الإثنين , سبتمبر 11 2017
الرئيسية / منوعات / نادية خلوف تكتب : عفواً لم أقصد ذلك

نادية خلوف تكتب : عفواً لم أقصد ذلك

قد يستغرب أحدكم لو قلت: لا أشعر أنّني  حرّة. أبحث في ذاكرتي القريبة، والبعيدة عن المواقف التي اتخذّتها بملء إرادتي. النتيجة هي صفر. لا أعرف من أين أتاني هذا الخوف، فقط أعرف أنّني أخاف. تتصارع  المقصّات في رأسي ترغب أن تقصّ جميع الأفكار التي أكتبها، ضميري يرتجف حين يصل إلى حدّ الرقابة، فيقذف بالمقّص يميناً ويساراً. هذه الكلمة تضرّ ابني، وذلك التعبير يؤثّر على أخي، أقرأ ما أكتب، وتكون قد فقدت الكتابة معناها الذي قصدت.

حضرت البارحة فيلما-أحضر أفلاماً هنديّة، وأمريكيّة فقط- كان الفيلم عن التّقمص، لكنّني افترضت منذ بداية الفيلم أن هناك مأساة تستحق البكاء، بدأت بالبكاء قبل أن يبدأ الفيلم، وتابعت البكاء، وأنا أقول: يا لها من مأساة!

لماذا يجري الأمر بهذه الطريقة؟

ثم أقنعت نفسي أنّه منام-عفواً -فيلم. نظرت إلى الشّاشة فإذ بالبطلين يرقصان. لا يوجد مأساة، حتى عندما تقمّصت روح أحدهما جسد كلب. بقي على نفس السّعادة، ولو خيرته ثانية لما قبل إلا أن يكون كلباً. اعتبرت أن الرّقص كان طارئاً، وربما كان في الحلم. عدت إلى الحزن على البطل، والبطلة السّعيدين.

في أوقات كنّا  نمثّل لا شيء في وطن ما، وفي زمان ما. كنت أحسدهم. أسأل:  لماذا أنا مختلفة عنهم؟ لا شكّ أنّ العذر فيّ، أو بموروثي الاجتماعي. لم تعلّمني أمّي على العضّ. يمرون بي، إما يلدغون أو يعضّون، هم نتاج أمهاتهم العضاضات. بعضهم كان معي على مقاعد الدراسة، وكانوا في المراتب الأخيرة، وأصبحوا في المراتب الأولى. أحسدهم. هل يمكن أن أصدّق لو قلتم أنّكم لا تحسدونهم؟ هم يتحدّثون معي أحياناً من منطلق أنّهم أحرار، وبحريّتهم كسبوا كلّ ما كسبوه. كنت أراهم في الإذاعة، وفي المهرجانات الثقافية،  في المؤتمرات العلمية، وفي مقالات الرّأي. أغلقت باب منزلي، كما أغلقت التلفزيون مستسلمة إلى العزلة، لكنّني أردت أن أحيا، فعدت. بدأت أشفّر صورة الأشخاص أمامي، فلو ظهرت الوزيرةوهي تتشدّق. أغيّر في  تفاصيل حضورها، وعندما تكتمل أرجلها الأربعة والأربعين أكون قد غيّرت رؤيتي إلى مؤشّر المال والأعمال، أحسد مذيعة المال. تقرأ الخبر كأنّها روبوت.

كنت سوف أخبركم بأنّني أزلت من مكتبتي كتباً تتحدّث عن ثورات هزّت العالم، وألحقت بها صور جميع مثقّفي العصر. الحقيقة أنّ أغلبهم بلغ مرحلة الخرف، لكن لم يمت منهم الكثير، كيف يموتون، وهم يفرّغون طاقاتهم في منشورات تجعلنا نرتجف لعظمتهم.

كنت أحسدهم لأنّهم يعيشون. يتنقلون في أرض الله الواسعة كأنّها من ممتلكات أجدادهم، بينما أتابعهم، وهم يغمزون. ها نحن هنا. لسنا مثلكم!

أعود إلى سيرتي الذّاتية. قلت لكم أنّني عبد، ولست حرّة. نعم، وقد قدّمت للتّو عشرة سير ذاتية مختلفة، في كلّ واحدة أصف فيها  شروط عبوديتي، وآخرها كانت إلى شركة إعلامية تافهة. طلبت محرّراً لبرجك اليوم. أعادوا لي الطلب على الفور. قالوا: من يرشّحك؟ لم أفهم. طلبوا شهادة رجل وامرأتان من جماعة المعلّم، وسهرة مع المرح. أجلب فيها عشر فتيات دون العشرين.

هم لا يخطئون مثلي، فمداركهم واسعة جداً. يعرفون اللحظة المناسبة للزّحف إلى قدم أيّ شخص، وعندما تدور عليه الدّائرة يدورون ضدّه.

كلّما مشيت في طريق يشرد ذهنّي . لا أفكّر إلا بالحرّية. عيناي تبحثان في الأرض عن كيس دولارات أتعثّر به. كم يكفيني؟ مليون دولار. اثنان. ثلاثة. يزداد طموحي، أتراجع إلى الألف ليرة فاليوم أخصصه للخبز، وغداً أتعثّر بالكنز.

لو وجدت الدولارات. لا أعرف  أين أصرفها. سوف أخبئها، وأصرفها  كلّ مئة دولار لوحدها. لن أعلم السّلطات، ولن يتأثر ضميري بمن أضاعها، فمن يهمل مليون دولار. لا يهتمّ لها، مع هذا أخاف أن يوقع بي أحد ما فأذهب ضحيّة الدولارات.  عندما أجد كيس الدولارات سوف أقول لكم الحقيقة: أحبّ المال من أجل المال.

لو أجد الآن  ربطات خبز يابسة،  سوف أيمّمتها كي أطّهرها، وهذا جائز شرعاً عندما يتعثّر وجود الماء. لكن الوقت شتاء، وقبل قليل كانت السّماء ترسل قطرات مبعثرة، فتحت فمي فاصطدّت عدة قطرات. ما ألذّ طعم الماء. أتمنى آن آكل كأساً مثلّجة. عفواً. هل يأكلون الماء، أم يشربونه؟

كلّ هذا العبث بسبب مداركي المحدودة، أشعر الآن أنّني سجن مقفل. أحدهم أقفل دماغي، وأخذ معه المفتاح  أتمنى أن يعود إليّ، ومعه عقد عبودية-عفواً – أعني عقد عمل. أذعن لكلّ شروطه. عندما أوقّع العقد. سوف أرسل إلى  صديقي معدّ البرامج في قناة الرأي القابضة. سوف أحدّثكم منها عن الحرّية، وأقول لكم النّصر قريب.

 

شاهد أيضاً

محفوظ مكسيموس يكتب : العشور والقصور :-

نعلم جميعا كمسيحيين بأن العطاء هو واحد من أسمي الفضائل المسيحية وأهمية العطاء تظهر جلية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.