الثلاثاء , يونيو 9 2020
أ.د/ عبدالرازق مختار محمود

العزف علي أطلال حلب .

علي أبواب الأعياد في المشرق ارتدى طاقم أوركسترا فرقة الجيش الأحمر الموسيقية الروسية ملابسهم الأنيقة واصطفوا؛ ليطيروا إلي سوريا حتي يشاركوا زملاءهم في الميدان لحظات اللهو والاستمتاع، وهم في طريقهم إلى سلم الطائرة كانت ترادوهم أحلام حلب، ونسائم اللاذقية، ورائحة البحر المتوسط، وزهور دمشق، وتلك النساء العربيات ذوات البشرة المميزة والروح المتألقة، نعم كان كل جمال المشرق يتراقص أمام أعينهم، ولا يفصلهم عنه إلا فك أحزمة تلك المقاعد المتهالكة على طائرة صنعت بيدهم.

كانوا على يقين أنهم سائرون إلى أطلال حلب، حيث تجري من تحتهم أنهار الدماء المنهمرة من شهداء تجاوزا مئات الآلاف، يطوف عليهم ولدان وقعوا من أسر الفاسدين، أما خمور الشرق المعتقة فقد أخرجت من قبو مهترئ ضارب في القدم أعد خصيصا لهكذا مناسبة، عندما حفرته حملة الملوك، وهي أول حملة يشارك فيها الملوك، وقد بدأت في العام 1147م وانتهت في العام 1192م، وفيها أسّسَ أحفاد هؤلاء إماراتهم الأربعة (أنطاكية، والرُها، وطرابلس، والقدس)، بعد أن هزموا السلاجقة في مواجهات عديدة، وفيها أيضاً قتلوا جميع سكان القدس، ويُقال أنهم قتلوا في ساحات المسجد الأقصى سبعين ألف مسلم، وقد تغنّوا بهذه النجاحات، حيث استطاعوا أن يحقِّقُوا الهدف الأسمى، وهو السيطرة على بيت المقدس، ولكن سرعان ما جاءت معركة حطين في اليوم الرابع من شهر يوليو للعام الميلادي 1187، وهى المعركة الفاصلة والحاسمة في تاريخ المسلمين، بقيادة سلطان مصر والشام (السلطان صلاح الدين الأيوبي)، الذي استطاع أن يُحرّر بيت المقدس.
نعم كان موعدهم يوم الزينة، وحشروا جميعا في قاعدة عسكرية، احتسوا بعضا من الفودكا الروسية علهم يشعرون بالنشوة والانطلاق عندنا تقع أعينهم على تلك الجثث المتناثرة من كل الأحياء، وحتى لا تزكم أنوفهم من رائحة الدمار المتدلي من كل الأرجاء، وحتي لا تخجل مشاعرهم من سيول النزوح الجارفة تحت وقع سيول السماء، حملوا آلات العزف، وانطلقوا ووجوههم كلها تألق، فوجهتها قاعدة حميميم في اللاذقية السورية جلسوا مطمئنين فرحين فخوريين بنياشين النصر، وعبق الثروات الآتية من الشرق.

نسي أو تناسى هؤلاء وغيرهم أن للكون إله. نعم أنا لست مع التواكل وإطلاق العنان للأحلام، ولكنني من المؤمنين أن للكون إله يغار على صنعته، وللكون إله يرسل من الرسائل ما يبث الطمأنينة في نفوس المستضعفين، مؤمن أن للكون إله هو من يمسك بمقاليد الكون، هو من يملك وحده الموت والحياة، فقد نتألم، وقد يبلغ الألم مداه؛ ولكن بين الحين والآخر يرسل لنا من بيده مقاليد الأمور من الآيات ما يحقق وعده، ويشفي صدور قوم مؤمنين، قد تألموا حتى فقدوا الوعى، ولكن لا حلية لهم، قد تكون قلوبهم اعتصرت ودموعهم انهمرت؛ فاطلع الله علي إخلاص القلوب وصدق العبرات؛ فأرسل ما يشفي تلك الصدور. فأطفال رضع لا حيلة لهم، وشيوخ ركع، وبهائم رتع وعد الله أن يرفع العذاب عن أهل الأرض بفضلهم، فكيف به وهؤلاء قد سالت دماؤهم دون ذنب يذكر، فمن لم تقتله البراميل ، قذفته الطائرات، ودهسته الدبابات، وفتكت به المفخخات، واخترقت جسده الرصاصات، ومن هرب من كل ذلك تلقته الثلوج القاسية، وقد باشرت جسده البالي والعاري تفتك به، وقد خارت قواه.
مهما طال ظلم المستعمرين، ومهما بلغ قهرهم مداه، ومهما ظن أهل الشرك، أنهم غالبون، فإن لدينا من اليقين بالله ما يطاول الجبال علوا ورسوخا، فإن النصر بيد الله وحتما سيكون واضحا يوما ما، ذلك اليوم هو بيد الله، وأول أولئك البشر الذين يسعدون بهذا هم أيضا من اختيار الله، هم أولئك الذين نطقت قلوبهم وكلماتهم وأفعالهم وسرهم وجهرهم وبإخلاص بأن العزف على أطلال حلب هي سيمفونية الموت لا النصر.
أ.د/ عبدالرازق مختار محمود
أستاذ علم المناهج وطرائق التدريس بجامعة اسيوط

شاهد أيضاً

د. عاطف المصري

بدون تطبيل

سبق وعلمنا أن القياده السياسيه رصدت مبلغ مائة مليار جنيها لأزمة كورونا و ظلت تنادي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *