتمد على براعة الواعظ آى كان من العلمانين أو رجال الأكليروس فى نقله وتوضيحه لهؤلاء.

وسجل لنا العلامة اللاهوتى حبيب جرجس عبر أبحاثه، منهجه الحديث فى الكتابات الدينية باستخدام طريقة المقابلة، وهى التى عادةً ما تستخدم في الأبحاث النوعية أوالإجرائية أوالتتبع التاريخي، والمقابلة التى تعنى التبادل اللفظي بين الباحث والشخصية التي ستدلي بمعلومات مفيدة للبحث،وللمقابلة أنماط منها المقابلة المقيدة، وهي التي تعتمد على مجموعة من الاختبارات الشخصية ، أما المقابلة المفتوحة: يكون للشخصية الحرية في التكلم وإعطاء المعلومات دون تقيد، كذلك هناك المقابلة شبه المقيدة،وهى التى تتحدث الشخصية لكن بحدود معينة ليس بحرية مطلقة،وهنا لابد أن نذكر على سبيل المثال ما ورد بهذه الدراسة عند حديثه عن شروط تتميم اسرار الكنيسة السبع حيث استشهد بالقديس بالقديس “غريغوريوس الثالوغوس” الذى ذكر قائلاً “كل واحد مستحق أن تصدقوا أنه يطهركم ويكفيه لذلك أن يكون واحداً من الذين أخذوا السلطان ليغفروا الخطايا،ولم يصيروا مرفوضين علانية(من الكنيسة)،فأنتم الذين تطلبون الشفاء،لاتدينوا قضاتكم،ولاتبحثوا عن

أهليته الذين يطهرونكم،ولاتجروا انتخاباً على والديكم،لأنه أمر قلما يعنيكم إن كان هذا أفضل وذاك أدنى،وكل واحد من هؤلاء أفضل منكم،فأنظروا أنتم كيف يجب أن تفتكروا:عندى خاتمان أحدهما ذهب والآخر من حديد،وعلى كل منهما الصورة الملكية نفسها،فاطبع بكل منها طبعة على شمع،فبماذا تمتاز طبعة الواحد عن طبعة الآخر،إنها لا تمتاز بشىء،فإن جوهرياً بعلامة معينة منظورة،حتى إذا تمم كل سر بحسب وضعه منح قابله الهبة الخاصة به……” وفى ذات السياق استشهد أيضًا بما ذكره معلمنا بولس الرسول عن الذين يقتربون من الاسرار المقدسة بدون أستحقاق حيث ذكر قائلاً “بأنهم يأكلون ويشربون دينونة لانفسهم غير مميزين جسد الرب” (1 كو 29:11).

كما نقل لنا القديس حبيب جرجس عبر أدواته العلمية الحديثة فى الدراسات الكنسية استخدام أسلوب الملاحظة للتفسير والتأمل فى سلوكيات وطبائع وفضائل الآباء القدسين،من خلال التتبع والمراقبة التاريخية لسير بعضهم بشكل دقيق،واستنتاج بعض النتائج التى تضيف للدراسة أو موضوع البحث، ونذكر على سبيل المثال وليس الحصر ما ورد بكتاب (اسرار االكنيسة السبعة ) قائلاً:”فبالمعمودية يولد الإنسان ولادة ثانية من فوق بالماء والروح،وبالميرون ينال نعمة حلول الروح القدس،لتثبيته فى الحياة الروحية،وبالشركة يقتات ويغتذى بالأتحاد بالمسيح،وبالتوبة ينال الشفاء ما أمراض الخطية وينال الحل من خطاياه،وبمسحة المرضى ينال الشفاء من أمراضه الجسدية

والروحية،وبالزيجة ينال نعمة الأقتران للولادة الجسدية وتربية الأولاد التربية المسيحية، وبالكهنوت ينال موهبة الأستحقاق الأسرار لتجديد الآخرين..”،كما استشهد بما ذكره العلامة القديس “توما الأكوينى” الذى ذكر قائلاً:”إن بين الحياة الطبيعة والحياة والحياة الفائقة الطبيعة تناسباً لإن الإنسان يولد ويتقوى ويقات وإن مرض يعالج بإلادوية ويرد إلى صحته الأولى بإزالة بقايا المرض،ويعيش فى الألفة الاجتماعية تحت ولأية رؤساء شرعيين،وهذا عينه تفعله الاسرار فى الحياة الفائقة الطبيعة،ولاتهمل الإنسان أصلاً من اكتساب هذه الحياة وترافقه دائما حتى تبلغه وتنقله إلى العالم العلوى الغير منظور”.

أما الاختبار فهو أحد أدوات وسلاح حبيب جرجس فى دراساته وأبحاثه،ونقصد هنا بالاختبار التجارب والمواقف التى تعرض لها فى حياته،واعتقد أن أهمها فكرة أنشاء مدارس الأحد 1918م ـ ونذكر للأمانة العلمية والتاريخية، كان هناك في أواخر القرن التاسع عشر مجهودات ورُوَّاد حاولوا بقدر طاقتهم تعليم النشء الإيمان المسيحي ـ وكان تأسيسه لهذه المدارس هو العمود الرئيسى الذى قامت عليه نهضة الكنيسة القبطية فى القرنين العشرين والحادى والعشرين، ولأهميتها دعا إلى عقد مؤتمر لأعضاء‏ ‏اللجنة‏ ‏العامة‏ ‏لمدارس‏ ‏الأحد‏ ‏والخُدَّام‏ ‏العاملين‏ ‏بها، فى نوفمبر عام 1941م،لمناقشة دورها بعد مضى نحو ما يقرب من ربع قرن على إنشائها،‏وكان مكان‏ ‏المؤتمر‏ ‏بنادي‏ ‏اتحاد‏ ‏الشباب‏ ‏القبطي،‏وتحدَّد الهدف من‏ ‏المؤتمر،‏ وهو ‏الوصول‏ ‏بالأجيال‏ ‏الصاعدة‏ ‏إلي‏ ‏المعرفة‏ ‏الدينية‏ ‏النقية‏ ‏لإعداد‏ ‏الإنسان‏ ‏المصري‏ ‏المسيحي‏ ‏إعداداً‏ ‏متكاملا‏ًً ‏يستهدف‏ ‏خدمة‏ ‏الوطن‏ ‏والإنسانية‏ ‏من‏ ‏ناحية؛ ‏ومن‏ ‏ناحية‏ ‏أخري،‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏عضوا‏ًً ‏حيّا‏ًً ‏في‏ ‏كنيسته‏ ‏ووطنه‏.‏ وفى ذات المؤتمر قدم خلاصة تجاربه من خلال بحثين دارسين الأول بعنوان ” تاريخ‏ ‏مدارس‏ ‏الأحد‏ “، أما الثانى بعنوان ” دور‏ ‏الكنيسة‏ ‏ومدارس‏ ‏الأحد‏ ‏في‏ ‏توجيه‏ ‏الثقافة‏ ‏القبطية‏ ‏والفكر‏ ‏القومي‏ ‏المصري”وكان‏ ‏تخطيطه‏ ‏لهذا‏ ‏المؤتمر‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ له ‏طابعٌ ‏علميٌ‏، ‏تُقدَّم‏ ‏فيه‏ ‏البحوث‏ ‏الدينية‏ ‏والتربوية‏ ‏لتطبيق‏ ‏قواعد‏ ‏التربية‏ ‏الحديثة‏ ‏وأصول‏ ‏علم‏ ‏النفس‏ ‏في‏ ‏التدريس‏ ‏الديني‏. على أن‏ ‏لا يكون‏ ‏الهدف‏ ‏من‏ ‏تدريس‏ ‏الدين‏ ‏حشو‏ ‏ذهن‏ ‏الطفل‏ ‏بالمعلومات‏ الدينية؛ ‏بل‏ ‏بتعليمه‏ ‏بتطبيقها‏ ‏في‏ ‏حياته‏ ‏اليومية كإنسان مسيحي يتعامل مع الحياة بالمبادئ المسيحية التي أساسها المحبة

7 8

شاهد أيضاً

د. عاطف المصري

بدون تطبيل

سبق وعلمنا أن القياده السياسيه رصدت مبلغ مائة مليار جنيها لأزمة كورونا و ظلت تنادي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *