السبت , نوفمبر 9 2019
انطوانى ولسن

الهوية.

بقلم:أنطوني ولسن – سيدني أستراليا
ما هي الهوية؟..
هل هي صفة نصف بها الناس؟، أم هي رمز الإنتماء؟..
تدور هذه الأسئلة، أو الإستفسارات في رأسي، محاولاً أن أجد مخرجأ مقنعا لكل ما يدور حول هوية المصريين ومصر البلد التي ينتمون لها.
إذا سألني أحد ـ على الرغم من وجودي في أستراليا ـ عن جنسيتي التي توضح من أنا، وبحكم حصولي على الجنسية الأسترالية، أجد نفسي مجاوباً بكل صراحة: ” أنا مصري أسترالي “. هذا إذا كان التساؤل من جهة رسمية. أما إذا سألني مهاجر مثلي من أي بلد أخر، عندئذٍ ستكون إجابتي: “مصريٌ”. لا أستطيع أن أضحك على الناس، وأقول لهم: “أستراليٌ”؛ لأن شكلي ولهجتي في الكلام مهما كانت قدرتي على التحدث باللغة الإنجليزية لا شائبة تشوبها . بل في حالتي الشخصية إسم ” ولسن” إن كان كإسم العائلة أو إسمي الشخصي لا يمكن أن يقنع الآخر بأنني أسترالي بالمولد. ويحدث هذا مع كل مهاجر خارج وطنه تجده يفتخر بإنتمائه لوطنه الأصلي، ويعتز بنطق إسم بلده بإعتزاز وأصبح أمام سائله معروفا بوطنه: ” مصريٌ، أو لبنانيٌ، أو سعوديٌ، أو هنديٌ، أو برازيليٌ، أو …إلخ”.
وإذا سافرت إلى بلد آخر غير أستراليا بجواز سفر أسترالي؛ لن يجرؤ إنسان أن يقول لي أنني غير أسترالي، أو حتى يتشكك في جنسيتي الأسترالية.
ولو إحتجت إلى مترجم ليترجم لي باللغة العربية كل ما أحتاج لفهمه من أسئلة مثلا ،يستجاب طلبي.
وإذا سألني إنسان ما في أي مكان في مصر أو أستراليا أو في الهند ما هي ديانتك؟؛ ستكون إجابتي دون تردد: “مسيحي، أو مسلم، أو لا ديني.. إلخ ” وهنا يعرف السائل ديانتي التي أعبد الله عن طريقها مهما كان إسم البلد الذي ولدت على أرضه ونشأت وترعرت في ربوعه .
وبهذا أصبح واضح على سبيل المثال أنني مصري الجنسية مسيحي الديانة، أو مصري الجنسية مسلم الديانة، أو صيني الجنسية بوذي العبادة .. إلخ .
في بلاد الغرب لا يسألون عن الديانة إلا في حالة المعرفة لتقديم ما تؤمن أنه حلال من مأكل أو مشرب أو ما شابه ذلك . بمعنى العمل على راحتك .وهذا عكس البلاد الشرقية الإسلامية العربية والإسلامية غير العربية السؤال عن الديانة يعتبرونه سؤالاً عن هويتك وليس عن إيمانك الشخصي الذي لا دخل لأحد فيه، لكن مع الأسف الذي يحدث هو معاملتك على حسب دينك وأكثر من هذا على حسب المذهب الذي تتبعه. وهنا الفارق في التعريف بالهوية: هل هي صفة نصف بها الناس؟، أم هي رمز الإنتماء؟ والإنتماء إلى من: للوطن، أم للدين!!.
نأتي هنا لسؤالي الأول.. ما هي الهوية؟ والإجابة نجدها:
1 – في التأكد من شخصيتي بتقديم إذا طلب مني مسئول عن إثبات هويتي بتقديم “بطاقتي الشخصية التي بها صورتي وإسمي ومحل عملي وسكني.
2– وتثبت أيضا هويتي الوطنية أي الوطن الذي أنا منه، إذا كان السائل في وطن غير الوطن الذي أنتمي إليه.
3– خارج الدول العربية لا مكان للديانة في البطاقات الشخصية أو جوازات السفر؛ لأن ديانتك تخصك أنت ولا أحد غيرك . المهم أن تكون أنت صاحب البطاقة أو جواز السفر فهما أو أحدهما الدليل الذي لا يقبل الشك على هويتك، من تكون، ومن أي وطن أنت.
هذه هي الهوية .. تبدأ بشهادة ميلادي ، وبعدها بطاقتي الشخصية ، ثم جواز سفري لإثبات هويتي .
نأتي إلى السؤال الثاني .. هل هي صفة نصف بها الناس؟
الإجابة تنقسم إلى شقين:
1 – إذا تواجد الإنسان بين آخرين من غير بلده في مؤتمر من المؤتمرات، نجد أمام كل عضو إسم بلده ليعرف به، فنعرف مثلا أن هذا هندي، أو مصري .. إلخ. 2
2 – إذا تواجدت مجموعة من أبناء بلد واحد ولكنهم من الصعيد مثلا أو من بحري وأشار أحدهم متسائلاً عن هويته، فيقول له “دا صعيدي” أو “دا فلاح” وهنا أخذ الشخص صفة المنطقة التي ينتمي إليها في وطن واحد يجمع الجميع.
أما عن السؤال الثالث: أم هي رمز الإنتماء؟
سنجد أن الهوية الوطنية هي رمز الإنتماء للوطن الذي ولد على أرضه وأصبح يحمل الهوية الوطنية لبلده. فهو مصريٌ، أو سودانيٌ، أو لبنانيٌ.. إلخ …
وهنا نأتي إلى الجدل الدائر الآن في مصر حول هوية مصر وأتعجب!!
مصر منذ أن وحدها الملك مينا وهي تعرف بإسم المملكة المصرية بعد أن كانت قبل ذلك مملكة الجنوب ومملكة الشمال . حكمها ملوك عرفوا بالفراعنة وتعددت دياناتها .. لكنها إحتفظت بهويتها المصرية . تعدد الغزاة الذين حكموها .. لكنها إحتفظت بهويتها المصرية على الرغم من إختلاف ديانات الغزاة من هكسوس وفُرس وإغريق ورومان وما عرف بعد إنقسام الأمبراطورية الرومانية إلى قسمين شرقي عرف بإسم الإمبراطورية البيزنطية ومصر كانت تتبعها والإمبراطورية الرومانية في الغرب .. لكنها إحتفظت بهويتها المصرية حتى بعد أن إعتنقت كل من مصر وبيزنطة الديانة المسيحية أو ما أحب أن أسميه بالإيمان المسيحي.. دخل العرب المسلمين مصر بدين جديد إعتنقه من إعتنق ، وبقي على إيمانه المسيحي من بقي ..لكن مصر إحتفظت بهويتها المصرية .. تقلب على حكم مصرعرب وغير عرب وإنجليز ولم يستطع أي من المحتلين المغتصبين تغيير هوية مصر.. حاول عبد الناصر تغيير إسمها طمعا في زعامة العرب؛ فأصبح إسمها: “الجمهورية العربية المتحدة” ومع ذلك لم يجرؤ على إلغاء إسم مصر وهويتها المصرية، فأضاف إلى الأسم جملة “الأقليم المصري”. لم تتغير الهوية المصرية على الرغم
من تغير الديانات بحسب ديانة المستعمر ـ سواء عن قهر أو إرادة ـ؛ لأن الغزاة لم يجعلوا من دينهم هوية لمصر باعتبارهم الأغلبية.
ويأتينا الآن من يزايد على الهوية المصرية، ويريد إضافة الإسلامية!
وأتساءل: هل هناك من قال أن مصر غالبية سكانها غير مسلمين؟؟!!.
يطالب البعض بحذف خانة الديانة في أي هوية شخصية؛ فيأتينا من يحاول إلغاء إسم مصر أو إضافة صفة أخرى عليها.. ولم يحدث في أي كتاب سماوي، أو غير سماوي أن ذكرت بإسم غير إسم:”مصر” . تغني الشعراء بإسمها؛ فكتبوا الأناشيد وكلمات الحب بإسم مصر: “يا حبيبتي يا مصر”، “مصر التي في خاطري وفي فمي أحبها من كل روحي ودمي”، ” أنا إن قدر الإله مماتي .. لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدي”.. ويأتينا الآن من يثير غبار طمس الهوية المصرية بالإصرار على إضافة صفة “الإسلامية”.
مصر وطن .. كيان قائم منذ فجر التاريخ .. كانت ونتمنى أن تظل مأوى لكل محتاج وملجأ لكل مضطهد، وملاذ لكل مظلوم ، تحترم الأديان والعقائد والملل .
الدولة إسلامية بحكم الأغلبية . لكن مصر متعددة الأديان والملل والمذاهب. إن كنتم تحبون مصر حافظوا على هويتها المصرية فقط لا غير . أما إذا كنتم تمهدون للخلافة وإعتبار مصر مركزا للخلافة، فأذكركم أن مصر في عهد الخلفاء سواء الراشدين أو من جاء بعدهم، هي مصر.
أختم بسؤال: هل مصر بقيت كما كانت بلد المحبة واحتواء كل من يبحث عن حياة أفضل، وكما كان عليه المصريون من محبة واخاء ومساعدة كل محتاج دون النظر الى الدين أو الملة أو الجنس؟
أذا كانت إجابة آياً منكم بالقول نعم مصر مازالت مصر المحبة!
أسأل مرة أخرى: اذا كانت مصر كما هي مصر المحبة؟ لماذا يتم إضطهاد المسيحييون الأقباط علناً وفي وضح النهار يذبحونهم أو يقتلونهم وهم في كنائسهم يصلون وإذ بإنسان يفجر نفسه أنتقاماً منهم دون ذنب ارتكبوه غير التحدث بقلوب مؤمنة الى الرب الإله الذي علمهم المحبة لا الكره وقتل الأبرياء رجالاً كانوا أو نساء أو أطفال صغار؟
لقد فاض الكيل ولا حياة لمن تنادي.
هل من مجيب؟
هل من يستطيع أنقاذ العالم من شر الإنسان الذي تحول الى وحش كاسر يقتل الكبار والصغار رجالاً كانوا أو نساء؟

شاهد أيضاً

الموالد الدينية و أرباب البيزنس

بقلم / محفوظ مكسيموس عندما تسيطر الشيزفرونيا علي عقول رجال الأمن و رجال الدين تتجلي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *