الأحد , يونيو 7 2020
مدحت موريس
مدحت موريس

حوار مع مسكين

مدحت موريس

تنويه : مع اقتراب تذكار نياحة مثلث الرحمات قداسة البابا شنودة الثالث اعيد نشر هذه القصة البسيطة لنتذكر كيف سمح الله بأن يتجاوز العامة فى حق البابا الراحل وايضاً كيف جعل الله رحلته الاخيرة على الارض بمثابة مظاهرة حب وتقدير له على كافة المستويات.

تضاربت مشاعره وهو يستعيد ويروى تلك الأحداث التى مضت منذ عدة اعوام، مابين التفاخر والندم، السعادة والألم حتى اننى لم استطع التوصل الى حقيقة مشاعره ومدى رضاه عن تلك الأحداث التى مازال يتذكرها جيداً فقد كان التناقض واضحاً جلياً فى مشاعره وهى تترنح ما بين ابتسامة الرضا حيناً وانكسار عينيه احياناً أخرى. سألته فى وضوح ” هل خرجت مع الحشود مندداً بأفعال الرجل؟

” صمت برهة ثم قال مبرراً وهو منكس الرأس ” نعم خرجت ساخطاً، ولو كان أى احد مكانى لفعل نفس الشىء…فما قيل لى كان كفيلاً باشعال ثورة غضب تحرق فى طريقها اى شىء وكل شىء”، عدت فسألته ” ولكن هل تحققت فيما قيل لك عن الرجل..بصورة أخرى الم يدر بخلدك ان ما قيل لك قد يكون كذباً او اشاعات او حتى مبالغات؟

” اجابنى” كنت وقتها على يقين من ان هؤلاء القوم لا يكذبون ابداً وان غايتهم فى الحياة هى نصرة قومنا ومبادئنا وعقيدتنا”….

استوقفتنى كلماته -لا سيما- “كنت وقتها” واستشعرت نظرة مغايرة ورأياً مختلفاً فى قومه لكنه – فيما يبدو- فطن لما يدور بداخلى فقال مستطرداً ” قد تورطهم المشاعر والغيرة على عقيدتهم فيتسرعون ويبالغون لاثارة مشاعر الغيرة فى قلوبنا لكنهم -فى جميع الاحوال- لا يقصدون ان يظلموا احداً” قلت متصنعاً الابتسام

” ها انت مرة أخرى تعود ملتمساً الاعذار لهم بعد ان اورطوك فى ظلم الآخرين…..لكنى اريدك ان تحكى لى تفصيلاً عما حدث فى ذلك اليوم” ارجع رأسه الى الخلف وكأنه يستعيد المشهد من اوله ثم بدأ يحكى دون ان ينظر الىّ “ادينا الصلاة وصدورنا تمتلىء بالغضب جراء ما سمعناه عن جبروت الرجل وتنكيله بمن يتحول عنه ويسير فى دربنا يؤمن بما نؤمن ويعتقد بما نعتقد….

هالنا ان نرى و نسمع بظلم اخواتنا، راعنا ان نعرف بحبس اخواتنا خلف اسواره العالية فخرجنا نحتج ونعلن غضبنا….فهل اخطأنا فى ذلك؟” …تأكدت اننى ادور فى حلقة مفرغة عندما سألته ” وهل تأكدت مما سمعت؟” فجاءت اجابته ” ولماذا يكذبون؟

” غلف الصمت حوارنا للحظات ووجدتنى اضع كفى على جبهتى وكأننى اعتصر عقلى لكى استطيع اكمال الحوار معه ثم بادرنى هو متردداً وكأنه يلقى عن نفسه تهمة ما ” لقد صدقت كلامهم ولم يدر فى خًلدى ولو للحظة انهم يكذبون” نظرت اليه مُشفقاً وخرجت كلماتى حادة ومُحكمة” بل انك صدقتهم لأنك كنت تريد ان تصدق…حتى ولو كانت اقاويلهم اقرب الى الأساطير” عاود الصمت وشعرت ان كلماتى جاءت اعلى من قدرته على الاستيعاب…

” لقد خرجنا نحتج ونندد بما يفعله….فان كان بالفعل قد فعل ما فعل فانه يستحق” قاطعته ” وان لم يكن قد فعل ما قيل انه فعل؟”…نظر الىّ نظرة ساهمة وكأنه تفاجأ بما اقول او ان هذا الاحتمال لم يكن وارداً بأى حال من الأحوال….

هز رأسه فى عصبية وكأنه يرفض هذا الاحتمال وارتفع صوته قائلاً ” والله لو كان بريئاً فليغفر الله لنا وله!!!…

وبصرف النظر عن كون الأمر حقيقة او تلفيقاً فان غضبى وانفعالى جاءا من باب غيرتى على اخوتى واخواتى وما صدقته بما جرى لهم وبهذا يكون تعبيرى عن غضبى هو تعبيراً شرعياً لا اُلام عليه” سألته “هل لك ان تخبرنى كيف عبرت عن غضبك هذا؟” اجابنى ” لم اكن وحدى – انت تذكر ذلك – كنا كثيرون…كثيرون جداً وقد اعمانا الغضب، خرجنا نهتف ضد الرجل..نلعنه ونسبه..والغضب كالحمى ينتقل فيما بيننا..يشتعل ويستعر..حملنا صوراً له بصق عليها الكثيرون…

اما انا فقد خلعت نعلى وامسكته بيدى اليمنى موجهاً ضربات متتالية لصورة الرجل معلناً غضبى عليه واحتقارى له” ارتسمت على وجهى – دون ان ادرى- ابتسامة صفراء ذاهلة ووجدتنى اسأله ” وماذا بعد؟” اجابنى بصوت خافت ” لا ادرى..لقد ذهب الرجل…رحل ولا ادرى ان كان قد رحل ظالماً ام مظلوماً،لكن هزنى مشهد وداعه لقد رأيت جموعاً تودعه بحب تفوق بكثير الحشود التى خرجت تندد به وتسبه فتساءلت بينى وبين نفسى ان كنا قد ظلمنا الرجل” افلتت منى ابتسامة ساخرة قبل ان اسأله

” وهل وجدت اجابة لسؤالك؟

” اجابنى ” لا ولكن العلم عند الله” وازدادت ابتسامتى الساخرة اتساعاً وانا اُلملم اوراقى والتفت لأصافحه مودعاً فمد يده اليسرى وصافحنى بينما انا اربت على يده اليمنى التى اصابها الشلل وعيناى تنظران قدميه اللتين عجزتا عن الحركة منذ ان خلع نعله.
إنهاء الدردشة

شاهد أيضاً

جيهان ثابت

هل يمكنني أخذ بلازما متعافي من كورونا لتجنب الإصابة ؟

مصل كورونا هو أجسام مضادة لمريض كورونا فيروس يتم استخلاصه من دم الإنسان الذي اصيب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *