الثلاثاء , أكتوبر 27 2020
دبابة

أكتوبر ١٩٧٣ نماذج من العطاء وتربية الانتماء ، وقصة حصار موقع كبريت

بقلم المهندس محمد عبد السميع

قصة حصار موقع كبريت

الحلقة (الأولى)

أثناء بحث الخطط المقترحة لعبور قناة السويس فى يناير ١٩٧٢ ، صدر قرار القيادة العامة بإنشاء اللواء ۱۳۰ الذي أطلق عليه اسم مشاة الأسطول في بادئ الأمر ، وقبل حرب أكتوبر بفترة قصيرة تقرر تغيير اسمه ليصبح اللواء . ۱۳۰ المشاة الميكانيكي البرمائي .

وكان الغرض من إنشائه هو إيجاد قوة مشاة ميكانيكية لديها القدرة على التحرك بمركباتها البرمائية سواء عبر الأراضي أو عبر المسطحات المائية المحدودة ، مثل البحيرات التي تقع على مجرى قناة السويس ( بحيرة التمساح والبحيرات المرة الكبرى والصغرى ) أو مثل خليج السويس ، بغرض مفاجأة العدو في عمق دفاعاته لشل مراكز قيادته وتعطيل تقدم احتياطياته التعبوية .

وقد تم في الأشهر الأولى من عام ۱۹۷۲ تشكيل اللواء ۱۳۰ البرمائي في منطقة العامرية بالإسكندرية بعد أن اختير لقيادته العقيد أ.ح#محمود_شعيب ، وكان يتكون من كتيبتي مشاة ميكانيكيتين اختير أفرادهما من قوات الصاعقة ، وأطلق عليهما اسم الكتيبة ٦٠٢ ، وتولى قيادتها المقدم أ.ح. #محمود_سالم ، والكتيبة ٦٠٣ وتولى قيادتها المقدم #إبراهيم_عبد_التواب ، علاوة على باقي وحدات الدعم الخاصة باللواء والتي كان من أهمها كتيبة دبابات برمائية من طرازت ٧٦ وكتيبة مقذوفات صاروخية موجهة مضادة للدبابات (مالوتکا) وكتيبة مضادة للطائرات وكتيبة هاون ۱۲۰ م .

وقد زودت كل كتيبة مشاة ميكانيكية بعدد ٤٠ مركبة مدرعة برمائية من طراز (توباز) لنقل أفراد الكتيبة . وفي أواخر سبتمبر عام ١٩٧٣ ، تم نقل اللواء ۱۳۰ من العامرية إلى منطقة القناة حيث تمركز في معسكر حبیب الله شمال غرب مدينة السويس . وأسندت إلى الكتيبتين ٦٠٢ و ٦٠٣ بعد تدعم كل منهما بعدد ۱۰ دبابات برمائية ت ٧٦ من كتيبة دبابات اللواء ، مهمة عبور البحيرة المرة الصغرى يوم ٦ أكتوبر ۱۹۷۳ فور بدء التمهيد النيراني للمدفعية من نقطة عبور كانت تقع جنوب کبریت بحوالي ۲ کم ، على أن تدفع الكتيبة ٦٠٢ على الطريق المؤدي إلى مضيق الجدي ، وأن تدفع الكتيبة ٦٠٣ على الطريق المؤدي إلي مضيق متلا ، بغرض الاستيلاء على المدخلين الغربيين للمضيقين ، وبذا يتم تأخير وصول الاحتياطي التعبوي للعدو حتى صباح يوم ٧ أكتوبر ، أي بعد ضمان إتمام إقامة المهندسين العسكريين المصريين للكباري والمعديات على القناة وعبور الألوية المدرعة للانضمام إلى الفرق المشاة الملحقة بها ، وبذا تكون الفرق المشاة الخمس جاهزة لصد أي هجوم مضاد تعبوي للعدو .

وفي التوقيت المحدد عبرت الكتيبة ٦٠٢ البحيرة المرة ، وتبعتها في العبور الكتيبة ٦٠٣ ، ولكن الكتيبتين فقدتا خلال العبور جانبا من قوتهما ، إذ إن بعض الدبابات ت ٧٦ والعربات المدرعة توباز وبعض العربات من طراز بردم غرزت في قاع البحيرة .

فقد اتضح أثناء العبور أنها ضحلة وموحلة ، وذات تربة هلامية ، مما أدى إلى أن تسير العربات المدرعة والدبابات على جنازيرها عبر البحيرة عدا الممر الملاحي الأصلي لقناة السويس في وسط البحيرة .

وقامت جماعة من مهندسي اللواء ۱۳۰ بفتح ثغرة في حقل الألغام الذي اكتشف على الشاطئ الشرقي للبحيرة . وعقب اشتباك قصير بالنيران مع العدو من اتجاه حصن کبریت شرق ( حصن بوتزر الإسرائيلي من حصون خط بارليف ) تقدمت الكتيبة ٦٠٢ إلى الطريق المؤدي إلى مضيق الجدي وفقا للخطة الموضوعة ، ولم تكد تقطع ۱۰ کم من الطريق – وكان آخر ضوء قد حل – حتى اصطدمت بكتيبة مدرعة إسرائيلية قادمة من مضيق الجدي من لواء العقيد دان شمرون الذي كان مسئولا عن القطاع الجنوبي .

ودارت معركة عنيفة غير متكافئة في الظلام استخدمت فيها الدبابات الإسرائيلية من طراز ام ٤٨ أشعة النور الباهر ونیران مدافعها من عیار ۱۰۵ مم ، وعجزت الكتيبة ٦٠٢ مدافع دباباتها من عيار ٧٦ مم وصواريخ المالوتکا التي يصعب توجيهها في الظلام وعرباتها المدرعة الخفيفة التدريع عن مجابهة هذه القوة المدرعة المتفوقة عليها تفوقا ساحقا . وانتهت المعركة التي وضعت لها هيئة العمليات بالمركز ۱۰ أسوأ تخطيط ممكن – كما هو متوقع – بتدمیر جميع الدبابات والمركبات المدرعة بالكتيبة ٦٠٢ رغم المقاومة الباسلة التي أظهرها أفرادها . وعاد أفراد الكتيبة الذين نجوا من المعركة مترجلين وعلى دفعات طوال ثلاثة أيام ، إلى حيث انضموا على رأس كوبري الفرقة ٧ مشاة ، فصدرت التعليمات بإعادة تجميع الكتيبة في معسكر حبیب الله غرب القناة .

تحرير #موقع_كبريت. 


لم تسنح الفرصة للكتيبة ٦٠٣ التي كان يتولى قيادتها المقدم #إبراهيم_عبد_التواب للتقدم على طريق الشط – متلا وفقا للمهمة المسندة إليها ، إذ لم تكد تعبر البحيرة المرة خلف الكتيبة ٦٠٢ وتصل إلى الشاطئ الشرقي في حوالي الساعة الرابعة والنصف مساء وتتجمع خارج حقل الألغام ، حتی دارت معركة عنيفة بينها وبين سرية دبابات إسرائيلية كانت متقدمة من اتجاه کبریت شرق ، وقامت بمعاونة الكتيبة سرية مقذوفات صاروخية (مالوتگا) من الفرقة ٧ مشاة كانت قد فتحت على الشاطئ الشرقى للبحيرة ، مما ادى الى تدمير دبابتين للعدو وثلاث مرکبات صاروخية مضادة للدبابات ، وانسحبت السرية المدرعة الإسرائيلية في اتجاه الشرق .

وصدرت التعليمات للكتيبة ٦٠٣ بالبقاء في موقعها والدفاع عن رأس الشاطئ الذي تحتله نظرا لإلغاء المهمة التي كانت مسندة إليها وهيا الاستيلاء على المدخل الغربي لمضيق متلا ، بعد أن أدرك المسئولون في هيئة العمليات بالمركز ۱۰ حقيقة المأساة التي حاقت بالكتيبة ٦٠٢ نتيجة لخطأ قرارهم وسوء تقديرهم مما جعلهم يسندون إلى كتيبة مشاة ميكانيكية هذه المهمة التي كان من المستحيل عليها تنفيذها ولم ينتج عنها سوی دمار الكتيبة . وفي حوالي الساعة التاسعة صباحا يوم ٩ أكتوبر ، بدأ تحرك الكتيبة ٦٠٣ شمالا بحذاء شاطئ البحيرة المرة الصغرى لتنفيذ المهمة الجديدة التي أسندت إليها بعد تدعيمها بسرية دبابات من اللواء ۲۵ المدرع ، وهي الاستيلاء على الحصن الإسرائيلي بوتزر (كبريت شرق) . وكان هذا الحصن قد تم لحاميته الإسرائيلية إخلاؤه مساء يوم ٨ أكتوبر ، بعد أن تلقي العقيد دان شمرون قائد اللواء المدرع بالقطاع الجنوبي تصديق رئيسه الجنرال إبراهام ماندلر على إخلاء بعض حصون خط بارليف في قطاعه ، ومن ضمنها حصن بوتزر(كبريت) . 


وفي الساعة الواحدة إلا الربع ظهرا قامت الكتيبة ٦٠٣ باحتلال حصن كبريت دون قتال ، ولكن بعد أن انفجرت دبابة وعربة مدرعة لتورطهما في حقل الألغام الذي كان يحيط بالموقع ، وتم رفع العلم المصري على الحصن. وقبض على فردين على مقربة من الحصن اتضح أنهما تابعان لهيئة الرقابة الدولية فأخلى سبيلهما .

وعثرت الكتيبة داخل الموقع على كميات كبيرة من الذخائر والمعلبات المحفوظة لم يتسع الوقت للحامية الإسرائيلية لسحبها معها أو تدميرها . وقد بادر المقدم إبراهيم عبد التواب بطلب كميات كبيرة من التعيينات والمياه والذخائر من منطقة الشئون الإدارية للواء بمعسكر حبيب الله ، الذي كان يقع على الضفة الغربية للبحيرة على بعد حوالي ٨ كم من الشاطئ وفي مواجهة موقع کبریت تماما . 


وكانت وسيلة الاتصال المنتظمة بين منطقة الشئون الإدارية في الغرب وموقع کبریت في الشرق هي استخدام العربات حتى الشاطئ الغربي للبحيرة ثم عبورها باستخدام القوارب المطاطية (زودياك). وطلب المقدم إبراهيم عبد التواب أيضا كمية كبيرة من الألغام وأمر بعمل نطاق خارجي غير محدد من الألغام حول نطاق الألغام الإسرائيلي الذي كان يحيط بالموقع . وكان لهذا الحقل من الألغام الذي بلغ عمقه حوالي ٣٠٠ متر فائدة كبرى كما اتضح فيما بعد . 


وفي الساعة الواحدة بعد ظهر يوم ١٣ أكتوبر ، أصدر اللواء #عبد_المنعم_واصل قائد الجيش الثالث أوامره إلى قيادة اللواء ۱۳۰ الميكانيكي البرمائي ، التي كانت موجودة في مقر قيادة الجيش الثالث منذ بدء العمليات في ٦ أكتوبر ، لأن تنضم إلى موقع الكتيبة ٦٠٣ في موقع کبریت وأن يخرج اللواء ۱۳۰ المشاة الميكانيكي البرمائي من تحت قيادة الجيش الثالث ليوضع تحت قيادة العميد أ.ح #أحمد_بدوي قائد الفرقة ٧ مشاة ، وأن يسحب من موقع کبریت ۱۰ عربات مدرعة توباز بسائقيها لتنضم إلى الفرقة ٧ مشاة ، وأن تنقل بقايا الكتيبة ٦٠٢ تحت قيادة المقدم أ.ح محمود سالم من معسكر حبيب الله إلى مطار کبریت ( غرب البحيرة ) ، وأن يسند إلى هذه الكتيبة مهمة الدفاع عن مطار كبريت . وفي يوم ١٤ أكتوبر تم انتقال العقيد أ.ح #محمود_شعيب قائد اللواء وضباط قيادته إلى موقع کبریت ، وأرسل رئيس إشارة الفرقة ٧ مشاة عربة لاسلكي إلى الموقع لإدخال قيادة اللواء ۱۳۰ على الشبكة اللاسلكية للفرقة . 


وفي نفس اليوم قدمت من معسكر اللواء بالعامرية بالإسكندرية كتيبة الهاون ۱۲۰ م وسرية المهندسين ، وانضمتا إلى موقع کبریت . وأمر قائد اللواء باحتلال كتيبة الهاون موقعا غرب البحيرة لمعاونة دفاعات كبريت بالنيران بعد أن احتفظ بسرية منها ضمن الدفاعات الأمامية لموقع کبریت .

وأثناء وجود العقيد أ.ح محمود شعيب في قيادة الفرقة ٧ مشاة بعد الظهر يوم ١٦ أكتوبر ، استمع إلى محادثة هاتفية أبلغ خلالها اللواء عبد المنعم واصل قائد الجيش الثالث العميد أحمد بدوي بعبور القوات الإسرائيلية إلى الضفة الغربية للقناة، وطلب منه الاهتمام بتأمين الجنب الأيسر للفرقة الذي هو نفس الوقت الجناح الأيسر للجيش الثالث. وفي يوم ١٧ أكتوبر مر تشكيل اللواء ٢٥ المدرع المستقل من أمام موقع کبریت تتقدمه زوبعة هائلة من الغبار ، بعد أن تم دفعه في الصباح من رأس كوبري الفرقة ٧ ليتحرك شمالا بحذاء البحيرة المرة الكبرى ، بمهمة تصفية ثغرة الاختراق الإسرائيلية من ناحية الشرق ، وهي المهمة المؤسفة التي تم تخطيطها بأسلوب خاطي في المركز ۱۰ ، والتى أدت الى تدمير هذا اللواء بعد بضع ساعات على أثر وقوعه فى كمين إسرائيلى. وقد لجأ الى موقع كبريت عقب تدمير اللواء ١٠ دبابات (تى٦٢) و ٧ عربات مدرعة (ب ك) و١٨٠ ضابط وجندى من كتيبة المشاة الميكانيكية التابعة للواء ٢٥ مدرع ، وفى يوم ١٩ أكتوبر وصل رئيس اركان الجيش الثالث للموقع وأمر بسحب سرية دبابات التى سبق تدعيم الكتيبة ٦٠٣ بها يوم ٩ أكتوبر وترك بدلا منها ١٠ دبابات التى التجأت الى موقع كبريت بعد معركة اللواء ٢٥ نظرا لسوء حالتها وعجز بعض جنازيرها عن الحركة ، ولذا استخدمت هذه الدبابات فى الموقع على انها مدافع مضادة للدبابات ، خاصة وقد كانت مدافعها من عيار ١١٥ مم للاستفادة من قوة نيرانها وبعد مرماها …
الى لقاء آخر كيف ضرب الحصار حول قوة كبريت ..

شاهد أيضاً

جمال يوسف ونجلاء باخوم وقصة الصعود

بقلم عبد الستار عبد الرحيم جاء الي قرية المريس قادما من المنيا في الثمانينيات ضمن …

تعليق واحد

  1. كل الشكر والتقدير للمهندس محمد على هذا الطرح الرائع الموثق الذى يربى ويعلم ابناء الجيل الحالى معنى الانتماء والعطاء للوطن فى ظل غياب معانى الانتماء .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *