السبت , مايو 25 2019
الرئيسية / مقالات واراء / د. إيهــاب أبــورحمه يكتب : طبـيب في قطـــار المــوت.
إيهاب أبو رحمة

د. إيهــاب أبــورحمه يكتب : طبـيب في قطـــار المــوت.

 دقت الساعة معلنةً الثانية عشر بعد منتصف الليل لتعلن انتهاء النوبتجيه القاتله لوليد في عمليات قسم الطوارئ ، وكم كانت ليلة مريره بحوادث كثيره و عمليات طويله حتي أن وليداً شعر و أنها مضت كثوانٍ معدوده رغم صعوبتها و لكنها لم تمر مرور الكرام فلقد تركت إجهاداً جسدياً بالغ الأثر.

🔻ذهب وليد مسرعاً و عائداً إلي منزله ليستريح قليلاً برهةً من الزمن فلديه سفره طويله بمئات الكيلومترات ، حيث أن ابن الصعيد كان مُقرراً له أن يتخذ من القطار ٩٩٩ و المقرر إنطلاقه في تمام الساعه الثالثه وسيلة سفره ليلحق بعملٍ أخر بمستشفي خاص في صباح اليوم التالي في القاهرة.

🔻وليد طبيب شاب في مقتبل عمره من أسره ميسورة الحال متوسطه الدخل ، تحمد الله أنها مازالت علي قيد الحياه في ظروف ٍ صعبه و حياةٍ ماديه لا تعرف الرحمه فكان لزاماً علي وليد الطبيب الشاب أن يعمل بجد و هذا ما علمته الحياه ، فلم يولد و في فمه معلقةُ من ذهب ، لذا فهم الحياة مبكراً و عرف فرضية الإعتماد علي نفسه و هو الآن في طريقه إلي الزواج بحبيبته التي عشقها طوال سنوات دراسته و التي تفهمت و أهلها ظروفه و قبلت أن تواجه مصاعب الحياة معه بكل ترحاب .

🔻عاد وليد إلي منزله ليجد والدته التي لم تستطع النوم حتي تطمئن علي فلذة قلبها و قد أعدت له طعامه المفضل، فكانت والدته تشفق عليه من هذا العناء فلم يسعفه الوقت ليستريح من إجهاد عمله ليذهب إلي رحلة عملٍ علي بعد ساعات من بيته ، و لكن كانت هذه المره لا تشعر بالطمئنينة أبداً و بدا عليها القلق واضحاً و هي تطلب منه ألا يذهب و تتعلل بالإجهاد البدني الذي بدا عليه جلياً ، ولكن هيهات فمهنة الطب ليست كمثيلاتها فتغيبه يعني توقف عمليات الغرفه التي يقوم بتخدير مرضاه فيها فهو وحده في هذه الغرف، كما أنه المسئول هذا اليوم عن استقبال الحوادث و انعاش المرضي لذا فلا يمكنه التغيب أبداً .

🔻لم تكن بالطبع هذه المره الأولي التي يسافر فيها بعد عملٍ شاق فقد اعتاد هذا الأمر ، ولكن قلق والدته جعلها تحاول جاهدةً إثناءه هذه المره عن سفره، و في الأخير تناول طعامه و ذهب مسرعاً ليستريح قبل سفره.

🔻رن جرس المنبه معلناً وقت الرحيل ، و إذا بوليد و كأنه يشعر بقبضة في قلبه لم يعتد عليها فذهب ليصلي ركعتين لرب العباد و ارتدي ملابسه و لأول مرة ٍ يُوقظ والده من نومه و كأنه يودعه الوداع الأخير ثم قبل جبين شقيقتيه و هما نيام ثم أقبل إلي حضن والدته ليودعها وانطلق مسرعاً حتي لا يفوته القطار .

🔻ورغم أن هذا القطار يبدأ رحلته من نفس المدينه حيث يعيش وليد إلا أنه اعتاد الخروج لطريقه متأخراً ، ولكنه كان في موعده تلك الليله الظلماء ، انطلق القطار مسرعاً نحو طريقه في تمام الساعه الثالثه صباحاً لا يبالي بقلق راكبه ، ظل الطبيب الشاب واقفاً علي قدميه لأكثر من ثلاث ساعات دون مقعد حتي وجد مقعداً فارغاً ينتظره فجلس فيه ليكمل رحلته .

🔻و طوال سكة سفره و هو يحاول تسلية وقته إما بالقراءة أو بسماع القرآن أو محادثة من حوله أو حتي النوم و ما أن يخلو لنفسه إلا و راوده القلق مرةً أخري ، و في سكة سفره تعرف علي شاب من نفس محافظته تاركاً أسرته و يعمل في القاهره فقد عز العمل في بلدته فما كان منه إلا أن طلب الرزق بعيداً عن أهله و قد اعتاد علي رحلات القطار كل أسبوعين ، و انضم لهم شابٌ أخر يقضي فترة تجنيده و ها هي اقتربت علي النهايه فقد تبقي له أسبوعان فقط ليعود لأهله و يبدأ رحلة البحث عن العمل و بعدها تعرف علي شاب و والده في رحلة علاجٍ من ورمٍ أهلكه.

🔻و علي الجانب الأخر ، لم تستطع والدة وليد النوم فظلت مستيقظه يساورها القلق رغم أنها تحادثه تليفونياً من وقتٍ لأخر و قد زاد هذا من قلق ابنها ، و لكنها في الأخير ذهبت لتستريح قليلاً.

🔻قارب القطار علي الوصول و بدأ قلقه يزول فقد كان يعتقد أن قلقه بصوره كبيره من رحلة القطار لما يسمعه عن إهمالٍ أصاب المنظومه ، و لعل رؤيته لقصص معاناة شباب أخرين قد أنساه قلقه ، دقائق معدوده و يصل القطار إلي محطته الأخيره و قد قاربت الساعة علي التاسعه و الربع صباحاً ، فقام وليد من مقعده قاصداً حقيبته استعداداً للخروج من القطار و قد تلقي مكالمه تليفونيه من صديقه الإسكندراني يعلمه أنه في انتظاره علي رصيف المحطه و قد وصل قطاره منذ دقائق ليتجها سوياً إلي المشفي الخاص حيث يبدأ يوم عملٍ جديد.

🔻يعلن الميكروفون الداخلي لمحطة رمسيس وصول قطار ٩٩٩ القادم من الصعيد في تمام الساعه التاسعه و ٢٠ دقيقه صباحاً ، يجري وليد اتصالاً بأحمد صديقه ليحدد له مكان اللقاء ، تنتهي المكالمه ليجد وليد والدته تتصل به و يرد عليها و تهدأ الأم من قلقها علي ابنها و تدعو له الله أن يوفقه و أن يعيده إليها سالماً ، بعدها يجري وليد ثالث مكالمه تليفونيه علي التوالي بحبيبته و التي اقترب موعد زفافهم و المقرر له بعد عدة أشهر يعلمها بوصوله كما اعتاد و ليطمئن عليها و ما أن انتهت المكالمه الأخيره حتي يجد صديق الكفاح و العمل أمامه.

🔻و ما أن تصافحا حتي سمعا أصواتاً و عويلاً لا ينتهي و تدافع و أصوات صارخه بسرعة الجري بعيداً إلي خارج المحطه و ما هي إلا ثوانٍ قليله حتي رأيا قاطره تجري بسرعه صاروخيه متجهه نحو القطار الواقف أمام المحطه و الذي خرج منه من دقائق ، و لوهله عجز هو و صديقه عن الحركه أمام مشهد قلما يشاهده أحد ، وإذا بإنفجارٍ هائلٍ يحدث و نيران تترامي هنا و هناك لتلتصق بملابسه هو و صديقه و يحاولا الجري و الإفلات من النيران و لكن تمكنت النار من صديقه حتي احترق كلياً و تفحم جسده كاملاً ، و بعد محاولات من مصارعة النيران و الموت ساعد وليد أحدهم من إطفاء نيرانه و لكن بعد أن اشتد الحرق في جسده ، و رغم هذا يجد طفلاً باكياً تلتهم النيران ملابسه و يقف بجانب جثه متفحمه فيجري عليه متناسياً ألامه فينجح في إنقاذه و لكن الجراح قد تمكنت من وليد و تشوه وجهه تماماً ليسقط علي الأرض لافظاً أنفاسه الأخيره .

🔻بعد أن اطمئنت والدته عليه ذهبت لتأخذ قسطاً من النوم و ما هي إلا ساعة و استيقظت فزعاً من نومها لا تدري ماذا حدث لتلتقط هاتفها الجوال لتطمئن علي وليد و لكن الهاتف أصبح لا برد ، خرجت من غرفتها لتجد زوجها يجلس في قلق لتسأله في اضطراب وليد لا يرد علي هاتفه ، فإذا به يقول لها أحاول الإتصال به دون رد و إذا بدموعه تنهمر منه قلقاً وهو يردد يا رب سلم يا رب سلم فيبلغها بحادث القطار الرهيب و لم تكن تعلم عنه شيئاً ، فإذا بها تنهار و تصرخ و تدخل في حاله هيستيريه سمعها جميع سكان العماره و التي علي اثرها أتوا ليطمئنوا عليهم ، وما هي إلا دقائق لتتوالي الإتصالات من كل صوب تتساءل عن وليد و كان أولها حبيبته التي كانت لا تستطع التماسك و الحديث فهاتف وليد الذي لا يرد أرعب الجميع.

🔻لحظات قاتله من الإنتظار و الجميع يحاول الإتصال بهاتف وليد و لكن بلا جدوي ، و المكالمات تتوالي عليهم و أصبح البيت مزدحماً بالجيران و الأهل و الدموع تتهاوي و تسقط و صوت البكاء يعلوا ، ليأتي الخبر و أن هاله خطيبة وليد قد سقطت مغشياً عليها و نُقلت إلي المستشفي القريب بعد صدمه نفسيه حاده ، فحبيب القلب غائب و لم يستدل عليه و لا يعلم أحد هل مازال علي قيد الحياه أم أنه فارقها مع الفارقين.

🔻علي رصيف المحطه و حالةُ من الهرج و المرج و الجثث المتفحمه هنا و هناك و رائحه الموت في كل مكان و رائحه الأجساد المشويه تملئ الأجواء و أطقم الإسعاف في كل مكان تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه و علاج من قُدر لهم الحياة من جديد ، و إذا بأحدهم يجد تليفوناً محمولاً علي الأرض ليلتقطه و في ثواني يحاول أحدهم الإتصال مجدداً بتليفون وليد فيرد من وجده ليبلغ والد وليد أنه وجد التليفون علي الأرض و حوله الجثث المتفحمه و الناس المحترقه وهو لا يدري من صاحبه.

🔻إزداد الأمر سوءاً و لم يتحمل والده الصدمه فيسقط من هولها مصاباً بأزمه قلبيه حاده ينقل علي اثرها إلي المستشفي سريعاً ، و يزداد الألم و الحسره والحزن علي أم وليد و تتعالي أصوات البكاء في الأرجاء فتنقسم العائله علي المستشفيات و يتجه بعض أفراد العائله إلي القاهره مسرعين بعد إتصالات أجروها مع ذويهم في القاهره للذهاب مباشرةً و محاولة إيجاد وليد علي رصيف محطة القطار.

🔻يصل أفراد من العائله إلي موقع الحادث و يحاولون الدخول و لكن في بادئ الأمر يمنعهم الأمن و لكن مع الإلحاح نجحوا في الدخول و يا ليتهم فشلوا فقد وجدوا أكثر من جثه تتشابه مع فقيدهم كما لم يعثروا عليه بين الأحياء، إذن وليد فارق الحياه و لكنهم رفضوا إبلاغ الأهل بما توصلوا إليه و تمر الساعات و الأمور أكثر سوءاً و الإنتظار يقتل الجميع حتي وصل من كانوا علي الطريق و معهم بعض المعلومات عن ملابسه فيجدوا احدي الجثث و عليها بقايا ملابس تشبه تلك التي أُبلغوا بها و لكن الوجه محترق ، و في هذه الأثناء نقلت الجثث إلي المشارح ، و ما هي إلا سويعات و تأكد الأمر بتحليل ال DNA من هوية وليد و أصبح الأمر محسوماً ، مات وليد الطبيب الشاب ، مات و هو يسعي لتحسين مستواه المادي و هو يحاول بناء أسره ، مات بعد سنواتٍ من العذاب في دراسه لا ترحم و عملٍ غير أدمي و راتب لا يناسب ما يقوم به أبداً .

🔻وصلت الأخبار المؤكده إلي والدته و التي كانت في المستشفي مع والده و قلبها منفطراً بين ابنها و زوجها ، و ما أن سمعت بخبر ابنها حتي انفجرت باكيه و لكنها حاولت التماسك و يبدو أن الساعات السابقه كانت قد هيأت لها الخبر و لو قليلاً، و أخذت تدعو الله له بالرحمه و كانت تعلم بأن والده مازال في مرحلة الخطر و عليها ألا تثقل عليه بخبرٍ كهذا ، و ما أن دخلت علي والد وليد حتي عرف الخبر من هيئتها و من فرط حزنها الذي كانت عليه مع محاولاتها إخفاء الخبر فصاح بها وليد مات أليس كذلك؟! فلم تستطع إخفاء الخبر فزاد الألم به مع صراخه و دموعه الأمر الذي أودي في لحظات بحياته لتسقط زوجته عليه في انهيار فقد مات شريك حياتها في نفس يوم فقدانها لإبنها ، مات السند و مات القلب !!.

🔻بالطبع هي قصه من خيالي و قد تكون بها أجزاء عايشه الأخرين ولا ندري و لكن المؤكد أننا عايشنا الترحال كثيراً كأطباء و المؤكد أنه واقع أليم عاشه الشعب بسبب إهمال بعض العمال و المسئولين في منظومه متهالكه في حادث إنفجار محطة رمسيس منذ أسابيع ، و لكن لا أخفي سراً فنحن كأطباء و غيرنا عشنا هذه اللحظات كثيراً من ترحال و سفر عبر القطارات شمالاً و جنوباً ومازلنا بسبب ضعف المرتبات الرهيب مع ساعات العمل الغير طبيعيه والتي لا تحترم هذه المهنه المقدسه أبداً ، فتخيلت نفسي في موقفٍ مثل هذا فلقد كنت أحفظ مواعيد القطارات عن ظهر قلب بسبب كثرة السفر للعمل الخاص ، و أيقنت أن الحياة قصيره مهما طالت لكن أن يكون موت المرء بسبب إهمال !! فتلك كارثه غير مقبوله و لكن لابد ألا نلقي الخطأ علي العمال فقط فهناك قصور هائل في صيانة القطارات مع اهمال جسيم في عوامل الأمان ما أدي إلي كارثه راح ضحيتها الكثير من الأرواحٍ البريئه التي تسعي للقمة عيشها بكل ما أوتيت من قوه.

🔻و بعد تعيين وزير جديد للنقل انتشرت حاله عامه من التفاؤل علي قدرة الوزير الجديد علي إحداث نقله و طفره في منظومه متهالكه ، فخطأ في هذه المنظومه يعني فقدان الكثير من الأرواح مجدداً فكم المواطنٍين الذين يستخدمون القطار يومياً يقدر بألاف الألاف .

💥رحم الله شهداء مصر مدنين كانوا أو عسكريين و حمي الله مصر و شعبها .

 

 

 

 

 

 

 

 

شاهد أيضاً

متلازمة اكتئاب الصباح

ما أن أشراقة فجره تلوح,, فتعطى نقصه من الطاقة و تجدد الحافز الممنوح,, و لكن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *