الإثنين , يونيو 8 2020
رأفت جندى

البشير يحاكم دوليا

رأفت جندي

وافق السودان على مثول البشير امام محكمة العدل الدولية لاتهامه على الضلوع في الإبادة العرقية التي حدثت للافارقة السود في دارفور غرب السودان، ولم يحدث هذا لأن الحكومة السودانية تبحث عن حقوق المنكوبين في دارفور ولكن لكي ترفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

أسم دارفور مركب من كلمتين (دار + فور) وتعنى منزل قبيلة الفور الذين ليسوا من العرب وبشرتهم افريقية سوداء ويتكلمون لغات قبلية محلية. 

قدرت الأمم المتحدة أن عدد ضحايا دارفور أكثر من 250 ألف قتيل، والبعض يقول إنه لا يقل عن ضعف هذا العدد، واتهمت البشير بالتواطؤ مع القتلة وطلبت المحكمة الدولية الجنائية بتوقيف البشير لمحاكمته منذ عام 2008، ولم يمتثل ولهذا أيضا كان لا يستطيع البشير السفر لأي دولة تحترم العدالة الدولية.

انطلقت الحرب في دارفور في فبراير 2003 بين قبائل عربية وغير عربية ودعمت الحكومة السودانية العنصر العربي لأباده العنصر الأفريقي من غير العرب وانقل لكم صورة مصغرة لما حدث من خلال هذه القصة الحزينة المقبضة.

كان شاب فى اوائل الثلاثينات من عمره ومن تشاد، عندما أتى لعيادتي للمرة الأولى سألته مثل باقي المرضى الجدد عن كل أموره الشخصية مثل عمله الحالي، هل هو متزوج ام أعزب، أن كان يدخن أو يشرب الكحوليات، كم فنجان قهوة يشربها يوميا؟ … الخ. وإذا كان مهاجرا يكون أحد هذه الأسئلة عن عمله السابق قبل هجرته لكندا.

قال إنه خريج جامعي درس العلوم السياسية، وقبل حضوره لكندا كان يعمل في الأمم المتحدة في فرق الإنقاذ التي كانت تعمل من تشاد لكي ترصد الهاربين من مذابح دارفور لأغاثتهم العاجلة، وكانت قوات الحدود التشادية تتصل بهم عند رصدها للذين يدخلون الحدود التشاديه فيسارعون بالعربات لالتقاطهم من الصحاري الشاسعة واحضارهم لمعسكرات اللاجئين المقامة داخل الحدود التشادية.

كان الأفراد الناجون احيانا بعدد اصابع اليد الواحدة والذين استطاعوا الهروب من القرية الواحدة بأجمعها التي يقدر سكانها بعشرات المئات أو الألوف. كانت هذه العصابات تهجم على القري التي سكانها سود افريقيون وليسوا عربا وتقتل جميع السكان وتجمع ما يمكن حمله سواء من مواد أو حيوانات ثم تضرم النار في المنازل. كان هؤلاء الناجون الهاربون يحكون قصصا مرعبة بما شاهدوه أو رأوه ولكل منهم قصة مختلفة في الهروب.

بدأ مريضي عمله مع هذه الهيئة التابعة للأمم المتحدة كمتطوع لمدة 3 شهور، وتم تعيينه بعدها كموظف انقاذ بعد رضاء رؤساءه عن عمله ونشاطه. ذات يوم تلقت جماعته بلاغا من الحدود برؤيتهم لبعض الهاربين من دارفور من خلال المنظار حالما اخترقوا الحدود التشادية فأسرعت فرقة الإنقاذ لهم بالعربة، ووجدوا انها امرأة صغيرة السن ومعها ثلاثة من اطفالها استطاعت الهرب بهم تاركة كل اهلها خلفها من اب هرم وأم مقعدة لمصير القتل المحتوم. كان أصغر اطفالها طفل رضيع عمره 9 أشهر، هربت بهم من القرية تاركه القتل والحرق يعمل في القرية.

كان وقتها شهر يناير عام 2006 وكان جو الصحراء شديد البرودة. غطت الأم الطفل الرضيع بكل ما أمكنها من ثياب ولكن الجو ايضا كان قارس البرودة وكانوا جميعهم يرتجفون ولكن الطفل الرضيع اكثرهم، فعمدت الأم إلى حفر حفرة له في الرمال وغطته بالرمال حتى رقبته وجلست بجواره تنتظر أن يأتي أحد لمغيثتهم.

دثرت فرقة الإنقاذ العائلة بالبطاطين واعطتهم طعاما وشرابا ونقلتهم بالعربة، واخرجوا الرضيع من وسط الرمال ولكن وجدوه يحتضر ولم يوجد معه أي تغطئة أو تدفئة أو أكل أو شرب وعند وصلوهم للمعسكر كان جثة هامدة وأبلغهم الأطباء بانه قد فارق الحياة.

كانت تعمل معه في فرقة الإنقاذ شابة أسترالية لم تستطع أن تتحمل ما رأته وانتابتها حالة اكتئاب شديدة من هذه الحالة بالذات ولم تستطع العمل بعدها وطلبت إعفائها من وظيفتها وسافرت عائدة لبلدها.

عزيزي القارئ آسف لنقلي هذه القصة الحزينة المقبضة، ولكن محاكمة البشير دوليا قد تكون عبرة لأمثاله. 

شاهد أيضاً

د. عاطف المصري

بدون تطبيل

سبق وعلمنا أن القياده السياسيه رصدت مبلغ مائة مليار جنيها لأزمة كورونا و ظلت تنادي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *