الأحد , نوفمبر 28 2021
فاروق عطية
فاروق عطية

فاروق عطية يكتب : مصر وتعدد الديانات – بين الأمس واليوم

ماذا جرى لمصر وشعبها الطيب؟ لماذا كل هذه الكراهية والتمييز الذي يصل إلي حد الاضطهاد الغير مبرر باسم الدين؟ لماذا نسمع ونقرأ من حين لحين عن خطف البنات القاصرات وقتل المجندين في وحداتهم وغيرها من الأحداث المؤسفة التي تصدر من متشددين،

تحت غطاء أمني لا يمكن إنكارة، ويتم تكراره تحت بصر وسمع الحكومة والرئيس، ولا معقب أو مدافع أو مغيث. المعروف عن شعب مصر منذ فجر التاريخ رغم تعدد العقائد والديانات أنه شعب ودود ومتسامح بل ومتعاون لأقصى درجات التعاون.

كان الناس فى العصر الحجرى يسكنون قرب الجبال وكان المناخ فى ذلك الحين يساعد على الحياة فى هذه الأماكن حيث كان المطر يعم شمال أفريقيا فتنمو النباتات والغابات التى يسكنها شتى أنواع الطيور والحيوانات،

ويقتات الناس على هذه النباتات وصيد وقنص الطيور والحيوانات. وعندما تبدّل المناخ وانتهى العصر المطير وساد الجفاف، لم يجد الإنسان بدا من ترك كهوفهم الجبلية، والبحث عن مصدر دائم للمياه فنزحوا قبائل وجماعات حتى وصلوا إلى وادى النيل فاستوطنوه، وبدأوا فى زراعة الأرض الخصبة حوله، واستأنسوا الطيور والحيوانات.

كانوا في البداية عبارة عن قبائل وجماعات متفرقة كل قبيلة او جماعة منها أنشأ قريته، ومن المنطقي ان تكون لكل جماعة وافدة ثقافتها وخلفيتها الاعتقادية والطوطمية وغيرها‏.‏ استقرت القرى وتحالفت بعضها لتكون مدنا لها خصوصياتها وديانتها وآلهتها، ومع تطور الزمن توحدت مدن الجنوب لتكون مملكة وتوحدت مدن الشمال لتكون مملكة أخرى،

ثم توحدت المملكتان بعد حروب وصراعات على يد الملك مينا ( نارمر) الذى أدمج التاجين الأبيض والأحمر ليكون تاجا واحدا يهيمن على مصر الموحدة التى سميت (كيميت) ولغتها (ران كيميت). ورغم هذه الوحدة كانت هناك لكل إقليم آلهته وعباداته،

فكانت هناك عقيدة الاشمونيين بملوى (المنيا) ذات الالهة الثمانية، أربعة ذكور وأربعة إناث وهم‏:‏ لوك‏ -كاوتيت (أي الظلام المخيم‏),‏ وآمون -آمونت ‏(‏أي اللارؤية‏),‏ ونون -نونت‏ (‏ أي العمق‏),‏ وحوح -حوحت‏ (‏أي اللانهاية‏)، ثم عقيدة بتاح بمنف، ثم تاسوع أون بعين شمس المكون من الآلهة اتوم وشو وتفنوت وجب ونوت وايزيس واوزوريس وست ونفتيس،‏ بالاضافة الي عبادة الإله الصقر حورس أبو الملوك المصريين الذي عُبد في جميع بقاع مصر، وعقيدة آمون و رع فى طيبة (الأقصر)، وكل ذلك تحت مظلة التوحيد مع تعدد الآلهة المحلية التي خلقها الخالق الأعظم، فقد كانت مدارس اللاهوت المصري القديم تتكلم عن إله عظيم وهو الإله الواحد الخالق وكان يطلق عليه اسم “نتر ـ عا”.‏

ولما كانت حضارة مصر الفرعونية حضارة زراعية تعتمد على النيل (حابى) الذى يمدهم بالخير والخصب، حضارة تدعو للهدوء والاستقرار والنماء الذي يسمح للنبات ان ينمو وينضج في هدوء وتعاون، انعكس هذا الهدوء والتعاون على العقائد الدينية أيضا، خاصة انه قد استقر فى وجدانهم أنه من المستحيل ان تنجح او تستطيع قرية واحدة ان تهيمن علي نهر النيل وتستولي عليه وتستأثر به من دون القري الأخرى، ومن هنا تكاتف المصريون جميعا لترويض النهر واتقاء تهديداته بعنفوان فيضانه أو شحه، والتقرب إليه بصلواتهم وقرابينهم للحصول علي رضاه ومنفعته، وكان من المنطقي ان تكون آلهتهم معهم تبارك تعاونهم واتحادهم. فبالرغم من تعدد الديانات نلاحظ ان آلهتهم تتميز بعدم التعصب فلا تنحاز لأصل علي اصل ولا تعلي من شأن عرق علي باقي الاعراق، إنما تنظر الي العمل الخالص وتعلي من شان العمل الموجه لخدمة البشر بصرف النظر عن أللون أو العرق أو الجنس. آمنوا بخالق الكون الواحد (نترـ عا) وآلهتهم الإقليمية هى مجرد صفات لهذا لخالق تقربهم منه.

كما آمنو بالبعث بعد الموت والحساب على الأعمال فى الآخرة، فمن عمل صالحا له الفردوس ومن كان عمله رديئا فله الجحيم وبئس المصير، ويبدو ذلك جليا من القسم الانكاري الذي كان علي الميت ان يقدمه كشاهد عليه وعلي أفعاله أمام أوزوريس إله الموتي وقاضي قضاة العالم الآخر، كان عليه ان يقر بأنه لم يلوث ماء النيل، ولم يمنع الماء الجاري، ولم يطفيء النار وقت نفعها، ولم يقترف الكذب او السرقة او الزنا، ولم يتوقف عن قول كلمة الحق، ولم يتوان عن نجدة المحتاج، ولم يضع الكذب مكان الصدق، ولم يزد الكلام عند التحدث،

ولم يسيء لسمعة عبد لدي سيده، ولم يشته امرأة جاره او حقله. وكان من المنطقي في ضوء سيادة قيمة التنوع والتعدد في هذا الوقت المبكر ان تتداخل تلك العقائد او تتمازج او تتشابك او تتجاور‏.

وحين لاح الصراع فى طيبة بين انصار رع الاله العجوز‏ وانصار آمون الاله الفتي‏، وحتى لا يتحول الصراع إلى تشابك دموى تتفتق عبقرية الكهنة عن اتحاد الإلهين ليصبحا إلها واحدا هو آمون رع‏.‏ وفى القرن الرابع عشر قبل الميلاد حين تولى الملك امنحتب الرابع، عاشر ملوك الاسرة الثامنة عشرة، والذي حاول توحيد الديانة المصرة فى دين واحد هو دين اله الشمس آتون وهاجر من طيبة العاصمة إلى أخيتاتون (أفق آتون) لتكون عاصمة له ولدينه الجديد، وغير إسمه من أمنحتب إلى إخناتون (إبن آتون). بدأت المحنة عندما رفض إخناتون الآلهة الاخري بل حطم تماثيلها ومحى رسومها ورموزها وهدم ‏‏ واضطهد كهنتها‏ فكانت ثورة عارمة لم تنتهى إلا بالقضاء عليه وعلى دينه الجديد، ذلك لأن الأصل في طقوس الحصارة المصرية القديمة هو التعدد، وانتهت سنوات المحنة والتعصب بانتصار كهنة طيبة وإعادة آمون رع إلى عرشه سيدا على الآلهة المصرية جميعا مع احترامها وتبجيلها، واعتبر إخناتون أول متطرف دينى فى التاريخ المصري القديم.

ومع اضمحلال العصر الفرعونى منذ أخر فراعين الأسرة الثلاثون – الملك نخت انبو الثاني (نكتنابو) “360-341 ق.م” وتعدد الغزاة بداية من الإسكندر المقدونى وخلفاؤه البطالمة الذين حكموا مصر كملوك مصريين يحترمون دياناتها ويقدسونها، ظل المصريون علي ولائهم للتسامح الديني‏.‏

ثم جاء الرومان بعد معركة أكتيوم وانتحار كليوباترا، اعتنق الرومان العقائد المصرية القديمة وأضافوها إلى معبوداتهم. وفي القرن الاول للميلاد ظهرت بالاسكندرية المدرسة الغنوصية او العارفية او العرفانية وهي مدرسة فلسفية حلولية،‏ ويعتقد البعض ان لها جذورا وبدايات تعود الي القرون الثلاثة الاخيرة قبل الميلاد لتبرير انتشار الديانة المصرية القديمة في الامبراطورية الرومانية بجانب الديانات المحلية‏.‏ وعند ظهور المسيحية اخذت الغنوصية طورا جديدا لإثبات تواؤم المعتقدين وكانت لا تتعارض مباشرة مع الديانات التوحيدية كالمسيحية واليهودية‏.‏

ومع اعتناق الشعب المصرى للديانة المسيحية وبقاء المستعمر الرومانى على عباداته القديمة وقع المصريون فى آتون الاضطهاد والشهادة. وحين غزى العرب مصر بقيادة عمر بن العاص فى 639 م ظن المصريون أن الخلاص قادم ولكنهم كانوا كمن يستجير من الرمضاء بالنار، ووقعو تحت مطرقة وسندال خيارات كلها مرّ (الإسلام أو الجزية أو القتل). واستمر الجحيم قائما من عصر إلى عصر من الخلافات الأموية والعباسية والفاطمية وعصر المماليك حتى الخلافة العثمانية، لم يذق فيها المصريون طعم الانصاف أو الرحمة، قتل من قتل وأسلم من جبن، وقطعت ألسنة من يتحدث القبطية. ومع تولى محمد علي باشا حكم مصر ودخول مصر عصر النهضة، ومع استمرار الأسرة العلوية وبدايات الديموقراطية اللبرالية شعر المصريون بالطمأنينة، التى تلاشت وكأنها سراب مع بدايات حركة الضباط الغير مباركة، واستعر لهيبها مع حكم السادات الرئيس المؤمن، واستمر السعير مشتعلا حتى يومنا هذا، ولن ينصلح إلا بدستور علماني وحكم مدني يحقق مبادئ حقوق الإنسان.

شاهد أيضاً

حديث صحفى حول احتفالية طريق الكباش

بقلم دكتور طارق فرج الباحث فى المصريات والمرشد السياحى أمس ألتقيت احد الصحفيين وسألني عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *