الخميس , أغسطس 22 2019
الرئيسية / منوعات / مدحت موريس يكتب : التائب

مدحت موريس يكتب : التائب

هى صحوة الضمير التى قادته لان يعترف امام الجميع بجرائمه وخطاياه، لم يهمه وقتها كيف سينظرون اليه او بماذا سيحكمون عليه. كان يدرك ان البعض منهم سيبالغ فى قسوته لدرجة ان يطالبون برأسه وان اكثرهم رحمة سيطالبون بسجنه سنوات قد تنهى حياته بمحبسه، لكنه مع هذا كان مستعداً لقبول اى حكم يحكمونه فقد سئم ان يعيش مخادعاً الجميع، من ان يحيا خائفاً من افتضاح امره…ولطالما اقتحمت الكوابيس عوالمه وهو مُطارد من الجميع يخشى لحظة الامساك به والقبض عليه. كان مستعداً تماماً لان يتقبل اى حكم فى سبيل ان يقبل من اخطأ فى حقهم توبته ويعلنون غفرانهم له….ومع هذا فانه لم يكن يتوقع تلك القسوة التى واجهها بل انه شعر ان الكثيرين من اهل المدينة كانوا ينظرون له بحقد وتشفى. رغم انه كان يدرك ان جرائم البعض منهم لم تكن تقل بأى حال من الاحوال عن جرائمه، لكنه لم يستطع ان يتكلم فقد قرر التوبة وعليه ان يتحمل بل واكثر من هذا فعليه الا يدين احداً. قرر ان يعترف بجرائمه الصغيرة اولاً فذهب تائباً الى اقاربه وجيرانه ممن خدعهم يوماً فى معاملاته التجارية معهم واعترف لهم بما فعل وبما اقترف فى حقهم، واجتمعوا جميعاً وتبادلوا الآراء ثم قرروا بأن عليه ان يعوضهم مالياً اولاً وكان هذا هو الجانب الاسهل من الحكم فلديه من المال الكثير ولو اقتصر الحكم على ان يفتدى نفسه بماله لهان الامر اما الجانب الاصعب من الحكم فكان ان يعمل لديهم ثلاثة اشهر بلا اجر، يأتمر بأمرهم ويعيش بينهم كعبد ذليل ولا يأكل من طعامهم او يشرب من شرابهم!!! تقبل حكمهم برضا وان كان تنفيذ الحكم اشبه بحكم بالاعدام وتحمل ما لا طاقة له به فى سبيل ان يُكفر عن افعاله لكنه على مدى تلك الاشهر لم يشعر بأنهم غفروا له، نفذ حكمهم كما رسموه وارتضى ان يعيش عبداً ذليلاً بينهم لكنه لم يبصر فى اعينهم الرضا…فقط شعر بشماتة قلوبهم ومهانة قلبه. ومضت اشهر الكفارة والمذلة وخرج من ارضهم لكنه تساءل كيف يمكنه ان يحيا بقية عمره فى تلك الديار؟ لقد كفر عن اعماله وجرائمه فى حقهم ودفع الثمن من امواله وحريته وايضاً من كرامته، لكن صعب عليه ان يحيا بقية عمره فى تلك الديار خاصة انهم – رغم انه دفع ثمن خطاياه- لم يظهروا اى بادرة غفران نحوه. سيرحل عن تلك الديار لكن عليه ان يستكمل مسيرة توبته اولاً ، فقد دفع ثمن توبته عن جرائمه الصغيرة والآن عليه ان يذهب الى قصر ملك المدينة لكى يعترف بجرائمه فى حق الملك عندما عمل فى قصره….تحسس رقبته فى خوف وهو يتخيل حكم الملك عليه وهو يعترف بعدم امانته وخيانته له عندما تولى مسئولية القصر ومخازن ملك المدينة، عندما اغراه بريق الذهب فسرق البعض منه، وعندما كلفه الملك بتوزيع مؤن الشتاء على الفقراء وزع بعضها واستولى على معظمها وباعها لحسابه و..و..و.. لم يستطع ان يحصى كل ما ارتكب من جرائم وخطايا….ان كانوا قد حكموا عليه بالمذلة والهوان من قبل فكم تساوى عقوبة خيانة الملك؟ استكون رقبته هى الثمن ام سيكون الملك رحيماً به فيقضى سنوات فى السجن ام لعله سيمضى سنوات فى خدمته بلا اجر، والاخيرة هى اهون عقوبة يمكن ان يحكم بها الملك. والاهم من هذا هل سيغفر له الملك بعد ان ينفذ العقوبة ام تراها عقوبة بلا غفران كسابقتها. وايا كان الحكم فانه سيغادر تلك البلاد فلن يستطيع العيش فيها ويكفيه بينه وبين نفسه انه قد تطهر من افعاله على ترابها. ثم جاءت اللحظة التى وقع فيها بين يدى الملك….لم يستطع ان ينظر الى وجه الملك اثقل الخزى رأسه فلم يستطع ان يرفعها ، تذكر افعاله لكن لسانه عصى عليه ان يلهج حرفاً واحداً وتحركت حنجرته فتحشرج صوته واختنق واراد ان يعترف ويعلن للملك توبته فانسابت دموعه متدفقة واعماله الرديئة تتجسد امام عينيه ركع على ركبتيه ورأسه منكسة في مذلة بقدر ثقل ذنوبه …تخيل ان الملك يتحرك..لا انه لا يتخيل فقد رأى الملك بالفعل وقد نهض من فوق عرشه، سيصدر حكمه ، سينادى الحراس ليقودونه الى مصيره. لكنه شعر بيد حانية على كتفه، يد الملك على كتفه يد الملك ترفع رأسه ، الملك يمسكه بكلتا يداه وينهضه….اتقبل توبتى ولم يقبلها الآخرون؟، استغفر لى ولم يغفر لى الناس؟……اخبرنى ايها الملك العظيم هل ستغفر لى؟ اخبرنى ايها الملك العظيم عن الثمن الذى ساتحمله لامحو خطاياى. ساد الصمت قبل أن يسمع صوت الملك العظيم حانياً قد قبلت توبتك الصادقة وغفرت لك خطاياك وجرائمك وسأقيمك فى قصرى بقية عمرك. عاد يصرخ والدموع مازالت تتدفق وما هو ثمن الغفران يا ملكنا العظيم…. اجابه الملك يكفينى ما اعطيتنى من دموع توبتك.

شاهد أيضاً

الأهرام تعزى الأستاذ أبو الحسن أبو الفضل لوفاة شقيقته

 تتقدم مؤسسة الأهرام وعنها الأستاذ نصر القوصى عضو  الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين المصرية بخالص التعازى  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *