الجمعة , يناير 7 2022
أمل فرج

“فتاة الفانوس”

بقلم/ أمل فرج
يسير” رامز” بسيارته في طريق مزدحم، عوادم السيارات تعكر بدخانها نسمات الهواء الحار في ظهيرة صيفية خانقة ،وأخيرا إنفراجة قصيرة ، تجعله ينطلق بسرعة لا تلائم لحظات الفرج القصيرة ، ولكنها طاقة الغيظ من الحظ العثر ، يرتطم فجأة بمؤخرة السيارة التي أمامه ، بعد أن فشل في السيطرة على “الفرامل” في الوقت المناسب ؛ لتخرج فتاة غاضبة من السيارة التي ارتطم بها، وقد ألقت نظرة فحص على مؤخرة سيارتها وقد وقع “فانوس” السيارة ، قالت له باختناق : ” ايه اللي انت عملته ده ؟حد يمشي كده في طريق زي ده ؟” نزل “رامز” من سيارته معتذرا ، لم تجد الفتاة طائلا من التوبيخ ، وقد فضلت العودة سريعا إلى سيارتها وسط وابل من إنذارات السيارات في الطريق ، كذلك عاد هو إلى سيارته ، ولكن لم يعد لنفس الحالة التي كان عليها قبل لحظات ، وعلى غير الطبيعي في مثل هذه الأجواء ، فقد أصبح ” رامز” أكثر هدوءا ، لم يشعر بملل النصف ساعة التي قضاها في نفس الطريق المتعثر بعد هذا الموقف ، لم يشعر أيضا أنه قد خرج من الطريق أصلا ، كل ما كان يشعر به هو أن يتتبع هذه الفتاة ، ربما أيضا كان يتتبعها دون أن يشعر ، هي فتاة عادية ، لا يخرق جمالها العقول ، ولكنه شيء ما يسلب الإرادة من الإنسان أحيانا ..إرادة تجعله ينجح في سباق السيارات التي قد تحجب عنه فتاة “الفانوس” ، حتى وصلت الفتاة واستقرت بسيارتها في المكان المخصص لسيارات الشركة التي تعمل بها ، هكذا علم “رامز” من طاقم الأمن الخاص بالشركة ، عاد إلى سيارته ، متأهبا للرحيل ، وفجأة توقف في لحظة شرود وهو يسأل نفسه :” أنا ايه اللي بعمله ده؟ هو احنا لسه في الستينات عشان أطارد واحدة بالطريقة دي ؟! وأنا ليه بعمل كده أصلا ?!
سار “رامز” وهو يتصنع التجاهل ، ويحاول إقناع نفسه أنه رجل ناضج وعليه العودة إلى وقاره ، ظل يحدث نفسه بأنه لا يبالي بأمر الفتاة ، وما هو إلا الفضول ، إنها مجرد فتاة عادية صرخت ثأرا لسيارتها ، أي جاذبية في هذا ؟! ولكن ظلت ذاكرته تلح عليه بهذا المشهد البسيط ، الذي ألقت عليه نفسه من الجمال ما ليس فيه ، إنها أحد أسرار النفوس التي لا يعلمها إلا خالقها .. شيئ ما قلق في نفسه ، شيئ ما يراوده بالعودة ، وشيئ آخر يطلب منه التعقل ، ولكنه في النهاية يضرب بالعقل عرض الحائط ، ويعود “رامز” مسرعا إلى فتاته قبل أن تغادر المكان ، وصل “رامز” واستقر بسيارته أسفل المبنى ؛ مراقبا ظهور “غادة” ، فتاة “الفانوس” ، وما أن خرجت برفقة صديقاتها حتى نزل هو من سيارته مستأذنا بالحديث إليها ليعرض عليها إصلاح ما أفسد في سيارتها ، شكرته الفتاة وغادرته دون مبالاة تلفت انتباهها حتى إلى أنه كان بانتظارها ، وظلت نفسه تراوده أن يطلب منها الجلوس للحديث قليلا ، ولكنه يخشى أن تسيئ فهمه ؛ فتحذره ، اتجه مسرعا نحو إحدى الصديقات التي كانت برفقة “غادة” وصارحها بالأمر ، وطلب منها المساعدة في ذلك ، ولكن يبدو أن “دعاء” هذه الصديقة كانت ككثير من بنات هذا الجيل ، جعلها الموقف تحمل الغيرة غير المبررة ، وراحت تنقل لغادة الأمر على غير ما يحتمل ؛ لتملأها منه ريبة ونفورا ، لم تهتم “غادة”ـ على أية حال ـ بما قالت “دعاء” ولم تكن بحاجة لمن يثير حفيظتها تجاه الرجل ؛ فهذا الزمان لا يحمل لنا كثيرا من الأمان ، لقد كانت “غادة” حريصة بما يكفي .. وفي اليوم التالي كانت تستعد “غادة” لرحلة كل يوم إلى العمل، وقبل مغادرتها المنزل ارتابها نفس الرجل الذي رأته من شرفة غرفتها وهي تغلقها قبل مغادرة الغرفة ، كان يقف أمام سيارته منتظرا ، حادثتها نفسها في قلق :” ايه اللي جابه هنا ، عرف بيتي ازاي؟ ده بيراقبني بقى ! ” ، أسرعت “غادة” في خوف تنادي والدها ، وتخبره بما كان ؛ فصاحبها والدها إلى أسفل ، ورمق الرجل بنظرة حادة ، فهم منها “رامز” ما جرى ، شعر بالخزي ، وراح يحدث نفسه في طريق عودته :” شايف تصرفاتك المراهقة وصلتك لإيه ؟ واحد زيي في مركزي ووضعي يتبص له كده ؟! اتلم بقى وارجع لعقلك وشغلك ..” انصرف “رامز” وقد عاد بالفعل إلى عمله ، ولكنه لم يعد إلى عقله ؛ فلازالت القوة الخفية تجذبه نحو فتاته ، حار في أمر نفسه سائلا لها ليل نهار :” اشمعنى البنت دي ، مع إني كل يوم بتعامل مع بنات أحلى منها ؟! إيه اللي شدني ليها كده؟! حادثته رجولته بأنه ليس كما تظن الفتاة وأبوها ، وأن عليه أن يتقدم لخطبتها ؛ طالما وجد كل هذه الجاذبية نحوها ، وأخيرا قرر “رامز” أن يتحدث إلى والد الفتاة بشأن خطبتها ، هذا هو السبيل الوحيد لتطمئن الفتاة لسماعه ، وفي مساء اليوم التالي ذهب “رامز” إلى منزل الفتاة ، وسأل البواب عنها إن كانت مخطوبة ، أخبره البواب بغير ذلك ، فرح “رامز” وصعد إلى الطابق الخامس ـ كما أخبره البواب ـ استقبل الأب الرجل في حذر وترقب ، وبعد التحية طلب “رامز” من والد الفتاة بعض الوقت لسماعه ، استقبله الأب ولازالت ملامح الترقب والحذر على وجهه ، عرّف “رامز” نفسه ، ودونما مقدمات عرض على الأب رغبته في خطبة ابنته ، هدأ تحفز الأب قليلا ، ولازال قلبه يريد أن يطمئن لهذا الرجل، وهذه الخطبة في هذه الأجواء الغامضة ، عرض الأب الأمر على ابنته ، فوجئت الفتاة بعرض غير متوقع ، بل على خلاف ما كانت تظن ، في لمح البصر تغيرت نظرتها للرجل ، ليس حبا ، ولا حتى إعجابا، ولكنه الأمان والاطمئنان ، بدأت تتذكر كل محاولات الشاب في الوصول إليها ، وقد أصبحت ذات معنى وإحساس مختلف لديها ، راحت تنظر إليه في خيالها نظرة مختلفة وكأنها لأول مرة تلتقي به ، طلبت الفتاة وقتا للتريث والسؤال ، بعدما اطمأنت لملامح الصدق في وجه وهي تحادثه ، و قد تم تحديد موعد للقاء الأسرتين ، بعد أن اطمأن الأب في سؤاله عن “رامز” خلال عدة أيام مضت ، مضت الأيام وقد نمت مشاعر صادقة بين “رامز” و”غادة” ، ليعيشا سويا خمسة عشر عاما في زواج هانئ ، أثمر عن طفلين ، هما الآن على مشارف الشباب ، تفانت “غادة” في أن تكون زوجة عصرية محبة كما يحب زوجها أن تكون ، صمدت معه أمام رياح صيفية عصفت بها الحياة على عشهما الهادئ، دون أن تشكو أو تتذمر ، لم تندم لحظة في استجابتها لطلب زوجها في ترك عملها والتفرغ لأسرتها ، كانت تغفوبعيدا عن الواقع كلما نظرت إلى زوجها وهو يغفو في نوم عميق ، مبحرة بذاكرتها لتلك الرحلة التي كان يسعى فيها زوجها للفوز بها ، هي رحلة تدعوها فيها ذكرياتها للابتسام في حنان أمام ملامحه الهادئة في سبات عميق، رنّ هاتف “رامز” ولكنه لم يستيقظ ، ألح الهاتف في الاتصال ، خشيت “غادة” أن يقلق هاتفه راحة نومه ؛ فأخذت الهاتف لتضعه خارج الغرفة ، رن الهاتف مجددا وهي تحمله ، لفت انتباهها أن الرقم الملح هو خاص بامرأة كما أظهرت الخدمة الخاصة على جهاز زوجها ، ردت “غادة” ، وقبل أن ترد بادرت المتصلة بالكلام وهي تقول :” انت فين يا حبيبي كل ده ؟” ، أجابت “غادة” في شرود :” مين حضرتك؟!” ، أجابت المتصلة في قلق واضح :” معلش ، اتصلت غلط ” وأغلقت سريعا دون أن تسمح بمزيد من فضول الزوجة ، وقفت “غادة ” لا تنطق ، ولا تسمع ، ولا ترى ، ولا تتحرك ، جلست دون شعور ، وكأن السقف قد ارتطم برأسها ، آثرت الصمت على الانسياق وراء الغضب حتى تستقرعلى رد فعل حكيم ، لم تتحدث مع زوجها بكلمة واحدة عن هذه المكالمة ، مر يومان و”رامز” ينتظر أي مردود لزوجته عما سمعت ، ظل يحاصره الفضول ليعرف ما يسيطر على عقلها ونفسها نحوه ، راح يبرر لها تلك المكالمة ودون أن تسأله وهويقول :” البنت اللي ردت عليكِ دي السكرتيرة بتاعتي ، كانت غلطانة في الرقم وبتحاول توصل لابنها لإنه اتأخر برة” .. لم يتلقَ تعليقا منها على كلامه الذي كانت تعلم أنه محض اختلاق .. مرت الأيام وهي مشلولة الفكر عن تصرف حكيم تواجه به مأزقها ، وفي ذات ليلة وهي تجلس بشرود ولا مبالاة تتابع صفحتها على ” الفيسبوك” خطر لها أن تبحث عن صفحة هذه الفتاة بنفس الاسم الذي ظهر لها في هاتف زوجها ، ظهرت لها صفحة الفتاة ، ولكنها لم تفصح لها عن هويتها تماما ؛ فقد كانت الصورة الخاصة بصفحتها لطفل صغير، ولكن قد تأكدت غادة منها حين لاحظت في بيانات الفتاة أنها تعمل بمكتب زوجها ، غير أنه صديق مشترك بينهما ، تمكن منها الغيظ ، الذي راح يقتلها شيئا فشيئا دون أن تنفس عنه بكلمة .. قررت أن تتحين الفرصة للانفراد بهاتف زوجها ؛ فلابد أن تحصل من خلاله على دليل قاطع تواجه به زوجها ، دون أن يملك التبرير ، بالفعل كان لها ما أرادت ، ولكنه كان أكثر حرصا؛ فقد غير كلمة السر لفتح هاتفه، ولكن الأنثى لا تعترف أبدا بالراية البيضاء في مثل هذه المواقف، راحت “غادة” تترقب كل أحوال زوجها ، وتتابع مكالماته ، وتفتش في قصاصات أوراقه ، فقدت كثيرا من اتزان حياتها وهدوئها ، أصبحت أكثر عصبية ، أهملت كثيراما كانت تعتني به؛ فقد كانت تنظر لزوجها أنه عالمها الذي تعيشه وحدها بصحبة ابنيها ، ولكنها الآن تشعر أن هناك من يحاول أن يسرق منها غطاء الدفء والأمان ، طال بها الوقت ولم تنجح في العثور على ما تؤكد به هواجسها، لم تشك للحظة في أن ما تشعر به أوهام وخيالات ؛ فحدس المرأة في هذه الظروف يقين .. في ذات صباح ذهب “رامز” إلى عمله في عجلة من أمره ؛ فقد تأخر كثيرا على اجتماعه بموظفيه ، لاحظت “غادة” أنه على وشك أن ينسى هاتفه ، ولم تتورع أن تعمل على إرباكه وتذكيره بتقديس العمل ومواعيده ، وما أن انطلق “رامز” بسيارته حتى نزلت هي فورا وهي تحمل هاتفه لأي مركز خاص بأجهزة المحمول لفك شفرة الهاتف ، وبالفعل كان لها ما أرادت ، صعدت إلى منزلها ، فتحت صفحة زوجها على “الفيسبوك”دون أن تلتقط أنفاسها ، راحت تطالع رسائله في أول مهمة للبحث ، ولم تبحث “غادة” طويلا ؛ فقد كانت رسالة ” دعاء تتصدر الرسائل ، ولكن هذه المرة كانت صورة صفحتها بصورتها الشخصية ، نعم إنها “دعاء” صديقة غادة في العمل التي طالما حذرت غادة من الاستماع لزوجها حين كان متيما بها ، لاهثا للارتباط بها ، لم تتمالك الزوجة المكلومة دموعها وهي تمسك بالحجة التي لا إنكار لها على خيانة زوجها وهي تقرأ هذه الحوار : ” دعاء”: انت هتبات عندك النهاردة ؟
“رامز”: أيوه يا حبيبتي
“دعاء”: مش انت قولتلي انك جي النهارده ؟
“رامز”: معلش يا روحي نسيت ان “عمر” ابني عنده استشارة
عند الدكتور النهارده
“دعاء” : طيب هستناك بكرة، وما تنساش تجيب معاك لعبة لدودو ،
بيسأل عليك وبيقول عاوز بابي يجيبلي لعبة …
ترى أكانت هذه لعبة القدرفي حياة “غادة” ، أم هل جهلت “غادة” أصول اللعب؛ فرغم حب زوجها لها وسعادته التيى كان يعترف بها إلا أنه لم يكن وفيا لها ، إذا ألا يعترف الرجال بقانون الوفاء؟!
، هل عليها أن تكسر لعبتها وتنتقل إلى لعبة جديدة ؟ وهل يتعامل الأزواج مع الزواج وزوجاتهم بمنطلق اللعب ؟! أم أنه حق الرجل أن يلعب كيف يشاء ؟!
ترى كيف ستتصرف “غادة” في ظل هذا المجتمع الذكوري الذي لن يعترف كثيرا بحقها في كسر لعبتها البالية ، هل تبقى مع الزوج الخائن لتربية ولديها ـ كما يطالبهاـ المجتمع الذكوري المتعجرف في كثير من الأحيان ، أم تفر بما تبقى لها من كرامة وأشلاء ؟ هل يتوقع الرجل أن تقبل المرأة أن يفاجأها زوجها بأخرى في حياته ؟! إذا فعلى الرجل أن يتقبل فكرة ان تتمرد الزوجة فجاة على زوجها ،وتعلن مللها منه ورغبتها في الزواج من آخر .. وإلا فعلى الرجل أن يكون أكثر إنصافا ورحمة ، وليستشعر للحظة بما تشعر به هؤلاء النساء المكلومات ..
وعلى صعيد ليس ببعيد ، لماذا يقع الرجل فريسة لامرأة أخرى وهو الذي قد يكون حارب من أجل الحصول على الأولى ولم يكن سعيه مجرد رحلة غرامية ، كما كان مع رامز ، وقد يكون يعيش معها سعيدا كما عاش رامز وغادة ، هل الرجل بطبعه بحجم كل هذا الضعف أمام النساء عموما ، هل خلق الرجل منقادا لغرائزه ، حتى أنها تتحكم في قراراته وتكتب مصائره ؟! وعلى جانب آخر ، لماذا لا يتعجب المجتمع من مراهقة الرجل في جميع مراحل حياته ؟! لماذا لا يجرمه أمام قراراته التي تشرد الأسر وتدمي القلوب ؟! لماذا يغفر للرجل جرائمه ، وتطالب المرأة بالخضوع ؟! في وجه كل أنثى أصرخ أن تفيق من وهم الرجل الشرقي والمجتمع الذكوري إن كان على هذه الشاكلة ، صدقيني عزيزتي حواء ، فالوحدة القاتلة خيروأطيب من زوج يلهث وراءكِ اليوم وينبح في وجهك غدا

شاهد أيضاً

نسرين جمعة

اشتقت لمصر

نسرين جمعة احنا كمان اشتقنا لها , من عشرات السنين ملايين المصريين تاهوا , مش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *