الأحد , أكتوبر 21 2018
الرئيسية / مقالات واراء / العدالة الغائبة
مروة عيسى

العدالة الغائبة

بقلم / مروة عيسى

لما كان البشر خلقوا جميعًا في الأصل سواسية،فلا يمكن هدم تلك المساواة فيما بينهم إلا بفعل الظروف اللاحقة، فما لحق بالعالم أجمع من ظلم وكراهية وبغضاء كان أساس هذا التمايز والاختلاف. ولا أقصد في هذا المقام الاختلاف الطبيعي كالاختلاف بين الذكر والأنثى ،ولكن ما أعنيه هو التباين الطبقي. فإذا أمعنا النظر فيما حولنا سنجد أن كل المجتمعات والشعوب يوجد بها تباينات طبقية؛فهناك الغني والفقير. ولم يقتصر الأمر على هذا الحد فقط بل تغلغل ليشمل الدول جمعاء فأصبح هناك الدول المتقدمة والدول النامية أي المتخلفة .
ومن الطبيعي بعد هذا التصنيف الوضعي أن تغدو الدول المتقدمة هي التي تملك دائمًا مصادر القوة الاقتصادية والعسكرية. أما الدول النامية هي دول فقيرة متخلفة لا تملك تلك الآليات العسكرية والتكنولوجية.
ولم يتوقف ذلك التصنيف الوضعي على هذا الأمر بل تعدى إلى ما هو أكثر من ذلك فالدول المتقدمة تريد أن تهيمن على الدول الفقيرة واستغلالها بشتى الطرق سواء الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية إذا تطلب الأمر ذلك . فالغني يزداد غنى والفقير يزداد فقرًا وكأن هذه قاعدة أصبح مُسلم بها في العالم أجمع.
وهنا أتسأل ما هو أساس هذا التصنيف المقيت؟ أليس لي أن أتعجب من هذه العنصرية المقنعة؟! ألم يخلقنا الله أحرارًا؟
وإذا أردنا الإجابة على تلك التساؤلات لابد من الرجوع إلى كيفية نشوء الدولة؟ في الحقيقة لقد تعددت النظريات التي تفسر نشأة الدولة . فبعضها يرجع نشاة الدولة إلى مغزى دينى وقد أرجع أنصار هذه النظرية أصل نشأة الدولة وظهور السلطة إلى الله، وعليه فأنهم يطالبون بتقديسها لكونها من صنعه وحق من حقوقه يمنحها لمن يشاء، فالحاكم يستمد سلطته وفقا لهذه النظرية من الله. والبعض الآخر أرجها إلى مغزى طبيعي كالوراثة التي ترجع أصل نشأة الدولة إلى النظم الإقطاعية التي تقضي حق ملكية الأرض وهو حق طبيعي ، يعطي لمالكي الأرض حق ملكية كل ما عليها وحكم الناس الذين يعيشون عليها والذين عليهم طاعة الملاك والرضوخ لسلطتهم ، فالدولة إذن وجدت نتيجة حق ملكية الأرض ومن أجل خدمة الإقطاعيين، لذا كانت تهدف إلى تبرير النظام الإقطاعي. وغير ذلك من النظريات الطبيعية كالنظرية التي أطلق عليها النظرية العنصرية وهي التي ترى أن الأفراد لا يخلقون متساوون ، بل هناك فئتين : فئة تحب السلطة والزعامة ، ولها جميع المزايا التي تمكنها وتأهلها لذلك بطبيعتها ، وفئة تميل إلى الخضوع والانصياع بطبيعتها أيضا ، ولذا فان العوامل النفسية الطبيعية هي التي تتحكم في ذلك .
وهناك من يعزي أصل نشوء الدولة إلى البعد الاجتماعي القائل بنظرية تغلب القوى أو كما أسميها شريعة الغاب. حيث أن القانون الطبيعي يعني البقاء للأقوى؛ وحيث إن القوى البشرية في صراعٍ دائمٍ , وهذا الصراع يُسفر دائمًا عن منتصر ومهزوم، والمنتصر يفرض إرادته على المهزوم , والمنتصر النهائي يفرض إرادته على الجميع, فيتولى بذلك الأمر والنهي في الجماعة, ويكون بمثابة السلطة الحاكمة. فتنشأ بذلك الدولة مكتملة الأركان.
إلا أنني أرى أن نشوء الدولة لم يرجع إلى عامل واحد بل عدة عوامل متحدة مثل القوة والدهاء والحكمة والدين والمال والشعور بالمصالح المشتركة التي تربط أفراد الجماعة بعضهم ببعض ، فالدولة إذن هي ظاهرة اجتماعية نشأت بدافع تحقيق احتياجات الأفراد شأنها شأن الظواهر الأخرى.

نشأت الدولة وياليتها لم تنشأ فقد نشأت على العدالة الغائبة التي ظلت غائبة حتى وقتنا هذا . العدالة الغائبة في الأرض . العدالة الغائبة بين الدول الفقيرة والمتقدمة. وتفشي الانتهازية واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان في المجتمع الواحد بل في كنف الأسرة الواحدة. العدالة التي ظللنا نحلم ونتغنى بها فجأة اكتشفنا أنها غائبة بل فاقدة للوعي. ألم يحن الوقت أن يعيش بني البشر جمعاء في عدالة إلهية على الأرض؟!. نأمل ونحلم وننتظر أن نعيش يومًا في ظل تلك العدالة التي ننشودها.

شاهد أيضاً

حينما يكون الطبيب إنساناً فأنه الدكتور جمال شعبان .

   بقلم : ناصر عدلى ليس من الصعوبة أن تصبح  محاسباً أو صحفياً ً أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *