الإثنين , سبتمبر 16 2019
الرئيسية / مقالات واراء / صناعة ومنهج علم الجهل..
عبد اللطيف مشرف

صناعة ومنهج علم الجهل..

بقلم : عبداللطيف مشرف- باحث وأكاديمى مصرى ـ 

إن تشويش الحقائق وخلق الجهل المتعمد هي وسيلة مهمة فى السابق كما هو الحال اليوم في عالمنا العربي، وكم نعاني من ذلك، في عام 1979، كشفت مذكرة سرية عن صناعة التبغ للجمهور عن مقترح حول التدخين والصحة، كُتب من قبل شركة براون ويليامسون للتبغ، والتي كشفت تكتيكات شركات التبغ الكبرى المستخدمة لمواجهة “القوى المعادية للسيجارة”.
أحد أكثر هذه المقاطع دلالة في كيفية تسويق السجائر للجمهور والواردة في المذكرة تقول : “إن منتجنا هو الشك لأنه هو أفضل وسيلة للتنافس مع الحقيقة الكائنة في ذهن الجمهور، بل هو أيضا وسيلة لإقامة الجدل “.
استاء روبرت بروكتر، وهو مؤرخ العلوم من جامعة ستانفورد من هذا الإكتشاف، و بدأ الخوض في ممارسات شركات التبغ، وكيف أنها قد نشرت البلبلة والتشويش حول ما إذا كان التدخين يسبب السرطان. وجد بروكتر أن شركات السجائر لا تريد أن يكتشف المستهلك معرفة أضرار منتجاتها، وأنها أنفقت المليارات للتعتيم على حقائق الآثار الصحية للتدخين.
هذا البحث أدى به إلى إختراع كلمة لدراسة الانتشار المتعمد للجهل وهي ( agnotology ) أي دراسة الجهل الناجم خاصة عن نشر بيانات علمية غير دقيقة أو مضللة.
جهل العرب بالغرب، تعزز وعزز جهل الغرب بالعرب. فكلا الطرفين تعاون لينتج صورة كاذبة ومشوهة عن الآخر. فخلال القرنين التاسع عشر والعشرين، تمتعت نخبة الطرفين، ببيع الأكاذيب عن الآخر. وربما يؤرخ للقرن الحادي والعشرين، بأنه عصر التنوير الحقيقي. تنوير العرب بحقيقة الغرب، وتنوير الغرب بحقيقة العرب. ففرص الصدام الراهنة لا يمكن تلافيها دون اشتباك حضاري فعال، ولا يمكن بناء هذا الاشتباك على الكذب والوهم المضاد.

ويؤكد هذا الكلام بدليل وبالأحداث الواقعية، تلك الحدث والموقف الذى حدث مع دكتور عربي كان يدرس في أمريكا.

د. عبدالرزاق بني هاني- علم الجهل يتحدث قائلا : عندما كنت طالباً في مرحلة البكالوريوس سمعت من استاذي في مساق التاريخ، (وكان اسمه جون سويني)، رأياً لم استوعبه ولم أصدقه آنذاك عن علم الجهل، وعن تخصص فرعي في التاريخ اطلق عليه (psycho-history)، أي التاريخ النفسي، وكان ذلك في العام ١٩٧٦ !!! فكنت كثيراً ما أردد في نفسي مقولة ” هل هناك علم أسمه علم الجهل والتجهيل، مثلما يوجد علم اسمه الفيزياء أو ما شابه ؟ وكيف للعلم أن يكون مُجهلاً؟ …
وبقيت على رأيي هذا إلى أن أخبرني صديق لي،أمريكي يعمل في مؤسسة راند البحثية Rand Corporation، بأن هناك مؤسساتٍ، تابعة لحكومات دولٍ عُظْمَى، ومنها حكومة الولايات المتحدة، متخصصة في هندسة الجهل وصناعته وتغليفه بأرقى الأشكال، ثم تسويقه على نطاقٍ واسع …
من هم مستهلكو سلعة الجهل، حسب رأي صديقي ؟
قال هم ثلاث فئات في كل مجتمع:
1 ) الفقراء في المجتمع، وجلهم من الأقليات الاجتماعية والدينية وعمال البلديات، وفقراء المناطق النائية وفقراء الريف، وعمال المزارع، وما شابه هذه التصنيفات. لكن الفاجعة التي ألمت بي كانت شمول معلمي المدارس وأساتذة الجامعات في الفئة المستهدفة من هذه السلعة الملعونة. وحسبما أخبرني به، فقد تصل نسبة هذه الفئات كلها في الولايات المتحدة لوحدها إلى ٩٠٪‏ من حجم السكان، وكان جنود القتال الأمريكيان مشمولين في هذه الفئة …

2 ) المتدينون الذين يؤمنون بالقدرية، فهم مستسلمون للقدر الذي يظنوا به أنه لا يتغير، وعلى عاتقهم تقع مسؤولية تجهيل أكبر عدد ممكن من الناس الذين لديهم ميول دينية …
3 ) المغفلون الذين يعملون في الحكومات، وعلى وجه الخصوص حكومات الدول الفقيرة، وبالتحديد فئة التكنوقراط (الفنيين) الذين يقدمون النصح والمشورة لمتخذي القرار في دولهم. فيتم تدريب هؤلاء على تمرير الجهل وتبريره تحت مسمى النظرية والعلم والإمكانيات والموارد، ويأتي في مقدمتهم المعنيون بالشأن السياسي و الاقتصادي، إذ تنحصر مهامهم في بث روح اليأس في نفس صاحب القرار من إمكانية الإصلاح … وممارسة الكذب والكذب والكذب على عامة الناس وترسيخ الأكاذيب في أذهان العامة على أنها حقائق لابد أن يدافعوا عنها …
من جملة ما اخبرني به صديقي، وكان من أخطر ما قاله، بأن بث العداوة بين الأشقاء يندرج تحت صناعة وتسويق الجهل، وهو ما اجتهد به صانعو الجهل منذ العام 1906، فقلت ألهذا التاريخ يعود تطور هذا العلم ؟ فقال نعم ، منذ مؤتمر هنري كامبل بانيرمان Henry Campbell Bannerman، والذي انعقد في لندن ودام لشهرٍ كامل، وتم فيه رسم السياسة المتعلقة بالمنطقة العربية، قبيل انهيار الدولة العثمانية، ومن تلك السياسات أن تطلُبَ الدولة العربية تأشيرة دخول للمواطن العربي الذي كان من التبعية العثمانية، ويعيش على بعد أمتارٍ معدودة من حدودٍ رسمها ساسة المؤتمر.. كان أحد وزراءه اسمه ريتشارد هالدين قد قال متهكماً على حديث نبيكم ” الأردن أرض الحشد والرباط” … “سأجعل من الأردن شعوباً متناحرة!!”

شاهد أيضاً

نوفرى شاى

منذ عدة سنوات كان لي حديث مع سفير مصري سابق لكندا عن اضطهاد الأقباط في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *