الأحد , نوفمبر 28 2021
صلاح عبد السميع عبد الرازق

تطوير التعليم فى مصر بين الوهم والحقيقة ( 1 )

الدكتور / صلاح عبد السميع
التطوير يعنى التحسين ويحمل فى طياته الشمولية والموضوعية ، والتطوير يعني : التغيير أو التحويل من طور إلى طور .و تعني كلمة تطور ” تحول من طوره ” تعني كلمة ” التطور” التغير التدريجي الذي يحدث في بنية الكائنات الحية وسلوكها .ويطلق أيضاً على ” التغير التدريجي الذي يحدث في تركيب المجتمع أو العلاقات أوالنظم أوالقيم السائدة فيه “.التطوير اصطلاحاً هو: التحسين وصولاً إلى تحقيق الأهداف المرجوة بصورة أكثر كفاءة .
وتطوير العملية التربوية يقصد به تحسينها وصولاً إلى تحقيق الأهداف التربوية المنشودة بصورة أكثر كفاءة “
ومن المؤكد أن هناك فرق بين التطوير والتغييير ، حيث يكون التغيير الى الأسوا أو الأفضل بينما التطوير يكون غالبا نحو الأفضل ، والتغيير يكون جزئى بينما التطوير يتصف بالشمولية ، كذلك فإن التغيير قد يتم في بعض الأحيان بإرادة الإنسان وقد يتم في أحيان أخرى بدون إرادة الإنسان ، بينما التطوير لا يتم إلا بإرادة الإنسان ورغبته الصادقة ؛ فإذا لم تتكون الإرادة نحوه وتتوفر الرغبة فيه فلا يمكن له أن يرى النور ، أو يظهر إلى حيز الوجود .
وتبقى الاشارة الى الفرق بين البناء والتطوير ، حيث ان البناء يبدأ من الصفر ، بينما التطوير فإنه يبدأ من شيء قائم وموجود فعلاً ، و لكن يراد الوصول به إلى أحسن وأسمى صورة ممكنة.
على ضوء ما سبق من توضيح لمفهوم التطوير والفرق بينه وبين مفاهيم اخرى مثل التغيير والبناء نود أن نتناول بالتحليل ما يثار حاليا حول تطوير المناهج فى مصر والعالم العربى ، وأن هناك خطة لتطوير التعليم سوف يتم تفعيلها مع بداية العام القادم 2018 .
ولقد أشار وزير التربية والتعليم الى ان النظام الجديد للتعليم سوف يطبق بداية من العام المقبل علي الأطفال بمرحلة رياض الاطفال Kg1 و Kg2 ، ثم مرحلة التعليم الثانوى من الصف الأول الثانوى .
وحسب التقرير المقدم من وزير التعليم للرئاسة والحكومة والبنك الدولي، فإن الهدف الأهم من النظام الجديد للتعليم، إلغاء الحفظ والتلقين والإجابات النموذجية والدروس الخصوصية، والاعتماد على الفهم والتحليل والبحث والابتكار، بشكل يجعل من الطالب “مفكر وباحث”، ويجعل من المعلم “موجه ومساعد وناصح لهذا الباحث”، وتكون التكنولوجيا وحدها وليس المعلم المصدر الأساسي للمعلومة.
ونود أن نشير الى مجموعة من النقاط الرئيسة التى تضمنها المشروع الذى تقدم بع وزير التعليم بشأن التطوير المزمع تنفيذه مع بداية العام الدراسي سبتمبر 2018 وهى على النحو التالى :
1- مناهج جديدة لرياض الأطفال من العام الدراسي المقبل (سبتمبر 2018) على أن تغيير مناهج باقي الصفوف تباعا.
2- التغيير في كل الصفوف الدراسية يشمل “المناهج وطريقة التدريس والتقييم وشكل اﻻمتحانات والتصحيح”.
3- زيادة التركيز على تدريب معلمي رياض الأطفال باعتبارهم من يؤسسوا لطفل متعلم على أحدث الطرق الدولية.
4- تخفيف المناهج بالنسبة للصفوف الابتدائية والإعدادية لحين تغييرها بالكامل.
5- تطوير المعلمين بالمرحلتين الابتدائية والثانوية على النظام الجديد في التقييم والتعليم والمناهج وطريقة التدريس.
6- تعتمد الثانوية التراكمية على تغيير معايير التقييم والامتحانات وفسلفة التعلم.
7- الطالب فى منظومة الثانوية الجديدة سوف يخوض 12 امتحانا على مدار الـ 3 سنوات.
8- سوف يكون الـ12 امتحانا في كل مادة، بمعني أنه سوف يمتحن كل المواد 12 مرة.
9- سوف يتم احتساب درجات الطالب في أعلى 6 امتحانات بحيث تكون أمامه أكثر من فرصة للتعويض.
10- نظام الثانوية العامة الجديد لن يطبق على المدارس الدولية.
11- تطبيق النظام الجديد في الثانوية العامة ابتداء من شهر سبتمبر 2018.
12- تسليم جميع طلاب الثانوية العامة أجهزة تابلت محمّل عليها المناهج.
13- تسليم جميع معلمي المرحلة الثانوية أجهزة تابلت.
14- أجهزة التابلت سوف تسلم للمعلمين والطلاب مجانا.
15- توفير باقات إنترنت مجانية فائقة السرعة بالمدارس.
16- النظام الجديد للثانوية العامة يشترط عدم تخطي الطلاب نسبة الغياب المقررة قانونا.
17- المعلم هو من سوف يسجل غياب الطلاب إلكترونيا ويتحمل مسئولية أي تزوير أو مجاملة، ومن يتجاوز نسبة الغياب القانونية لن يدخل الامتحان.
18- امتحانات الثانوية العامة سوف تكون على مستوى المدرسة وليس على مستوى الجمهورية.
19- سوف يتم إرسال الأسئلة إلى الطالب مباشرة عن طريق الإنترنت للإجابة عليها وحفظ الإجابات بنظام معيّن.
20- سوف يكون هناك بنك مخصص للأسئلة، وجميع أسئلته متطابقة في درجة السهولة والصعوبة ومن خلال هذا البنك سوف تٌرسل الأسئلة للطالب إلكترونيا.
21- بنك الأسئلة مؤمن من أي اختراقات أو قرصنة.
22- لن يكون هناك وسيط بشري بين بنك الأسئلة والطلاب، فلا مجال للتسريب.
23- المعلمون سوف يشاركون في وضع بنوك الأسئلة، على أن يتم الاختيار من بينها بشكل عشوائي لكل مدرسة، بمعنى أن امتحانات الثانوية في المدارس ليست موحدة، لكنها متوحدة في درجة السهولة والصعوبة.
24- تطبيق هذا النظام على الصف الأول الثانوي من العام الدراسي الجديد، بمعنى أن طلبة الصف الثالث الإعدادي حاليا، هم أول من يطبق عليهم النظام الجديد.
25- الوزارة قررت اللجوء للتابلت في نظام التعليم الجديد لتوفير مصدر معرفي أكثر ثراء من الكتاب المدرسي التقليدي لجميع الطلاب بما فيهم الأغنياء والفقراء.
26- حسب كلام وزير التعليم، فإن الوزارة تهدف من التابلت إلى جذب الطلاب للمذاكرة بطريقة ممتعة.
27- حسب تعهدات الوزير: التابلت سيجعل منظومة الامتحانات أكثر أمانًا ونزاهة لأنه سيتم إرسال الامتحانات للطلاب بلا وسيط بشري.
28- الدولة ستؤمن على أجهزة التابلت من الضياع أو التلف ولن يتم استرجاعها من الطلاب مرة أخرى.
29- سيتم إلغاء نظام التقسيم لشعبتي علمي وأدبي في الثانوية العامة بعد 12 سنة من الآن مع وصول أول دفعة في نظام التعليم الجديد لمرحلة الثانوية العامة وليس الآن.
30- دراسة العلوم والرياضة بالإنجليزية تبدأ من المرحلة الإعدادية وسوف تكون باللغة العربية في المرحلة الابتدائية.
31- لا يوجد شيء اسمه درجات شفوية، ولن يتحكم المعلم في مصير الطالب.
32- تصحيح الامتحانات سوف يكون بشكل إلكتروني وسري عن طريق المعلمين.
33- النظام الجديد للثانوية العامة سوف يبدأ تطبيقه بالمناهج الحالية، إلى حين تغييرها.
34- سوف يبدأ تطبيق نظام الثانوية الجديد بـ”التابلت والكتاب” معا، حتى يتعود الطالب على التابلت فقط.
على ضوء ما سبق يمكن لنا أن نطرح مجموعة من التساؤلات بشان ما تم طرحة من قبل السيد وزير التعليم لكى نرى الى أى مدى يعتبر هذا الطرح تطوير لمنظومة التعليم .
أولا : هل من الأفضل أن يتم الاعلان عن فلسفة التطوير للتعليم بشكل عام أم يتم الاعلان عن تغيير المناهج ونظم الاختبارات لمرحلة بعينها أو مجموعة مراحل تعليمية فى آن واحد ؟
ثانيا: اليس من الأجدى أن يتم الاعلان عن مؤتمر قومى يتم من خلاله تقويم ما سبق من تجارب للوقوف على ايجابياتها وسلبياتها ، وكذلك دعوة المهتمين بالشأن التربوى والتعليمى والمجتمعى للمشاركة فى نقاش هادف حول قضايا التربية والتعليم فى مصر ؟
ثالثا : اين المعلم المصرى من تلك القرارات وأين نقابة المعلمين التى غابت وغيبت عن المشهد ، وهل من المنطق أن يقال بأن المنظومة سوف تطبق على مرحلة الروضة العام المقبل بينما معلمات الروضة فى ربوع الوطن لا يعلمون اى شيء عن طبيعة المنظومة المزمع تطبيقها ؟
رابعا : اذا كانت الوزارة ترغب فى تطوير مرحلة الروضة باعتبارها نقطة البداية ، اليس الأولى أن يكون التطوير للروضة بالمعنى الحقيقى من خلال اعداد مسبق لمعلمات الروضة ووفق برامج تدريبية تستهدف تطوير القدرات ، وتجهيز البيئة الفيزيقية للروضة والتى تسمح لطفل الروضة باللعب التربوى وومارسة الأنشطة بشكل فعال ، أين تصميم الروضة الذى يرقى الى مستوى التفعيل بعيدا عن التنظير أو الأحلام المفرطة التى لا ترقى للتطبيق فى ظل واقع الروضة الحالى ؟
خامسا: لماذا الحديث عن تطوير مرحلة التعليم الثانوى الآن ؟ اذا كانت الاجابة تتمثل فى التعلب على مشكلة الدروس الخصوصية ، فهل تضمن الوزارة للأولياء الأمور وللمجتمع أن يتم القضاء على الدروس الخصوصية وأن ينتظم الطلاب فى الدراسة وتعود المدرسة الى ممارسة أدوارها فى مرحلى التعليم الثانوى ؟ وفى حال فشل منظومة التطوير للمرحلة الثانوية هل يعنى ذلك الاقرار بفشل التجربة ؟ وهل امداد الطلاب بتابلت وضعت عليه المناهج ويمارس الطلاب التقويم من خلاله تعتبر تجربة جيدة ؟ أم من الأفضل تدريب الطلاب على ذلك من بداية المراحل التعليمية ؟ وأين معلمى التعليم الثانوى من منظومة التطوير المزمع تطبيقها عليهم ؟ هل معلم المرحلة الثانوية جاهز للتعامل مع المناهج الاليكترونية والتقويم الاليكترونى ؟
سادسا : ترى من سيقوم على اعداد مناهج الروضة وكذلك مناهج الصف الأول الثانوى باعتبارها مناهج جديدة ومطورة ؟
وزير التعليم أعلن انه سوف يتم ادراج المناهج الدراسية على التابلت ولا يجوز للمعلم ان يتدخل فى المقرر الدراسي ويبقى دوره فى التوجيه والاشاد فقط ، فمن اذا يتولى اعداد المقررات المزمع تطبيقها مع النظام الجديد ؟
سابعاً : الى متى سيبقى اسلوب الاقصاء شعارا يرفعه كل وزير يأتى الى الوزارة ، اقصاء ما قام به الآخر ، لماذا لا يتم البناء على ماسبق ؟ لماذا لا تتم محاسبة الجميع ؟ كل وزير يساهم فى نهضة المجتمع وتطوير التعليم يجب أن يكرم ، وكل وزير أساء الى التربية أو التعليم يجب أن يحاسب .
ثامنا : أين موقع الهوية والانتماء فى مناهج التعليم ؟ اين موقع المواد التى تربى الانتماء للوطن ؟ من حق المواطن والمجتمع أن يتعرفوا على آليات المقررات الجديدة فيما يخص طبيعة الأنشطة والمقررات التى تربى الانتماء وتؤصل للهوية بمعناها الكبير .
تاسعا: نظام التقويم فى منظومة التطوير المقترحة تركز على مهارات التفكير العليا وهذا امر مهم ومطلوب ، ولكن يرتبط بهذا تغيير منظومة التدريس وتطوير استراتيجيات تدريس من خلال اعداد وتدريب معلمين اكفاء يمتلكون تلك المهارة ، وعلى هذا فهى منظومة متكاملة تستوجب الانسجام بين ما يدرس من موضوعات ومحتوى وبين من يقوم على التدريس وهو المعلم الواعى الذى يميلك قدرات عالية ولديه وعى بطبيعة أدواره التربوية والأكاديمية والثقافية ، وهذا المعلم نحتاج اليه بقوة فى ظل التحديات التى نواجهها اليوم ، وفى ظل غياب الهوية والانتماء ، وفى ظل غلبة المصالح الفردية وانتشار عدوى الدروس الخصوصية ، وغياب التواجد المعنوى داخل المدارس من قبل الكثير من المعلمين ، وادعاء المدرسة أنها تؤدى دورها التربوى والتعليمى فى حين أنها غائبة بفعل فاعل ، ولهذا نحتاج الى استعادة دور المدرسة الحقيقى من خلال ادارة فعالة ومشاركة مجتمعية حقيقية ، ومقررات دراسية يقوم على اعدادها أبناء الوطن من المخلصين ، وأنشطة تعليمية تعكس طبيعة الأهداف المعلنة ، وطرق تدريس تترجم تلك الأهداف بوضوح وفعالية ، ثم اسالسيب تقويم تراعى طبيعة الأهداف وطبيعة المتعلمين .
عاشرا: لا حديث عن معنى دون الحديث عن المبنى ، كل من يقرر اصلاح منظومة التعليم عليه أن ينظر الى طبيعة البنية الفيزيقية ، من تجهيزات وملاعب ومعامل وغرف صفية تتناسب مع الكثافة العددية ، ودورات مياة تحترم آدمية المتعلمين والعاملين ، مدرسة حقيقية تستوعب الجميع ، ولو عدنا الى ما يتم انفاقة من اموال على الدروس الخصوصية من قبل اولياء الأمور ، وتم توجيه تلك الأموال أو جزء منها للبنية الأساسية للمدارس ، لأصبحت مدارسنا فى افضل حالة ، لهذا نحتاج الى اصلاح حقيقى للبنية الساسية للمدارس بعيدا عن الفساد الادارى الذى يمارس ويدعى أن هناك تطوير وصيانة للمبنى المدرسي ، فى حين أن الواقع والصورة تعبر عن النقيض ، ومن العيب أن نتحدث عن تابلت لكل معلم ولكل تلميذ فى حين أن غالبية المدارس لا يوجد بها مصادر شحن للتابلت ، والطالب يبقى فى المدرسة أكثر من 6 ساعات، فكيف للمجموع العام أن يقوم بشحن التابلت .
تلك مجموعة من التساؤلات حاولت ان اضعها بين يدى القارئ الكريم ، وعلينا أن نحاول تناول ذلك الملف بشكل اعمق لنرى حقيقة التطوير الذى نرجوه على مستوى المقررات الدراسية ، وعلى مستوى الادارة ، وعلى مستوى المشاركة المجتمعية الحقيقية ، وعلى مستوى استراتيجيات التدريس ، وعلى مستوى الأنشطة وأساليب التقويم ، وأخيرا على مستوى المبنى الذى يحتضن المعنى ويربى القيم ويعمق مهارات التفكير ويحافظ على الهوية . هذا ما نتناوله فى اللقاء القادم .

شاهد أيضاً

حديث صحفى حول احتفالية طريق الكباش

بقلم دكتور طارق فرج الباحث فى المصريات والمرشد السياحى أمس ألتقيت احد الصحفيين وسألني عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *