الإثنين , يناير 3 2022
أنطوانى ولسن

رؤية الذاكرة!

بقلم: أنطوني ولسن ـ سيدني، أستراليا
لا عجب أن أبدأ مقالات من الذاكرة؛ لأنها ستعيد الى القاريء ما قد نسيه، أو ما قد لا يعرف عنه شيئاً!
في يوم الأحد الموافق 15 فبراير ـ شباط الماضي، شاهدت على شاشة القناة الثانية بالتلفزيون الاسترالي، برنامجاًَ حوارياً، استضاف خمسة أشخاص: امرأتان، وثلاث رجال.. كل واحد من الخمسة ممثلا لدين من الأديان الخمسة المعروفة في العالم.
كان جلوسهم هكذا بالترتيب: امرأة مسيحية، ورجل بوذي، وامرأة مسلمة، وراباي يهودي، وأحد رجال الدين الهندوس.
خمس ديانات مختلفة في برنامج تلفزيوني يذاع على الهواء، ويشاهده الناس على مستوى أستراليا، وفي أجزاء كبيرة من الكرة الأرضية.
رحب المذيع بضيوفه، ثم بدأ في طرح أسئلته عليهم.. كان السؤال الأول عن الصواب والخطأ، ثم عن الأجهاض، ثم عن الحياة بعد الموت، ثم عن عودة الإنسان
الى الحياة مرة ومرات، ثم عن جهنم، أما السؤال الأخير، فكان: ماذا تعتقد سيحدث لك ساعة الموت شخصياً؟.
أجاب كل ضيف بدوره على كل سؤال طرح عليه، بحسب مايعتقده ويؤمن به من تعاليم ومفاهيم خاصة بدينه. نصف ساعة من الأراء لخمسة أديان مختلفة ومتعددة. نصف ساعة لم أرَ واحدا منهم يحاول أن يرفع صوته أعلى من الآخر، أو
يثبت أن رأيه هو الأصح، وما عاداه من اراء أخرى فهي خطأ. نصف ساعة لم أشاهد أياً من الخمسة يحاول أن يقلل من شأن الآخر أو يطعن في عقيدته وإيمانياته!
كعادتي التي لا أعرف لماذا تلازمني ولا تريد أن تتركني، وجدت نفسي ناقلاً البرنامج برمته الى بلادنا الأم.
بدأت أتخيٌل السيناريو، راسماً الحركة والكلمة التي سيتحرك بها كل شخص سيظهر في مثل هذا البرنامج.
بالطبع في بلادنا لا نعترف بالبوذية، ولا بالهندوسية، ولا يمكن تمثيل الديانة اليهودية. وسنسمح بكرم من الحكومة أو من المشرفين على الإعلام الموجه، بظهور من يمثل الأقليات. تخيلت في لبنان مثلاً: مارونياً وأرثوذكسياً وسنياً وعلوياً وشيعياَ ودرزياً. ولن اقول مثلاً تخيلت من بينهم أمرأة مسلمة وغير محجبة كما ظهرت السيدة وفيه عمر في التلفزيون الأسترالي.
أما في مصر، فلا توجد سوى ديانتان: أحداهما هي الديانة الإسلامية ذات المذهب السني وأقلية شيعية، والدين الآخر هو المسيحية، بطوائفها الثلاث الرئيسية: الأرثوذكسية، والكاثوليكية، والبروتستانتية. وبلا شك لن يستضيف مقدم البرنامج غير احد أبناء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية!
لايمكنني التمادي في الانتقال من بلد إلى اخر من بلادنا العربية بلا جدوى؛ لأنه وببساطة لن توافق هذه البلدان على السماح لأي إنسان بابداء رأيه في أي مسألة
دينية؛ إما لأن هذا البلد لا يعترف بأي دين آخر غير الدين الذي تؤمن به الحكومة، ولا بمذهب أخر غير الذي يؤمن به الحاكم!
إذن فكرة أخذ الأراء لديانات متعددة في مثل تلك البلاد ممنوع. أما بالنسبة للبلاد التي قد توافق، فانني اجزم بما سوف اشاهده من محاولة كل من الموجودين أثبات وجوده، وأنه بما يتبع من دين أو مذهب أو عقيدة على حق وغيره على باطل، ومن تدخل المذيع أو المذيعة بصوت أعلى من الجميع؛ لأثبات المعرفة والمقدرة على فهم كل شيء!
واجدني أقول، بعد الكثير من الأسف والحوقلة: ان المسافة بين التلفزيون الأسترالي وضيوفه، والتلفزيون العربي وضيوفه، هي كالمسافة بين الأرض وأقرب نجم!

شاهد أيضاً

أنا عربي حتى لو غادرتْ العربَ عروبتُهم!

في عصور الانحدار يثرثر الناس عن حيرة الهوية، ويتخبطون في تاريخهم، وينزلقون من جغرافيتهم، ويُخرجون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *