السبت , يونيو 6 2020
مدحت موريس
مدحت موريس

جواز سفر

أقلعت الطائرة وارتفعت لتحلق فوق السحب بينما كان فريد على مقعده بجوار النافذة يتأمل السحب والسماء ثم ينظر الى اسفل فلا يرى للأرض أثراً.

ابتسامة خافتة ترتسم على شفتيه وهو يرى نفسه بعيداُ عن الأرض حتى وان لم يركب الطائرة !!!

مسيرة حياته تؤكد ذلك فهو رجل عصامي بنى نفسه بنفسه ، مضى بجهده وعرقه يكافح

ويقفز من نجاح الى آخر يكتسب الخبرات يوماً بعد يوم حتى ترك وظيفته كمدير مشروعات بإحدى شركات المقاولات ليؤسس شركة للمقاولات تعمل من الباطن قبل ان تكبر وتشتهر وتقتحم مجال البناء وتنال النصيب الأكبر من المناقصات المطروحة في السوق. ارتفعت مكانة فريد وصار اسمه معروفاً وارتفعت ايضاً قامته فلم يعد يرى الأرض من تحته !!! كان هذا التشابه هو سر ابتسامته وهو على مقعده في الطائرة. قد لا يُقدر النجاح بالثروة لكن فريد اصر – وهذا من حقه – ان يُترجم نجاحه بالمال ، خطأه الوحيد الذى رآه البعض انه قليلاً او احياناً وربما كثيراً ما كان يحيد عن الطريق المستقيم وهنا تختلف الآراء وتتباين فالبعض – وهو من بينهم – يرى ان الظروف والروتين والقوانين العتيقة ما هي الا معوقات لا بد ان يتجاوزها من اجل تحقيق النجاح ولا سبيل لتجاوز كل هذه الأمور الا بالأساليب الملتوية فقد عرف تماماً من اين تؤكل الكتف ، ومع كل هذا كان لديه من الذكاء ما يجعل كل أوراقه ومستنداته سليمة تماماً…

هذا عن العمل وطريق نجاحه اما خارج هذا الاطار فقد كانت له اياد بيضاء في المساهمة في المشروعات الخيرية ومساعدة غير القادرين فكان بهذا يعطى ما لله لله اما قيصر فكان يحلو له اللعب معه

فمن خلال قيصر كانت تتعاظم أرباحه وتتضخم ثروته وما اسهل التربح من التعاملات الحكومية في بلدان العالم الثالث. تتسع ابتسامته وتخفت وهو على مقعد الطائرة يسبح مع شريط ذكرياته فقد سئم حياة العالم الثالث وآن الأوان لان ينتقل لأرض جديدة وبلاد جديدة وكان ذلك امراً يسيراً مع ثرائه العظيم فكان ان صار مهاجراً مستثمراً في كندا. هي ارض جديدة وبلاد راقية فضلها على بلاد العم سام لان الحياة فيها قد لا تكون اوفر مالاً منها لكنها بالتأكيد ارق شراسة واقل صخباً . وبدأ حياته الجديدة بخبرة المحنك فاتجه اولاً الى القوانين المنظمة للعمل في مجال المقاولات ومن البديهي ان نفهم انه لم تكن دراسته للقوانين بهدف الالتزام بها بقدر ما كان الهدف هو كيفية مخالفتها والنفاذ من خلال ثغراتها من اجل الوصول الى الهدف الاسمى والاعلى الا وهو تعظيم ثروته، لعبة جديدة يلعبها مع قيصر جديد في بلاد جديدة لكنه بوجه عام اتقن اللعب مع قيصر بل ومع كل القياصرة.

لم يكن غريباً ان تكتمل سلسلة نجاحاته في وطنه الجديد

لكنه في كندا كان اكثر حرصاً فالقوانين مهما اتقن اللعب معها اكثر من صارمة سبب آخر جعله اكثر حرصاً وهو انه يدرى جيداً انه ان تعثر او سقط فمن الصعب ان تقوم له قائمة من جديد ، غير ذلك فلديه هدف آخر وهو الحصول على الجنسية الكندية وبالتالي التمتع بجواز سفر كندى يكون بمثابة جواز المرور الى كل بلاد الدنيا. اكتملت سلسلة نجاحاته وان كانت لم تدر له اموالاً مثلما كان الحال في بلاده ومرجع ذلك انه كان اكثر حرصاً حتى وهو يتلاعب مع القوانين فهو يعلم جيداً انه لا بد ان يعطى لقيصر هنا اكثر بكثير مما كان يعطيه لقيصر هناك ، في نفس الوقت واصل فريد اعماله الخيرة كلما واتته الفرصة لكن كان واضحاً ان يده صارت اقل سخاء في وطنه الجديد وقد يكون مرجع ذلك هو ان أرباحه القيصرية قد قلت كثيراً عن ذي قبل. كان – مع كل هذا – يشعر بالراحة فهو يعطى ما لقيصر لقيصر وايضاً يعطى ما لله لله ومفتاح الجملتين لديه هي كلمة “ما” فهو الذى يحدد ويقرر قيمة ما لقيصر وايضاً هو الذى يحدد ويقرر ماهو لله !!!!! سنوات مضت على هذا الحال حتى امسك اخيراً بالهدف….جواز السفر الكندى او ما كان يسميه جواز المرور الى كل بلاد الدنيا. استقرت اعماله ومشروعاته ولم يعد بحاجة للبقاء في موقع العمل او في إدارة الشركة او حتى في وطنه الجديد معظم أوقات العام ، واستفاد ايضاً كثيراً من التقدم التكنولوجي في عالم الاتصالات، هذا التطور الذى مكنه من متابعة جميع اعماله عبر البحار والمحيطات فعاش حياة مرفهة رأى انه يستحقها بعد طول عناء ،وبجواز المرور لكل الدنيا – حسب تعبيره – تفتحت امامه كل أبواب الدنيا ، فكثرت اسفاره لبلاد كثيرة في قارات مختلفة

وها هو الآن في طريقه لزيارة بعض بلدان شرق أوروبا والحقيقة انه اصبح صعب عليه إحصاء البلاد التلى زارها واستمتع بجمالها. استفاق فجأة على صوت صاخب غريب رجح انه صدر من جسم الطائرة تبعه بثواني تحركات سريعة لطاقم الضيافة وسمع صوت قائد الطائرة يطالب الركاب بالتزام مقاعدهم وربط الاحزمة وفى اللحظة التي هم بربط الحزام تفاجأ بجاره في المقعد وقد جثم على صدره وقبل ان يحاول ابعاده ويلومه اكتشف ان الطائرة تميل على جانبها ثم تعود فجأة الى وضعها الأصلي بصورة غير متوازنة بصورة توحى وكأن قائد الطائرة قد فقد السيطرة عليها. تكرر الامر عدة مرات وصاحبه أصوات صراخ تعبر عن حالة الفزع التي اصابت جميع الركاب وتداخلت أصواتهم مع أصوات بعض افراد طاقم الطائرة الذين حاولوا تهدئتهم دون جدوى ، اكثر من خمس دقائق مرت على هذا الحال

ولم يستطع ان يحسب كم مرة مالت فيها الطائرة في تلك الفترة الزمنية. في لحظات كان شريط ذكرياته قد اختل ومضى مسرعاً ليقف على محطات محددة رأى فيها مغامراته في التحايل على قيصر والثراء الذى هبط عليه من طرق ملتوية، كان يفكر في امرين الأول هو فساده – وهى الكلمة الوحيدة المعبرة عن مسيرته في عالم البيزنس – والامر الثاني هو تحطم الطائرة ونهاية مسيرة حياته ولا يربط بين الامرين سوى الموت الذى يواجهه الآن. شعر بدوار شديد، شعر بأن حلقه يجف ، شعر ببرودة تسرى في كل جسده ، شعر بكل شيء ممكن ان يشعر به ولم يكن لديه وقتاً كافياً لتفسير كل ما يشعر به ، بدأت الأصوات والصرخات تبتعد رويداً رويداً حتى تلاشت تماماً. شعر بيد تهز كتفه برفق، فتح عيناه وهو ينظر لمضيفة الطائرة التى كانت تبتسم له وتمد يدها نحوه بعلبة من العصير ، وسمع راكب بجواره يتمتم بعبارات الشكر لله بعد تجاوز المحنة فقد استقرت الأوضاع اخيراً، طمأنته المضيفة وطمأنه جاره في المقعد

ولكن ما طمأنه بالفعل هو ان الطائرة تطير بصورة طبيعية وادرك انه ذهب في أغماءه لعدة دقائق، تنهد بعمق بعد زوال الغمة وبحث عن حقيبته الصغيرة التي سقطت تحت المقعد في لحظات الارتباك، واخرج جواز السفر

ليطمئن انه مازال موجوداً في الحقيبة ، ثم بدأت مرحلة هبوط الطائرة وبدأ يفكر في رحلته والفندق والأماكن التي سيزورها والشواطىء التي سيرتادها نسى كل شيء كان يفكر فيه نسى احواله واعماله وايضاً نسى قيصر، هبطت الطائرة بسلام وصفق مع الركاب مشيدين بسلاسة هبوط قائد الطائرة، هم واقفاً

لكنه شعر بضيق في تنفسه واحس وكأن يد تخترق ظهره وتمسك بقلبه وتعتصره، بعدها لم يستطع تحمل الوقوف فسقط على المقعد واستدعى احد الركاب المضيفة وتطوع احد الأطباء من ركاب الطائرة ليفحصه بسرعة في حين اسرعت المضيفة لتتصل هاتفياً بالمطار. بعد دقائق قليلة كان رجال الإسعاف في الطائرة

حيث قاموا بعمل الإسعافات الأولية لفريد ثم حملوه من داخل الطائرة الى سيارة اسعاف كانت في الانتظار بينما كان احد رجال الجوازات بصحبتهم يفحص جواز سفره ويدون بياناتها ،اسرعوا به الى المستشفى لمحاولة إنقاذه بعد ان اصابته ازمة قلبية مفاجئة، اما هو فقد اغمض عينيه وعاد شريط الذكريات يتكرر امامه باحواله واعماله وايضاً قيصر بينما كانت يداه تحت الملاءة ممسكتان بجواز سفره – جواز المرور لكل الدنيا – وقد ادرك انه قد لا يحتاجه مرة أخرى اذا ما كانت رحلته هذه المرة هي رحلته الأخيرة الى مكان ليس به قيصر آخر ولا يحتاج لدخوله الى جواز سفره.

شاهد أيضاً

د. عاطف المصري

الأهميه والأولويه

قد نري في كثير من الأحيان ان لم يكن دائما أشخاص لاقيمه لهم بجميع المقاييس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *