الأحد , يناير 9 2022

إيليا عدلي يكتب : رسالة إلى الحالي

مقدمه إلى سيادتكم: مواطن في النازل..

سيدي الحالي.. أتمنى أن يتسع صدركم لقراءة رسالتي للنهاية، وكلي أمل ألا تلقى رسالتي مصير مثيلتها التي أرسلتها “للسابق” في نهاية التسعينات حين كنت على وشك التخرج في بالجامعة، كنت مملوءاً حيوية ونضارة ونشاط، قبل أن تفعل بي الحياة في وطني ما فعلت، ولا أتمنى لرسالتي مصير مثيلتها التي أرسلها أبي إلى “الأسبق” في نهاية السبعينات، ولا مصير مثيلتها التي أرسلها جدي إلى “المبتدأ”.

سيدي الحالي.. العبد لله مواطن موظف بسيط، كان متوسطاً، ينحدر طبقياً بشراسة، انحدار حجر مسكين مدفوع من أعلى جبل شاهق؛ لا أتمنى أن يصل للسفح بهذه السرعة، حتى لا يتسبب في كوارث الاصطدام. اعذرني سيدي لو أن لغتي قاسية على أذنكم، فأنا حاولت أن أخفف من وطأة التعبيرات، وأحبس الكلمات الصريحة في وصف الحال بداخلي؛ كي لا أجرح مشاعر المسئول بداخلك. سيدي.. أود أن أعلمك بأنني انتصفت الأربعين عمراً،

لا أدري كيف أو متى، ولكن جرى العمر هكذا.. لهثاً وراء الوصول إلى الاستقرار المادي والاجتماعي، من صعوبات إلى معاناة لا تنتهي حتى نظرت اليوم إلى التاريخ على الحائط؛ وعرفت أنني أقترب من الخمسين، فجرجرتني رجلاي ناحية المرآة لأرى رجلاً ذابلاً، أشيب الشعر منذ عِقد مضى، لم يعرف يوماً من متع الحياة أكثر من رائحة وجبة لحم في بيته أو فسحة بسيطة، كل عدة شهور، مع الأسرة الصغيرة، إلى حديقة عامة مجانية، أو لمشاهدة النيل من بعيد، فكل ما حوله من فنادق وما داخله من مراكب ليست لدخول الموظف بعصرنا، دوماً أحلم باليوم الذي كنا فيه نزلاء بأحد هذه الفنادق في العيد وأنا طفل ممسكاً بيد أبي، ولكنني لا أتحمل تكاليف تكرار ذلك مع طفلي الوحيد..

أعتقد أنك تستنتج من كلامي يا سيدي أنني لست مواطن مطحون بالوراثة، بالرغم من أن أبي كان موظفاً أيضاً، ولكنه كان يحصل على “أربعة جنيهات” علاوة دورية سنوية، حسب قانون العاملين وقتها، ولسخرية القدر أنني كبرت وأصبحت موظفاً، على نفس القانون، وعلى مدى عشرين عاماً بوظيفتي، لازالت العلاوة الدورية لي هي نفس “الأربعة جنيهات”.. هذه العلاوة – فقط – تستطيع وقتها شراء أربعة كيلو من اللحم، أما الآن يا سيدي أحتاج عشرة أضعاف هذه العلاوة لشراء شريط أقراص واحد لعلاج مرض الضغط عندي.

لم أولد بشقتي التي أقطن بها الآن بالدويقة، ولكنني ولدت بشقة جدي بالمهندسين، يسكنها الآن والدي ووالدتي – أطال الله عمرهما. كان جدي أيضاً موظفاً، وحينما شعر ببداية الانحدار في نهاية عهد “المبتدأ” أرسل له رسالة بائسة، دُفِنَت قبله بكثير، دون عزاء أو إعلان!

بدأ الفساد حينها بالوظائف الحكومية متمثلاً بالفساد الإداري والروتين الحكومي، كما صوره الفنان فؤاد المهندس بفيلم “أرض النفاق”، وشاعت الوصولية؛ رفض جدي التخلي عن مبادئه وظل مخلصاً، فأمسك ببداية خيط الانحدار الطبقي.. وتسلمه أبي الذي لم يكن أقل من جدي وطنية وإيماناً بالميثاق والمباديء الاشتراكية الشريفة، حتى فوجيء بالانفتاح كالعاصفة التي تطيح بكل من لم يمسك بجذور الفساد الانفتاحي السداحي مداحي..

برز كل اللاأخلاقيين من أصحاب الأموال المغسولة وكونوا طبقة باشاوات جديدة، بجوار باشاوات الميري، الذين حلوا محل باشاوت الملك.. لم تقبل روح أبي الوطنية رؤية الدولار يتساوى مع الجنيه، ويبدأ في هزيمته.. توسم خيراً في “الأسبق” ليسمع صراخهم حين خرجوا يهتفون: “سيد مرعي يا سيد بيه، كيلو اللحمة بقى بجنبه”.. طبعاً سيادتك تعلم أن أبي ومن معه أكلوا علقة حرامية ساعتها..

بالرغم من كل ذلك يا سيدي لم يتغير أبي عن مبادئه المتوارثة، فالطبقة الجديدة من المليونيرات الحرامية بدأوا نشر أخلاقهم من خلال رشوى الموظفين، ولكن أبي حافظ على درج مكتبه مغلقاً في وجه هؤلاء؛

ورضي بشد الحزام الذي تدرب عليه ببيت جدي أيام “المبتدأ” حين كان الزمن مبتدأ الأوجاع، وها الفساد استفحل وتحكم وحكم في زمن “السابق”، وحينما أرسلت له رسالتي الأولى، كانت صدمتي الأولى وأنا شاب صغير لم اختبر الحياة الحقيقية بعد..

والآن يا سيدي ألح برسالتي عليك كي لا يرث أطفالي هواية كتابة الرسائل الموئودة، أكتب إليك رسالتي الثانية وأنا مهزوم الجنيه بعشرة أضعاف هزيمته ببداية التسعينات.. أكتب إليك وأنا أرى وعود (جديدة) بإرادة سياسية صادقة نحو محو الفساد وتحريك عجلة الإقتصاد وإصلاح الخطاب الديني وإصلاح التعليم، أكتب إليك وأنا أرى مطالبات (قديمة) بالصبر وشد الحزام، وبالبرغم من ذلك هأنذا أزيد من شد الحزام كل يوم، ولكن سيدي الحالي.. كن حريصاً على عظامي قبل أن يصل إليها الحزام!

شاهد أيضاً

المصرنة

رامي عزيز المصرنه انه مصطلح اطلق فى مبادره بواسطة “الدكتور المهندس / شريف منصور” ، …

تعليق واحد

  1. حقا جميلة و في المرمى
    الخالي اساسا من اي حارس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *