الأحد , نوفمبر 25 2018
الرئيسية / مقالات واراء / وكم من ارواح مكبلة باجسادها
الشيماء حسن

وكم من ارواح مكبلة باجسادها

تبادرت الى ذهنى تلك العبارة وانا اطالع قصة ” هولى وارلاند ” امرأة استرالية شابة فى الـ 27 من عمرها  مصابة بمرض نادر يدعى LGMD( الحثل العضلى ) وهى حالة نادرة تعمل على تدهور العضلات تدريجيا من اسفل الذقن الى القدمين لتنتهى بمصابيها الى ملازمة السرير والحاجة الى الرعاية الكاملة .
وعلى الرغم من تشخيص حالة هولى وهى فى الـ 11 من عمرها الا ان ذلك لم يثنيها عن تحقيق احلامها فى دراسة علم النفس والحصول على الدكتوراه قبل سن الـ 25 لذا عملت بجد للحصول على البكالوريوس واعدت جهودها للحصول على الدكتوراه فى علم الاعصاب بدعم من عائلتها واصدقائها وبينما هى فى منتصف الطريق خارت قواها البدنية فى 2016 لتضطر الى الانسحاب من رسالة الدكتوراه والتخلى عن عملها فى التدريس الاكاديمى بعد ان ساءت حالتها وبدأ جسدها فى التدهور وبدأت معه مرحلة جديدة بمساعدة صديقها وراعيها مصور الفيديو ” لوقا ” فى توثيق تدهور جسدها بالصور على موقعها على الانستجرام ليتمكن الناس على حد قولها من رؤية حصيلة العجز على جسم الانسان بصورة صادقة ومباشرة تقول هولى : ” معظم الصور تأتي مع قصة خلفية أو تأمل في قضية من وجهة نظرى فى الشلل. من العشاء الفاخر إلى القيء في الحمام ، لا يوجد شيء مغلف بالسكر. لقد وصلت إلى آلاف الأشخاص في جميع أنحاء العالم وتم منحهم الفرصة للدفاع عن قضايا قريبة من قلبي . كنت أرغب في إظهار المزيد من هذا الجانب الأكثر ظلمة وأكثر صدقاً للإعاقة ، لذلك كنت أنا وشريكي أقوم بتوثيق حياتي اليومية لاظهار لماذا يجب ان يتم تقنين القتل الرحيم ”
” القتل الرحيم ” مصطلح يعنى لمن لا يعرفه ان يتم مساعدة من يرغب فى مفارقة الحياة بدون الم او وجع وبدعم من الاحبة والاصدقاء قضية اثارتها بعض الاعمال الفنية اتذكر منها المسلسل المصرى اوبرا عايدة مسلسل تلفزيوني مصرى من تأليف أسامة غازي وإخراج أحمد صقر ومن بطولة يحيى الفخرانى وحنان ترك واخرين وانتاج عام 2000 وهو اول عمل درامى عربى يتطرق لقضية القتل الرحيم . والفيلم الامريكى الرائع الحائز على العديد من الجوائز الاكاديمية Million Dollar Baby من بطولة واخراج كلينت ايستودد ومورغان فريمان وغيرهم وانتاج 2004 فى اشارة خاطفة للقضية محور الذكر لكن الفيلم الذى تعرض لها بقوة هو فيلم الدراما الرومانسى ME BEFORE YOU من بطولة ايميليا كلارك وسام كلافلن وانتاج 2016
لا امل من مشاهدة هذا الفيلم كثيرا ليس فقط لقصته الدرامية المؤثرة ولا لرومانسيته السلسة او بساطة بطلته وانما لانه يطرح فكرة وتساؤلا لطالما حيرنى انه حرية الاختيار اليس اختيار الحياة او مفارقتها هو حق انسانى
تدور احداث القصة عن ويل ترينور شاب وسيم غنى طموح ناجح فى ادارة عمله الخاص جامح بمعنى الكلمة فلا يتوانى عن المغامرة والسفر وفعل كل الاشياء الخطرة المجنونة يمثل ترينور العالم المناقض للويزا بطلة الفيلم البسيطة المحبة للاخرين والقانعة باقل القليل من الحياة برضى تام وبهجة دائمة والتى لم تغادر بلدتها منذ مولدها يجمعهما حادث يصاب به ترينور لتنقلب حياته رأسا على عقب فالحادث يصيب حبله الشوكى ليصيبه بشلل كامل يفقده القدرة على الحركة نهائيا الا من اصبع بيده يمكنه فقط من التنقل بكرسيه فى حدود منزله يفقده الحادث حبيبته و القدرة على ادارة عمله ويجعله فى حاجة دائمة لمساعدة من الاخرين وهنا تدخل لويزا ببساطتها وحبها للحياة الى حياته بعد عامين من صراعه وسجنه داخل جسده لتكتشف مع مرور اليام فى رعايته محاولته الفاشلة فى الانتحار الى هنا قد تكون القصة مكررة فـ الحياة لا تخلو من الحوادث والانقلابات والصدف القدرية فى الجمع بين متضادين لكن العقبة تظهر حين تكتشف لويزا نية ويل فى انهاء حياته وتواصله مع احدى المؤسسات المتخصصة في ” القتل الرحيم ” فى السويد وبعد ان تقع فى غرامه يطلب منها دعمه فى قراراه وحضور لحظاته الاخيرة فى الحياة لتعانى لويزا تخبطا بين حبها له ورغبتها فى البقاء بجواره ورفضها لمغادرته الحياة لكنها تقنع اخيرا بعد حوار لها مع ابيها قائلا لها
You can’t change people’s home
– So, what can we do ?
Love them .
لا يمكنك تغيير طبيعة الأشخاص
– اذن ماذا علينا أن نفعل
نحبهم

نعم نحبهم على سجيتهم تلك الفكرة التى تجعلنى اقف مذبهلة متخبطة خاصة بعد احد مشاهد الفيلم بين ابوى ترينور يعكس المشهد حوارا لا نراه كثيرا فى شرقنا او بالاحرى لا نراه ابدا بعد ان يعلما الابوين باصرار الابن على فعلته فتثور الام وتهيج رافضة تقبل الامر ومصرة على منعه بينما يحاول الاب اقناعها بوجوب قبوله فلا معنى لفرض الحياة فرضا عليه على غير اختياره وحبهما له يوجب دعمه فى قراراه ايا كان وان كان عكس رغبتهم ومتسببا فى تعاستهم . يالله
بالطبع تعد تلك الثقافة غريبة علينا فلا عجب ان يثور البعض ويموج لتلك الفكرة فالكثير يعتبر الامر لا اخلاقى ولا دينى فنحن نجرم الانتحار ونكفر مرتكبيه مجتمعيا ودينيا ونتوعدهم بالعذاب الاليم فى جهنم وبئس المصير فكيف لنا ان ندعمهم ونتفهم قضية القتل الرحيم .
قد يرجع ذلك للثقافة الدينية المترسخة فى تكفير من يترك الحياة بارادته او لجين ” التعلق ” الكامن فى احشائنا والذى يجعل الفراق امرا عسيرا على نفوسنا ، وقد يرجع للخوف من نظرة الناس واحكامهم المسبقة والسنتهم التى لا تتوقف عن لدغ المنتحر ولا يثنيهم الموت عن بثه واهله سما زعافا .
كما حدث مع حادثة الانتحار الاخيرة للطبيب الشاب الوسيم ابراهيم احمد نصرة
ابراهيم الذى يقول فى جملته التعريفية على حسابه الشخصى على الفيس بوك “أريد أن أسافر بين النجوم .. وهذا البائس جسدى يعيقنى”هو طبيب نفسى شاب فى الـ 33 من عمره عانى من الاكتئاب لفترة طويلة يتضح ذلك جليا من بوستاته فى الاونة الاخيرة من حياته والتى اعلن فيها من تمكن الاكتئاب منه ورغبته فى مفارقة الحياة مرارا وتكرارا حتى اخذ القرار بانهاءها فعليا عبر القفز من اعلى منزله ليسقط على الارض جثة هامدة تاركا وراءه بحر من اللغط والتساؤلات فسواء فارق الحياة منتحرا او سقط اثر خطأ كما اعلن التقرير الشرعى لوفاته فان ذلك لا ينفى رغبته فى الموت بعد معاناة مع الحياة وعدم القدرة على تعايشها والتواصل مع الاخرين حتى انه يقول فى احد بوستاته :
“الاكتئاب بقى واصل لكل خلية فى عقلى وقلبى وجسمى.. بقيت بحتاج جرعات مهولة من الأدوية عشان أقدر أقوم من السرير وأمارس حياة طبيعية وأعرف بس اتحمل الكلام مع الناس .. الكلمة بتحتاج مجهود عشان تخرج منى وبقيت حاسس إن كل كلام الناس ملوش لازمة وممل وبقيت أحس دايمًا إن صوتهم عالى ومزعج.. خلقى ضاق جدًا وبقيت حاد وعصبى مع إنى أصلًا إنسان هادى وبارد جدًا.. عمال أفقد واحد ورا التانى من الناس اللى بتحبنى بسبب اللى الاكتئاب عملو فيا.. اللى اسوأ من الاكتئاب بيعمله فيك هو اللى بيخليك تعمله فى الناس اللى بتحبك”.
ندعى اننا اكثر تعاطفا وحبا وللفراق لوعة لا قدرة لنا على احتمالها فكيف لنا ان نرضى لاحباؤنا بمفارقة الحياة لكننا لا نتوقف لحظة للتساؤل ماذا سنجنى اذا عاش احباؤنا تعساء ! ماذا اذا كانوا يتنفسون بجوارنا لكنهم موتى على قيد الحياة ! اليست الحياة تحتاج الى طاقة وقدرة هائلة على الصبر اليست بحاجة لمهارة فائقة فى التعامل مع انماط البشر المختلفة والتواصل معهم وتحمل تعقيداتهم وهناتهم فماذا اذا فقد احبائنا هذه القدرة وخارت قواتهم ولم تعد لديهم طاقة على الاحتمال الا يستحقوا منا الدعم والحب .
لماذا نسلخ من يعانى من الحياة ولا يستطيع مجارتها وننهال عليه بالنصائح الدينية والاحكام العنيفة والاتهامات بالبعد عن الله و الايمان والحق دون تفهم لمعاناته ووجعه ومرضه احيانا .
اليست الرحمة فى الترفق به ودعمه واحترام حقه فى الاختيار !
ليس هذا المقال وتلك الكلمات تشجيعا على الانتحار فخبر موت اى انسان موجع خاصة اذا كان فى مقتبل حياته وذروة نشاطه وارجو ان نتمكن يوما ما من ارضاع الاجيال حب الحياة ليكون ه1ا الحب محفزا للاستمرار والتغلب على هناتها
لكن اذا لم يكن من الموت بد فهذا المقال دعوة للترفق بالاخر وخلع الاقنعة والدعم الدائم للاحبة والحب غير المشروط فما نفعله ليس حبا انما هو رغبة فى التملك وربط سعادتنا بوجود الاخر حينا وخشية من نظرة الناس وتحمل لومهم حينا اخر فنحن لدينا قدرة على تقبل الموت ان كان حادثة عارضة ولا نتقبله اذا صدر عن ارادة على الرغم من كونه فقدا فى الحالتين لكنها الثقافة الملعونة فى النظر للانتحار على انه خطيئة واعتبار الاهل له فضيحة وعار يتسترون منها ويعملون على مدارتها خوفا من احكام الناس ومعايرتها
انه دعوة للين والنظر للامر من زاوية مختلفة ، واحترام حق الجميع فى الاختيار . جئنا للحياة على غير رغبة افلا يكون الاستمرار فيها او مفارقتها حرية شخصية بحتة ! اعلم ان الموت مفجع خاصة للاقربين والراغب فى الانتحار يعانى صراعا بين عدم قدرته على الحياة وعدم رغبته فى كسر قلوب من يحبوه فيتساءل ابراهيم كما يتساءل الكثير عبر البحث عن وسيلة رحيمة للموت فى تدوينه تساؤلية لسؤال يبحث الكثير عن اجابه له يقول
HOW TO KILL MYSELF WITHOUT BREAKING MY MOM HEART ?
كيف اقتل نفسى دون ان افجع قلب امى
لكن فى محاولة لانهاء هذا الصراع فى عقول الجميع يخرج العقل بحيلة دفاعية كما دونها ابرهيم فى احد بوستاته فى 11 مارس 2018، قائلا “مدام أنا كده كده رايح لنفس المصير ليه مرحلوش بسرعة؟ أرجوكم خرجوا الدين من الموضوع”
ان غلظتنا معهم ليست حبا بل هى انانية مفرطة نعانى نحن الشرقيين على الاخص من تضخمها فى جيناتنا وندعى اننا شعوب الرحمة واللين فكفانا قهرا ارجوكم خرجوا الدين من الموضوع .
ستقول : لا , وتمزّق الألفاظ والنهر البطيء . ستلعن
الزمن الرديء ، وتخفي في الظلّ . لا للمسرح
اللغويّ . لا لحدود هذا الحلم . لا للمستحيل
وتمرّ من كل البدايات احتفالا
* وتموت وحدك .
” هل أسأت إليك يازمنى ؟
تغنّي الأخضر الممتدّ بين يدين
يابستين : تدخل وردة وتصبح : ما هذا الزحام؟ .
ترى دما فتصبح : من قتل الدليل ؟
* وتموت وحدك .
سوف تتركك البحار على شواطئها
وحيدا كالحصى . ستفرّ منك المكتبات ، السيّدات ،
الأغنيات ، شوارع المدن ، القطارات ، المطارات
البلاد تفرّ من يدك التي خلقت بلادا للهديل .
* وتموت وحدك .
وسيدفنون العطر بعدك . يمنحون الورد قيدك .
يحكمون على الندى المهجور بالإعدام بعدك.
يشعلون النار في الكلمات بعدك . يسرقون الماء من
أعشاب جلدك . يطردونك من مناديل الجليل .
وتقول لا – للمسرح اللغويّ
لا – لحدود هذا الحلم
لا – للمستحيل

الشعر لـ محمود درويش

شاهد أيضاً

تخدعنى

……. تخدعنى ولما آبعد هذا تقل لى كفا . تحديك وحده له الذنب وحده والجفا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *