الثلاثاء , مايو 3 2022

يسوع الذى لا نعرفه ( 4 )

بقلم / مايكل عزيز البشموري
الجزء الرابع : الأسقف الفاسد
أخرج المطران من جيب جلبابه الأيمن علبة سيجار كوبية الصُنع ، ثم حاول البحث عن القداحة فلم يجدها فى جيوب جلبابه الحريري ، فتذكر بأن قداحته داخل شنطته السوداء المليئة بالمستندات والأشرطة الخاصة بمحاكمة تلاميذ الاب المسكين .. أخذ يبحث عنها كثيراً بداخل الشنطة إلى أن وجدها أخيراً .. كانت قداحة مطلية من الذهب الخالص .. أمسك المطران قداحته وسحب سيجارة من العلبة ثم أشعلها ببطئ وسحب نفساً عميقاً منها وأطلق زفيراً كبيراً لتمتلئ الغرفة برائحة السيجار .. إبتسم المطران وسأل يسوع : أتريد أن تشرب السيجار معى يا مُخلصى ؟
– يسوع : أشكرك فأنا لا أدخن .
– المطران : أنصحك بأن تجرب هذا النوع من السيجار .. إنه النوع المفضل لديّ .
– يسوع : شكراً لك .. ولكن منذ متى وانتا تدخن ؟
– المطران : فى الحقيقة لقد علمنى أحد أساقفتك التدخين ، وقد حدث ذلك منذ زمن ليس ببعيد .
– نظر يسوع للقداحة الموضوعة على الطاولة ثم قال للمطران بإبتسامة عذبه : قداحتك جميلة للغاية !
– المطران ضاحكاً : هل أعجبتك .. لقد جائتنى هدية من أحد الأساقفة ، ثم غمز المطران بعينه ليسوع وقال بصوت خافت يملئه الضحك : « إنها فى الحقيقة رشوة » .
– يسوع : هل هى من الأسقف الذي علمك التدخين ؟
– المطران : لا هذا أسقف غيره !
– يسوع : وما قصة أسقف القداحة هذا ؟
– المطران : سأروي لك التفاصيل .. لقد أرسلنى قداسة البابا المعظم « ذهبي الفم » إلى إحدى إيبارشيات المهجر لمحاكمة أحد الأساقفة المتورطين فى قضايا فساد .. لقد كان أسقفاً فاسداً لدرجة أن رائحة فساده فاحت للجميع .
– يسوع : وهل للفساد رائحة ؟
– المطران : يا عزيزي كلنا فاسدون .. وكل واحد منا لديه خطاياه الخاصة ، فنحن بشر وعبيد بطَالون .. ( قال هذا بخبث وهو يتظاهر التواضع ) .
– يسوع : أعلم بأنه لا يوجد أحد كامل ، ولكن ما هى التهمة التى كانت موجهه لهذا الأسقف ؟!
– المطران : « السيمونية » لقد قام بدفع مئات الآلاف من الدولارات رشوة لسكارتارية البابا المعظم « ذهبي الفم » لإقناع قداسته برسامته أسقفاً على إحدى إيبارشيات المهجر .
– يسوع : لا بد أن يُحاكم .
– المطران بكبرياء : الضعفاء وحدهم مَن يُحاكمون ، أما طبقة رجال الدين أمثالنا فهم تماماً مثل رجال القضاء وأعضاء البرلمان يتمتعون بالحصانة والحماية .
– يسوع : حتى الفاسدين منكم ؟!
– المطران (مؤكداً) : حتى الفاسدين منا !
– يسوع متسائلاً : وبرائيك ما هو الحكم الذى يستحقه ذلك الاسقف ؟
– المطران : الإيقاف أو ممارسة شئون ايبارشيته وكأن شيئاً لم يحدث .
– يسوع : وهل تم إيقافه ؟!
– المطران : لقد سافرت على متن طائرة الخطوط الجوية البريطانية ، على رحلة من الدرجة الأولي .. لقد كانت رحلة شاقة بالنسبة لي .. والطعام كان سيئ بالطائرة .. لن أطيل عليك تفاصيل الرحلة … ولكن كرجل دين زاهد مثلي ، لابد أن يحصل على قليلا من العناية فى بعض الأحيان ( قالها بسخرية ) ، ثم استطرد حديثه قائلاً : « بعد هبوطى على متن الطائرة تم إستقبالي فى المطار إستقبالا رسمى فى حضرة الاسقف وشمامسته وشعبه وذلك فى قاعة كبار الزوار بالمطار ، قمت خلالها بمباركة الشعب ، وبعد ذلك ذهبنا جميعا تجاه الكنيسة ، وبدأنا تلاوة صلوات الشكر ، وبعد إنتهاء الصلاة ، دعانى الاسقف الفاسد لحضور مأدبة عشاء فخمة كانت مُعدة خصيصاً لإجلى .. كانت مليئة بأشهى المأكولات وأصناف الطعام المختلفة ، وبعد لحظات طلبت من الاسقف صرف الحضور ، عدا أعضاء المجلس الملى التابع للايبارشية والمشتكين على فساد أسقفهم . وبعدما إنصراف الحضور والمهنئين قمت بإجراء تحقيق موسع حول الاتهامات المثارة حول الاسقف ، ومن خلال إستماع الشكوى المقدمة من المسئولين عن المجلس الملى وقراءة المستندات المقدمة منهم ، تبين لى بأن الاسقف قام برهن جميع كنائس وممتلكات الايبارشية خاصته لإحدى بنوك الدولة ، وأخذ مقابلها قرضاً بقيمة خمسة عشر مليون دولار أمريكي ، وقام بإهدار سبعة ملايين دولار منها .
– يسوع مستغرباً : وماذا فعل بتلك الأموال الكثيرة ؟
– المطران : لن تصدق ماذا فعل بالاموال ؟! لقد قام هذا الاحمق بشراء قصراً كبيراً للإقامة فيه ليرضى أهوائه وشهواته ، وقيامه بزيارات أسبوعية لكل إيبارشيات المهجر التابعة لكنيستنا القبطية الارثوذكسية ، وبالطبع تلك السفريات كلفت ايبارشيته الاف الدولارات ، مما أسفر عن إهدار سبعة ملايين دولار فى أقل مِن عامين ، الامر الذى جعل الايبارشية تقترب نحو إعلان إفلاسها ..
– يسوع : وهل دافع الاسقف عن نفسه ؟
– المطران : بدأ يبكى مثل النساء ، وأخذ يتوسل إليّ بالتوبة وبأن لا أخبر قداسة البابا المعظم ، وبدأ يُهديني الهدايا التذكارية ، وكان من أبرزها تلك القداحة الذهبية التى أعجبتك يا مخلصى .
– يسوع : وماذا أخبرت الأب البطريرك ؟
– المطران : بالطبع لم أتحدث اليه عن تهمة « السيمونية » الُملصقة بالأسقف حتى لا يُشلح ( يُحرم ) ، وأكتفيت فقط بالحديث عن فساده المالي وإهداره لاموال إيبارشيته مثلما تحدثت إليك .
– يسوع : وماذا أخبرك الأب البطريرك ؟
– المطران : جُن جنونه على الفور ، فعندما سمع بأن الاسقف أشترى لنفسه قصراً للسكن وأهدر ملايين الدولارات ، صرخ قائلا : « هل يريد إبن الساقطة هذا بأن يتشبه بالبطاركة .. لا وألف لا » ثم قرر بعدئذ أيقاف الاسقف عن الخدمة ورجوعه مجدداً إلى ديره .
– يسوع : شيئ مؤلم حقاً .
– المطران ضاحكاً : هذا الاسقف يعتبر ملاكاً بالنسبة لإساقفة كثيرون داخل مجمعنا المقدس !.
– يسوع : وهل هناك أسوأ من ذلك ؟!
أخذ المطران نفساً عميقاً من السيجار الفاخر الذى بين يديه ثم قال ليسوع وهو ينظر لدخان السيجار الخارج من فمه : « دخان هذا السيجار يشهد على أحداث كثيرة » .
– يسوع محدقاً للمطران بإنتباه : مَن تقصد ؟
– المطران : كهنة البعل !
للحديث بقية

6

شاهد أيضاً

جلسات الصلح ” الظلم ” العرفية إهانة لدولة المواطنة والقانون …

أشرف حلمى جلسة الصلح العرفية التى أنتهت مؤخراً بين الطرف الأول الصيدلي علي ابو سعدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *