السبت , يونيو 6 2020
مدحت موريس
مدحت موريس

العمارة 68

مدحت موريس

انتظر فى دوره بين زملائه من موزعى البريد، تثاءب تثاؤباً عميقاً وهو ينتظر سماع صوت رئيس الموزعين ينطق بالمنطقة التى سيعمل بها، كان الامل يراوده فى ان يعمل فى منطقة جديدة اكثر حيوية والأهم اكثر نظافة فقد امضى ثلاث سنوات يعمل فى منطقة شعبية

او منطقة بيئة حسب تعبيرات هذه الايام وكأن القدر لم يكتف بأن يجعله من سكان هذه المناطق، بل وسيجعله يفنى عمره ايضاً فيها ليضيع عمره بين اكوام القمامة والمجارى الطافحة فى مداخل العمارات برائحتها العفنة التى تظل عالقة بانفه بقية اليوم، شىء آخر مثير للضجر ويتعلق بآدائه لعمله –

ولطالما رفع شكاوى لرؤسائه منه وما من مُجيب- وهو عدم وجود صناديق بريد فهى اما مُهشمة او غير موجودة على الاطلاق.!!! وهو لا يفعل مثلما يفعل البعض من زملائه الذين يلقون بالبريد فى بئر السلم بعد ان يصيحون “بوستة” …نعم هو لا يفعل ذلك فهو يدرك اهمية الرسائل البريدية

خاصة تلك التى تأتى من خارج البلاد وبالاخص من المغتربين بالدول العربية فكان دائماً ما يترك الخطابات لدى ساكن الدور الارضى او لصاحب دكان يقع اسفل العمارة ومع هذا لم يكن احدهم يُقدر دوره واهتمامه بل كثيرا ما كانت تُكال له الاتهامات بالاهمال والتقصير واحياناً بالسرقة هذا غير الشكاوى التى كانت تُرسل مباشرة الى المصلحة فيحال للتحقيق الذى يُحفظ بعدها لكنه بلا شك كان يؤثر على سمعته لدى الرؤساء. طال انتظاره وهو يسمع المناداة على غيره وارقام مناطقهم

وينتفض مع كل رقم يُنطق من ارقام الاحياء الراقية مُعلناً عن ضياع فرصته فى العمل بها…شىء آخر يدركه جيداً وهو ان الكم البريدى فى تلك المناطق يكاد يقتصر على الخطابات الحكومية فقد قضت ثورة الاتصالات على الوسائل التقليدية والتى تتزعمها الخطابات فوسيلة الاتصال بين الشركات اختطفها التلكس قبل ان ينتزع الفاكس الزعامة ، اما على المستوى العام فقد استطاع الهاتف المحمول ان يقلص دور الرسائل البريدية ثم اتى الانترنت ليقضى على البقية الباقية منها واصبح للبريد دوراً يتيماً فى تلك المناطق وهو حل مسابقة فوازير رمضان ثم بعد الغاء الفوازير

صار دور البريد منعدماً فيالها من راحة ينعم بها موزعو البريد فى تلك المناطق.!!!!! افاق من افكاره على اسمه وقد تم النداء عليه محدداً بالمنطقة 24 وسط حسب تقسيم هيئة البريد، هب واقفاً فى سعادة وهو يدرك ان هذه المنطقة تحديداً من المناطق الراقية بالعاصمة لكنه – على الرغم من تأكده – اسرع ليطالع لوحة تقسيم مناطق العاصمة لتؤكد تأكيداً نهائياً انه أخيراً نال ما كان يصبو اليه

ليبدأ العام الجديد بمنطقة جديدة ومنطقة جميلة ووجوه اكثر جمالاً. بدأ “يوسف” يومه الجديد فى عامه الجديد بمنطقته الجديدة بروح ايضاً جديدة…غمره التفاؤل وسكنته السعادة وهو يقوم بعمله فى هدوء وسلاسة، فهو يتنقل من مكان الى آخر بلا تزاحم اوتناحر فى وسائل المواصلات فلا يُشكل الوقت مشكلة فعدد الرسائل المطلوب توصيلها

لا يتجاوز عشرة منها ستة رسائل هى اعلان بوجود رسائل مُسجلة تتطلب من صاحبها الذهاب لمكتب الهيئة واستلامها بنفسه..العدد قليل والحمل خفيف والوقت يكفى تماماً بأن يتناول افطاره ويجذب بعض الانفاس من الشيشة فى احد المقاهى..

وقد كان له ما اراد…وبينما هو يحتسى الشاى خطر له ان يطالع بعض العناوين التى سيذهب اليها ليرتبها حسب خط سيره..واذ به يتفاجأ بأن اربعة منها فى عقار واحد…بل هى لشخص واحد!!!! اندهش فى بادىء الامر لكنه لم يُعر الامر اهتماماً بل ازداد سعادة بتوفير الوقت والجهد. انتهى اليوم بيوسف مُبكراً عن كل يوم

وسمح الوقت له بأن يذهب الى منزله فيستريح قليلاً قبل ان يذهب الى المصلحة ليكتب تقرير خط سيره اليومى ثم يوقع بالانصراف….حقاً ما اجملها وظيفة. تكررت الايام بصورة روتينية ومع ازدياد خبرة يوسف ومعرفته بالمنطقة

استطاع ان ينجز عمله فى وقت اقصر وبالتالى تمكن من توفير ساعات أُخرى ومع كثرة ارتياده المقهى اوالكافيتيريا استطاع اقناع صاحبها بالعمل فيها اربعة ساعات يومياً بمقابل لا بأس به هذا غير البقشيش بالطبع. ازداد دخله وايقن بأن حربه التى اعلنها لينتقل لمنطقة راقية كانت قراراً صائباً وها هو الآن يجنى ثمار قراره.

سار كل شىء كما خطط له يوسف حتى تفاجأ ذات يوم برئيسه فى المصلحة جالساً على نفس المقهى التى يعمل بها…تجنب الخروج وقد ارتاب فى ان رئيسه قد رآه ثم استأذن مغادراً المقهى فقام بتوصيل الرسائل وعاد الى المصلحة حيث وجد رئيسه ينظر اليه فى ريبة بينما حاول هو ان يبدو طبيعياً، تحاور رئيسه معه حواراً هامشياً

الى ان باغته واخبره انه رآه يعمل بالمقهى…انكر يوسف الامر تماماً وزاد من عصبيته التى تحولت الى تشنج وبكاء وهو يتهم رئيسه بظلمه. انتهى الموقف على خير فيما عدا فقدانه لمصدر رزقه الذى صار اساسياً فى حياته..وقد اضطر ان يلتزم تماماً فى عمله على الاقل حتى تنزاح الغُمة كما قال لنفسه. سارت الايام على وتيرة واحدة وقضى يوسف ساعات الفراغ اليومية بمنزله لا يجد ما يفعله سوى التحسر على الايراد اليومى الذى ضاع منه ولم يجد سوى حقيبة الخطابات ليقتل بها وقت فراغه….

اخرج محتواها ورص الرسائل امامه وكالعادة اثنان وعشرين خطاباً منها سبعة عشر لنفس العنوان..العمارة 68 لشخص اسمه “يوسف احمد منصور” هب واقفاً عندما قرأ الاسم فهو نفس اسمه الثلاثى الفارق الوحيد هو ان هذا الآخر يسبقه لقب فضيلة الشيخ…ازداد فضوله وامسك رسالة من الرسائل وبرقة وحنكة قام بفضها وبينما هو يفرد

ورقة فلوسكاب من الحجم الكبير سقطت ورقة نقدية من فئة المائة جنيه!!! قرأ الرسالة التى لم تخرج عن طلب الدعاء لصاحبها واسرته لاجل النجاح و…. ترك الرسالة جانباً وفتح رسالة ثانية ثم ثالثة ورابعة…وكلها لم تخرج عن مضمون الرسالة الاولى…مع اختلاف المبالغ النقدية وان كانت الخمسين جنيهاً اقلها قيمة!!!!! استعر فضوله وهو يحسب عدد الرسائل التى يتلقاها الرجل…ثم تفرغ فى الايام التالية لجمع معلومات عنه فعرف انه نزح من الخليج منذ سنوات حيث عرفه الناس عندما كان يقوم

بالرد على اسئلتهم فى باب “احكام وفتاوى” باحد المجلات ثم اعتزل العمل وانتقل الى القاهرة واقام فى احد العمائر بمفرده….قام بمراقبته لعدة ايام واكتشف انه منعزل تماماً عن جيرانه فهو لا يرى احداً ولا احد يراه ولا يثير فضول احد فهم جميعاً يعلمون انه مُتفرغ للعبادة ومن العيب ازعاجه ويكفى انه بركة العمارة كما سمع من احد السكان

وهو يمضى طيلة النهار بداره ويخرج متشحاً بما يدارى وجهه قبل منتصف الليل ولايعود الا بعد الفجر وقد قال الجيران ايضاً انه يدارى وجهه لعلمه بمدى جماله ويخشى ان تُفتتن به النساء!!! ضحك البوسطجى كثيراً وهو يطالع عدداً من المجلة القديمة وصورة الرجل لا يظهر منها الا جانب الوجه ولحية قصيرة..ثم تابع الشيخ الذى خرج بجلبابه الابيض واستقل سيارته “اللاندكروزر” والبوسطجى يتابعه بسيارة استأجرها خصيصاً…

توقف الشيخ لدقائق فى احد الشوارع الجانبية المهجورة مدة عشر دقائق حاول يوسف خلالها ان يتبين سبب توقف اللاندكروزر كل هذه المدة ثم عاود الشيخ السير بسيارته مرة اخرى ليتوقف اخيراً امام احد الملاهى الليلية وما ان خرج منها حتى فتح يوسف فمه فى ذهول ثم مالبث ان استغرق فى ضحكة هستيرية

وهو يرى ذلك الرجل الانيق الذى خرج من اللاندكروزر فى بذلته السوداء بعد ان ترك عباءته الشهيرة داخل السيارة. قضى يوسف طيلة الليل يفكر ويخطط لامر ما سيحدث انقلاباً فى حياته…

هذا الامر كان محوره ذلك الشيخ الذى اخترق قلوب الناس واسر عقولهم. فى صبيحة اليوم التالى قدم يوسف استقالته من هيئة البريد معلناً لكل زملائه ومعارفه انه قد فاز فى قرعة الهجرة العشوائية لأمريكا…وبعد ان باع كل ما يملك….ذهب الى العمارة 68 قبل منتصف الليل وفى خفة تسلل متستراً بالظلام ونجح فى فتح السيارة وبخفة ورشاقة قفز بداخلها ليستقر فى الشنطة الخلفية للاندكروزر.

بعد ساعة او اقل انطلقت اللاندكروزر فى رحلتها الليلية المعتادة ثم انحرفت كالمعتاد لتتوقف فى الشارع الجانبى المهجور…

اختلف المشهد هذه المرة فلم يتخلص الشيخ من العباءة ويواصل مسيرته نحو الملهى الليلى . دقائق قليلة شهدت صراعاً قصيراً وجسداً يُلقى خارج السيارة. بعد يومين وعند منتصف الليل توقف يوسف البوسطجى بالسيارة اللاندكروزو امام احد بائعى الصحف حيث اشترى جريدة اليوم التالى…وبدا كل شىء طبيعى مع وجود خبر صغير فى احد الصفحات الداخلية “العثور على جثة مجهولة مصابة بعدة طعنات” ولا يوجد معها اى اوراق تثبت شخصية صاحب الجثة. …

اخفى البوسطجى ابتسامته وشد غطاء رأسه ليدارى وجهه ولملم جلبابه الابيض على جسده وانطلق باللاندكروزر متجهاً الى العمارة 68.

شاهد أيضاً

د. عاطف المصري

الأهميه والأولويه

قد نري في كثير من الأحيان ان لم يكن دائما أشخاص لاقيمه لهم بجميع المقاييس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *