الإثنين , يونيو 1 2020
مدحت موريس
مدحت موريس

الحافلة

الحافلة تواصل مسيرتها، تجتاز كل الطرق – حتى الواعر منها – تخترق ظلام الليل، لا تبالى بالرعود والبروق بل تقاوم غزارة الأمطار التى أعاقت الأعين عن تبين الطريق . لكن ركاب الحافلة هادئون…مطمئنون لأنهم واثقون من قدرات قائد الحافلة الذى طالما قادهم – وحافلتهم – عبر كل الطرق فى رحلات كثيرة انتهت بسلام وأمان. تهتز الحافلة فيتمايل بعض ركابها ويفقد البعض الآخر اتزانه للحظات، ثم تعود الأمور الى حالها مع انتظامها فى سيرها…تتوقف الحافلة فى احدى المحطات يغادرها أحدهم – متردداً – ينظر نحو القائد ليتأكد أنها بالفعل محطة وصوله ثم يغادر الحافلة…فالقائد يعرف أكثر، يحفظ الطريق عن ظهر قلب.

يزداد الطريق وعورة، تتعدد انحناءاته، يتلوى كثعبان يحمل فى كل طرف رأساً فلا تتبين بدايته من نهايته، ولا تدرى ان كان يدنو منك أوأنه يبتعد عنك . تزداد وحشة الظلام فى نفوس الركاب ويفقد البعض صبره بعدما فارقهم الشعور بالأمان….يلتفت قائد الحافلة نحوهم يبتسم فى هدوء ويخفض من سرعته فتعود الطمأنينة – فى خجل – الى نفوسهم. طويل هو الليل اذا ما شعر به المسافر فما يراه بأحاسيسه ومشاعره أكثر مما يراه بعينيه…والحافلة تتوقف ثانياً !!! بغير محطة وصول تتوقف الحافلة… يحاول ركابها معرفة سبب التوقف…ينظرون – كالعادة- نحو قائدها، يلتمسون منه نظرة أو لمحة تخبرهم أن كل شىء على ما يرام…لكنه مشغول عنهم هكذا اعتقدوا وهم يرونه يحدق بعينيه بعيداً فى أعماق ظلام الطريق، ينهض فجأة، يغادر مقعد القيادة ويهبط مغادراً الحافلة. العيون تتعلق بالقائد تتساءل عن سر مغادرته الحافلة، ينظر أحدهم الى ساعته فى غضب فهو يكره أن يتأخر عن مواعيده الهامة…تتضح الرؤية أخيراً أمامهم وهم يرون قائد الحافلة يحاول ازاحة حجراً ضخماً يعترض الطريق…لماذا يفعل هذا وحده؟ تساءل أحدهم، فلنذهب لمعاونته..قالها الجالس فى المقعد الأمامى وهو يهم بفتح باب الحافلة…لكنه توقف فجأة عن الكلام بل وعن الحركة، تجمد فى مكانه للحظات ثم ارتد بسرعة الى الخلف وبريق الرعب يغمر عينيه…ارتفعت الرؤوس من كل أنحاء الحافلة تتسع العيون وتنتقل النظرات المرتعبة من عين الى عين وترتفع همهمات وشهقات الخوف من كل راكبى الحافلة وهم يرون وجهاً غريباً شيطانياً يحاول فى اصرار فتح باب الحافلة…تتجه العيون تلقائياً نحو القائد فهو وحده القادر على حمايتهم لكن المشهد يزداد قتامة ورعباً عليهم وهم يرون حشداً من اللصوص وقاطعى الطريق يحاصرون القائد….لم ينالوا منه بعد..لن يدعهم يتمكنون من الوصول الينا….قد فعل حسناً باغلاقه الحافلة..قالها أحدهم وهو يحاول أن يطمئن نفسه….الفشل كان مصير محاولة اقتحام الحافلة….ظل راكبوها فى أمان…بينما اقتاد اللصوص قائدها الى حيث لا يدرى أحد….تعلقت العيون بالقائد والحزن يغمرها هذه المرة….واللصوص يأخدونه بعيداً…ويجرون جسده على الأرض الواعرة. تحمس أحدهم واستطاع أن يفتح باب الحافلة…نزل منها وهو يصيح…أتركوه أيها الأوغاد..ولم يعرف ان كان سمعه أحد…بينما تشجع راكب آخر وأراد أن يتتبعهم فمشى عدة خطوات ثم توقف وعاد الى الحافلة ملتمساً الأمان…مازال باب الحافلة مفتوحاً…فتسللت برودة الليل الى الداخل لتلتقى مع برودة الخوف وتتجمد الدماء فى العروق. يمضى الوقت ثقيلاً والسكون سيد الموقف..لا يجد أحد ما يقوله فالمشهد أكبر من أن تحتويه كلمات….تختلط المشاعر الحزينة فلا أحد يعرف على وجه اليقين حقيقة مشاعره الحزينة أحزن على القائد؟ أم هو حزن على مصير مجهول بعد غياب القائد؟ ثم يرتفع صوت من منتصف الحافلة…الا يوجد بيننا من يقود الحافلة؟ …طالعه البعض بغضب واستنكار..بينما تساءل بعض أخر على استحياء…ولم لا ؟ أما البعض الأخير فاستكان فى يأس مسلماً أمره للقدر وفى النهاية لم يقترب احد من عجلة القيادة…ولم تتحرك الحافلة بعد غياب قائدها. غفلت العيون ارهاقاً وحزناً ومازالت البرودة تسرى داخل الحافلة رغم اغلاق بابها مرة أخرى…ثم تتسلل وتتمكن من أجساد ونفوس الجميع.. ومع هذا يحاول البعض النوم ثم بعد دقائق يفيق ويتمنى من داخله ان يكون كل ما يراه ويعيشه الآن هو مجرد كابوس.

مع خيوط الفجر الأولى يتنبه الجميع لصوت باب الحافلة وهو يُفتح…ارتفعت الرؤوس بين الامل والهلع تعاين فى قلق…ثم اطل عليهم وجه يعرفونه جيداً…وجه بدد باشراقته ظلام الليل…وجه القائد المشرق دائماً…لكنه الآن يبدو أكثر اشراقاً رغم بقايا الدماء التى سالت على وجهه….دقت القلوب بفرح غير مسبوق..فهموا انه قد حطم شوكة اللصوص،ادركوا ان الوجه الشيطانى الذى حاول اقتحام الحافلة لم يعد له قوة او سلطان عليهم ، غمرهم الخجل للحظات لعدم ثقتهم فى قائدهم وتشككهم فى قدرته قبل ان تنهمر دموع السعادة بعد النجاة….عاد القائد الى مقعد القيادة بعد ان توقفت الحافلة فى لحظات فاصلة، أدار المحرك وانطلق بها وبراكبيها، صار الطريق أكثر سلاسة…فلم يعد للخوف مكاناً بين راكبى الحافلة….لم يعد الطريق موحشاً لم يشعر احد بالخوف فقد تبدد الظلام ….ولم يعد هناك ليل.

شاهد أيضاً

40 سنة حب

كنت كأي شاب في المرحلة الثانوية، يشغل تفكيري ممارسة كرة القدم مع أصدقاء من الكنيسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *