الأحد , سبتمبر 19 2021

ناديه خلوف تكتب: الرّقص عن بعد

رحلة الحياة قصيرة. هي لمحة في عمر الزّمان. نظهر فيها، ونختفي من هذا الكون. لن نعود حتى لو نصبوا لنا التّماثيل. معتادة على النّسيان. أنسى أسماء الأشخاص، ووجوههم عن غير قصد، وبعضهم أحرقه مع الدفاتر العتيقة، وأنسى أنّني أحرق الدفاتر كلّما مرّ عليها وقت من الزمان.

هل تسأل عن أخباري؟ أنت تعرفها. رأيتك تتلصّص على سيرتي الذّاتية، تركتها أمامك تتصفّحها علّك تعرف معنى احترام الذّات والعطاء، والحب. لا أحقد عليك، طويتك، وضعتك بين أوراقي، بعد أن يمضي عليها بعض الوقت سوف أحرقها، لكنّني أحتاج بعض الوقت. ليس بالوقت الطويل على كلّ حال.

هذه ليست رسالة عتاب لحبيب، بل ربما لشخص غريب اقتحم عالمنا، وفارقنا، ولم يترك بصمة ، كأنّه لم يكن موجود، وهم كثر، فلطالما يزوركم أحدهم وتكرمون ضيافته، ويقدّم لكم أطيب الكلام، لكنّه يذهب دون أن يدعوكم لزيارته. أتى من أجل أن يأكل، ويشرب، وينام تلك الليلة. أتساءل: كم من الأشخاص يرغبون أن يقتحمون عالمنا ويرحلون؟ ربما الكثير، والعيب ليس فيهم. فهم أبناء أمّهم ، وأباهم، وكنّا نعرفهم جيّداً، فالذبابة تنجب ذبابة، والتّفاحة تنجب تفاحة. تجاهلنا سنّة الكون، اعتقدنا أنّ مثل الشّوكة تنجب وردة صحيحاً ،فإذ به ليس صحيحاً. الوردة الجورية فيها من الشوك مايكفي لحمايتها.

لا أتحدّث عن حدث معيّن. أتحدث عنهم جميعاً. قلوبهم معبّأة بالكراهيّة، وهناك شوارع مكتظة بهم في مدن سوريّة، وعربيّة، في محطّات فضائية، وقنوات إذاعية. يقدمون لنا النّكد على مدار السّاعة، ونحن نعيش بينهم. لو تلفّظنا بحرف ضدّهم قتلونا، وخرجوا في جنازتنا.

اقترحت على بعض الأطفال فكرة الرّقص عن بعد كي أخرجهم من فقدان ثقتهم بالمثل العليا لهؤلاء،  لم يتجاوب الأطفال في البدء، دعوت شابّة ماهرة في الرّقص، طلبت منهم أن يشاهدوا فقط، ولو من خلال سكايبي ، بعد دقائق أقمنا معاً حفلة استمرّت عدّة ساعات. رقصوا، ورقصتُ معهم كي نتمتّع بالحياة، وليس من أجل أن يقيّم الناس رقصنا، فنحن في مشاركة روحيّة، وليس في مسابقة.

أعادت تلك الحفلة لي الثّقة بنفسي. تلك الثّقة التي أفقدني إياها الآخرون عندما مشيت على طريق المجاملة المزيّفة. ضحكت مع نفسي. قلت: ها قد عدت!

سوف أقود فريقاً من الأطفال لأعلّمهم الفرح، ويعلموني النّشاط واللعب. من خلال ألعابنا نكتب على قمصاننا: مستمرّون. لا أحد سوف يمنعنا من الفرح بعد الآن. نحن هو المثل الأعلى.

غرست أمام البيت وردة جورية بعد موسم الرّقص، ظهرت براعمها. كلّما رقصنا عن بعد . ندور حول الوردة. ستتفتّح ليس بعد وقت بعيد، ويمرّ الأطفال من فوق جسر الأمان الذي فقدوه منتصرين، وتبقى الوردة ترقص معهم، بينما أرحل، وأحمل في جعبتي أسماءهم. ابتسم للرّحيل، فالحياة قصيرة إلا إذا استطعت إدارة فرقة رقص تستمرّ بعدك، وتكتب تاريخك.

شاهد أيضاً

محاكمة فتاة الفستان

بقلم / د. رفعت رشدي كالغزال بين أضراس الضباع سحقاً لعصابة الرعاع أوقعوها فى الشراك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *