الأحد , سبتمبر 19 2021
د. مجدي الجعبري

هل يمكن القضاء علي الإرهاب؟

د. مجدي الجعبري
الإرهاب خطر مفروض وليس حالة طارئة أو مؤقتة، وأصبح ظاهرة خطيرة في حياة المجتمعات الإنسانية، والإرهاب ليست له هوية أو عقيدة أو انتماء إلى بلد معين حيث يوجد عندما توجد أسبابه ومبرراته دون النظر للمكان أو الزمان أو اللغة أو الدين، فقد ضرب الكنائس كما ضرب المساجد، وضرب دول عربية وإسلامية كما ضرب دول أوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، ولا يوجد اتفاق أو تحديد واضح لمفهوم الإرهاب في الفكر السياسي العالمي المعاصر، فقد عَرّفت الأمم المتحدة الإرهاب الدولي بأنه استخدام العنف غير القانوني أو التهديد به لتحقيق هدف سياسي معين، كما يُعَرفه علم الاجتماع السياسي بأنه كل تصرف أو سلوك بشري يستخدم قدر من القوة في التعامل مع إدارة العلاقات الإنسانية للاختلافات في المجالات الثقافية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية بهدف تحقيق أهداف معينة، وهذا السلوك غير السلمي يحدث بين الأفراد أو الجماعات أو السلطات بعضها تجاه بعض داخل مجتمع معين أو بين مجتمعات ودول، والإرهاب يكون في بعض الأحيان فعل لكنه في غالب الأحيان يكون رد فعل، حيث اكتسب الإرهاب أبعاده بصيغته الحالية من خلال الأزمات السياسية والاقتصادية والفكرية التي يمر بها النظام العالمي.

ترجع أسباب انتشار ظاهرة الإرهاب إلي مجموعة من العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية سواء علي المستوي المحلي أو الدولي، فعلي المستوي المحلي المشكلات الاقتصادية وسوء توزيع الثروة واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء تخلق شعور بالحرمان والتهميش لدي الطبقات الضعيفة وتفرز حالة من الغضب والحقد تجاه فئات معينة في المجتمع وتولد السلوك العدائي والعنف وردود الأفعال الإرهابية، وزيادة معدلات البطالة بين الشباب تولد لديهم الشعور باليأس والإحباط مما يجعلهم فريسة للجماعات المتطرفة، أما الأسباب السياسية ترجع إلي السياسات غير العادلة التي تمارسها بعض الأنظمة ضد مواطنيها، وتهميش بعض الفئات أو التيارات وانتهاك الحقوق والحريات وبما يشعرهم بالقهر السياسي، وهناك أسباب اجتماعية تعود إلي تفكك الأسر وانتشار الأمية والجهل وعدم الاهتمام بالأبناء، حيث يترك ذلك أثرا سلبيا في نفوس الأبناء ويحولهم إلي أطفال شوارع ويجعلهم عرضه للانحراف والاستغلال من قِبل بعض الجماعات الإرهابية، أما الأسباب الإيديولوجية منشأها الانقسامات الفكرية بين التيارات المختلفة في المجتمع والتعصب لمبدأ فكري أو ديني واستعمال العنف لفرض هذا الفكر على المجتمع، وربما يسعى أصحاب هذا الفكر إلى محاولة الوصول إلى السلطة لتسهيل نشر تلك المبادئ وتطبيقها، أما علي المستوي الدولي فالاعتداء على سيادة الدول والإضرار بمصالحها وتحيز النظام السياسي الدولي إلي الدول العظمي وعدم اتخاذ إجراءات بشأن مخالفاتها والانتهاكات التي تقوم بها ضد دول معينة، وحالات الصراع الذي تشهده الساحة السياسية الدولية، والتطور غير المتكافئ بين الدول المتقدمة والدول التي تسعى إلى النمو يساهم في ارتكاب أعمال إرهابية تعبر عن حالة الرفض للاستغلال والاستعمار الدولي، وأيضا السياسات المالية المتبعة من قبل المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد والبنك الدولي من خلال برامج الإصلاح الاقتصادي والتي يؤدي تطبيقها في معظم الأحيان إلى سوء توزيع الدخل وتدهور القدرة الشرائية واتساع مساحة الفقر.

والسؤال المطروح هل يمكن نجاح الحرب علي الإرهاب والقضاء عليه؟ وللإجابة عن هذا السؤال يجب أن نجيب أولا عن التساؤلات التالية:
هل يمكن القضاء علي الإرهاب في ظل استمرار العشوائيات بمعاناتها المعيشية وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، حيث يعيش سكانها الحرمان من أدنى حدود الحياة الإنسانية الكريمة، ويعيش السكان فيها حياة قاسية فلا يوجد ماء صالح للشرب، ولا يوجد صرف صحي، ولا توجد مستشفيات، ولا توجد مدارس، ومعظم سكان العشوائيات من العمالة الموسمية التي لا تتمتع بتأمين صحي ولا يوجد لديها دخل ثابت.

هل يمكن القضاء علي الإرهاب مع استمرار موجات الغلاء والارتفاع المستمرة لأسعار السلع والخدمات واحتكار بعض السلع واختفائها من الأسواق، وزيادة أعباء ومعاناة الطبقات الفقيرة ومحدودة الدخل مع خفض قيمة العملة المحلية وانخفاض قوتها الشرائية وزيادة معدلات التضخم، الامر الذي أدي إلي زيادة معدلات الفقر.
هل يمكن القضاء علي الإرهاب مع استمرار ارتفاع معدل البطالة ووجود أكثر من 3.6 مليون شاب في مصر قادر على العمل وراغب فيه ويبحث عنه ولا يجد فرصة عمل له، وتعد البطالة تربة خصبة لظواهر العنف والاضطراب الاجتماعي، وتؤدي إلي انتشار أمراض اجتماعية تتسبب بانحرافات أخلاقية وسلوكية من شانها زيادة معدل الجرائم والإدمان للمخدرات.

هل يمكن القضاء علي الإرهاب في ظل وجود بعض القيود والإشكاليات حول حرية الرأي و التعبير بالرغم من منح الدستور مساحات أوسع لحرية التعبير عن الرأي و تداول المعلومات و حرية البحث العلمي والفكر والاعتقاد.
هل يمكن القضاء علي الإرهاب مع استمرار الانتهاكات لحقوق الإنسان واستخدام العنف والتعذيب في أقسام الشرطة والسجون وتعدد أشكال الاعتداء وإهدار الكرامة للمواطنين.

هل يمكن القضاء علي الإرهاب في ظل استمرار فوضي الخطاب الإعلامي وفوضي الخطاب الديني والفتاوى المتشددة التي تؤدي إلي خلق جيل مشوه علميا ودينيا وتدفع إلي التطرف واستخدام العنف.
هل يمكن القضاء علي الإرهاب مع استمرار محاولة الإقصاء بحق جماعة أو مكوّن اجتماعي، فهذا الإجراء يناقض الفكر الديمقراطي، فمن مبادئ الديمقراطية ألا يُغلق باب الحوار والتفاهم أمام جماعة أو حزب أو أي مكون من مكونات المجتمع.

هل يمكن القضاء علي الإرهاب بعد أن سقطت العراق وقُسمت إلي سنه وشيعه وأكراد، وانهيار ليبيا وصدام الفصائل المسلحة للسيطرة علي السلطة، وما تشهد سوريا بكل ما تتعرض له من مخاطر وقتل وتجويع وتعذيب وحرمان وهجرة، وما يتعرض له اللاجئين من معاناة في معظم دول العالم.
هل يمكن القضاء علي الإرهاب في ظل استمرار الانتهاكات الإسرائيلية للفلسطينيين، ونظرة المجتمع الدولي إلي حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة في الدفاع عن أرضه ونضاله من أجل إقامة دولته علي أنها عمليات إجرامية وإرهابية، وتصنيف ما تقوم به قوات الاحتلال الإسرائيلي علي أنها عمليات دفاع مشروع عن النفس.

للقضاء علي ظاهرة الإرهاب يجب علاج الأسباب التي أدت إلي ظهورها وانتشارها، واهم اسباب انتشار ظاهرة الارهاب علي المستوي المحلي عدم وجود عدالة اجتماعية وسوء توزيع الثروة ومحاولة اقصاء أحد مكونات المجتمع، وعلي المستوي الدولي ترجع الاسباب الي اخلاف معايير النظام السياسي الدولي في التعامل مع الدول، ولن يكون هناك امن بدون توحيد المعايير والسياسات وتحقيق العدل الشامل علي المستوي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والفكري، فعندما تولي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الخلافة حكم فعدل فأمن فنام.

شاهد أيضاً

محاكمة فتاة الفستان

بقلم / د. رفعت رشدي كالغزال بين أضراس الضباع سحقاً لعصابة الرعاع أوقعوها فى الشراك …

2 تعليقان

  1. من خلال سرد مطول انت يا ريس وضحت ان اسباب الارهاب هى اسباب اقتصادية واجتماعية وفوضى واعلام فاسد واسعار وبطالة الخ الخ الخ الخ .. والسؤال الان هل كل هذه المعطيات والاسباب هى وليدة اليوم وانها مستحدثة ولم تكن موجودة من قبل !! لو اخذنا مصر مثال .. مصر لم تعانى من الارهاب الا على فترات متباعدة ودائما ما تتنصر الدولة على الارهاب .. لان هذة هى النهاية الطبيعة .. ولو كانت اسباب انتشار الارهاب هى كل ما سبق قلماذا ضرب الارهاب المانيا وفرنسا وبلجيكا وبريطانيا وامريكا وبقسوة !! وكيف انضم لداعش شباب وبنات من دول اوروبا وشباب ولاد ناس احسن اهلهم تربيتهم .. لان هذة الفئة تضرب تمام فكرة ان يكون السبب اقتصادى
    كلنا نعلم ان ان حدود داعش هى العراق والشام فكيف نرى لهم اتباع فى جميع انحاء العالم هل بسبب ان داعش دولة مترامية الاطراف !!! لا ولكن داعش هى فكره الارهاب نفسه فكره فكر ضال وكما قيل من قبل لا يفل الحديد الا الحديد ولكى نقضى على الارهاب علينا ان نواجهه بفكر مضاد .. الفكر يقابلة فكر وهذا ما حدث عندنا من قبل وهو الحل الحقيقى بجانب الحل الامنى

  2. بارك ألله فيك يادكتوز موصوع مهم فعلا بس يارب يلاقى عقلاء لتنفيذ اقتراحاتك المفيده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *