الإثنين , يونيو 1 2020
مدحت موريس
مدحت موريس

راقصة الباليه

كانت كالفراشة بألوانها الزاهيه الرائعة تطير وتتنقل فى خفة ورشاقة ، وكنت أنا هناك ضمن جمع كبير من الشباب الراغبين فى مراقصة تلك الحسناء الرشيقة دائمة الشباب.
كنت أذهب إليها كل يوم متعمداً ارتداء ملابس تظهر رشاقتى وقوامى الفارع واللائق براقص باليه محترف يشاركها رقصاتها اليومية.
كانت المنافسة كبيرة بينى وبين آخرين وكنت أنتظر اليوم الذى تقع نظراتها فيه علىّ فاكون وحدى اختيارها …وحتى عندما كان يقع إختيارها على أحد غيرى لم يكن الإحباط يصيبنى بل كان يزداد أملي فى الغد.
كنت أشاهدها كل يوم ومعها الراقص الجديد وأتابع التابلوهات مركزاً عينى عليه لكى أرصد أخطائه وأتجنبها مستقبلاً عندما أصير انا الراقص والفارس الجديد …حتى اتى اليوم الذى كنت انتظره اخيراً…اتى بكل آمالى واحلامى.
أتى اليوم الموعود ، يوم تاريخى فى حياتى … أنا الفارس أنا البطل الجديد.. أنا راقص الباليه الأول ، أخبرتني أنها لاحظتنى منذ اليوم الاول لحضورى ، وأنها توسمت فىّ مواهب رائعة ولكنها تعمدت التأخر فى إختيارى كبطل امامها حتى يكتمل نضوجى تماماً.
هكذا قالت لي وهكذا ايضاً صدقت انا حديثها بل وكنت سعيداً بكلماتها وبحكمتها. بدأنا البروفات اليوميه كانت رشاقتها وخفتها لا تخطر على بال. متألقه فى حسنها ، حاولت بقدر المستطاع ألا يعطلنى إنبهارى بها عن أدائي كراقص أمامها ، وفى المقابل كانت هى ايضاً تتابعنى دونما اى انبهار بغرض رفع قدراتى بل وكانت كثيراً توقف ” البروفة ” لكى توجهنى فى تحركاتى أو تنصحنى فى كيفيه تبديل أوضاعى الجسديه بما يعطيني الحرية فى الحركة التالية.
واقع الأمرأننى إستفدت من كل ملحوظة قالتها وفى نفس الوقت أبديت دهشتي لخبرتها الكبيرة اذا ما قورنت تلك الخبرة بعمرها القصير.
بدأت أستوعب كل شئ.. كانت حركاتى تتسم بالمرونة والرشاقه ، كنت أتلقفها بين يدى وجسدها ممشوق فى إعتدال وأرفعها لأعلى فى سهوله ويسر حتى تصل لحاله ثبات فى نهاية اللوحة الراقصة ونظل على هذه الحالة ثلاثة دقائق أو أكثر. شعرت بإعجابها بى يزداد كل يوم بدا هذا فى نظراتها وتقديرها لى ، وفى كلمات الإعجاب التى انهالت علىّ بعد كل بروفة ومع بداية العروض اليومية.
كان يوم الافتتاح أسطورياً بالنسبة لى وأعجبها إلى حد كبير ثباتى وعدم إرتباكى.. تألقت كما لم اتألق من قبل. كنت بحق فارس بمعنى الكلمة وفى نهاية العرض إلتهبت أيدى الجماهير بالتصفيق لمدة طويلة.

أسدل الستار وكانت سعادتى لا توصف-أما هى- فعانقتنى فى حب كبير وهنأتنى وبصورة عملية ضاعفت من أجرى وبدأت فى الإغداق علىّ حتى أننى لم أكد أطلب أو أتمنى شيئاً الا ووجدته أمامى
وتوالت العروض ودارت الأيام والأعوام وأنا أتنقل من نجاح لأخر اكثر ابهاراً..
وكانت ” دنيا” –وهذا هو إسمها- تشاركني كل لحظه من لحظات نجاحى وزاد ارتباطنا إلى حد كبير جدا بل حتى اثناء نومى كانت بطلة لكل احلامى.
ومع مرور الأيام التى تأبى إلا أن تترك آثارها علينا بدأت أشعر بأمور لم أشعر بها من قبل. لم تعد تحركاتى كما كانت.. لم تعد رشاقتى كما كانت من قبل وللاسف لم تعد دنيا كما كانت معى من قبل.
كانت دنيا فى البداية تحاول أن تساعدنى لكى تصحح أخطائى التي نجمت عن ثقل وزنى وتقدم عمري لكن رويداً رويداً صارت اقل صبراً على اخطائى بل وبدأ الغضب يظهر على ملامحها ولم تشفع لى نجاحاتى السابقة وتألقى الذى كان. طلبت منها اجازة قصيرة اجدد فيها نشاطى وابتعد فيها عن عناء التدريبات لا سيما فى فترة توقف العروض اليومية فلم تمانع بل ووافقت على الفور.
مكثت فترة لأستريح من عناء الأعوام السابقه لعلني أعود متجدد النشاط….. لكن لفت نظرى أن دنيا لم تعد تسأل عنى حتى من باب العلاقة الإنسانية. وتيقنت أنها فيما يبدو ذهبت للإستجمام فى بلد آخر بعيد خلال فترة الأجازة و لكنى قبل يوم واحد من نهاية اجازتى حاولت الاتصال بها عدة مرات لكن لا من مجيب… فيظل رنين الهاتف يخترق أذني إلى أن ينقطع ، فى اليوم التالي ذهبت إلى المسرح فوجدت زحاماً شديداً من الشباب!! نفس المشهد القديم و ” دنيا ” المتألقة على الدوام جالسه فى كبرياء تختار بطلاً جديدا !!!!!ً

عندما رأتنى نهضت وصافحتنى فى احترام واعزاز ، ودعتني للجلوس لكن يدها التى دعتنى للجلوس كانت تشير لمكان آخر. … فى الصفوف الخلفية.. تلك المنطقة المعتمة التى لم أكن أرى أو أحدد الجالسين فيها أثناء عملى على المسرح.
وهناك- فى الصفوف الخلفية – جلست بينهم – وجوه متعددة من مختلف الأعمار تعرفت على بعضهم وكانوا نجوم العروض الأولى حينما كنت أنا ضمن الشباب المتقدمين للعمل. أما البعض الآخر فلم أستطع التعرف عليهم ويبدو أنهم كانوا نجوماً يوم كنت أنا طفلاً صغيرا.
غمرنى الإحباط وأنا أجلس لأشاهد غيرى يفعل ما كنت أفعله بالأمس ولا أستطيع القيام به اليوم
أقبل أحدهم نحوى- عجوز يناهز السبعين – مبتسماً قال لى وهو يصافحني ” لقد كنت رائعاً طوال الموسم الفائت عموماً مرحباً بك بيننا” “
إستوقفتنى كلماته فأستوقفته هو شخصياً وسألته عما يقصد؟ اتقصد أن مكانى سيظل هنا؟فى الصفوف الخلفيه المعتمه؟
قال وهو يبتسم فى اشفاق” ألم تدرك ذلك بعد؟ إن لكل زمان رجاله… وزمانك يا عزيزي قد ولى وفات.
… هززت رأسى وانا احاول التظاهر بتقبل الصدمة قائلاً نعم نعم.. إن عوامل السن والرشاقة تلعب دورها ولكن.. لماذا هى دائمة الرشاقه.. دائمة الشباب.. نظر فى دهشة وأجابني لأنها… لانها هى وحدها…الدنيا.. الدنيا التى تضمنا جميعا…..اما انا ففى مرارة ابتسمت بعدما أيقنت انه من الصعب بل من المستحيل أن أحيا بقيه عمرى واقفا على أطراف قدمىّ.

شاهد أيضاً

40 سنة حب

كنت كأي شاب في المرحلة الثانوية، يشغل تفكيري ممارسة كرة القدم مع أصدقاء من الكنيسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *