الثلاثاء , أكتوبر 27 2020
ماجد سوس،

أمن الوطن يا خلق

 لا يتوقف القلم الحر طالما الكاتب قلبه مازال ينبض ومازال ذهنه يطلق العنان لأفكاره وطالما يحركه ضميره المستيقظ الحي الذي لا يبيعه مهما كان الثمن، لا ينجرف وراء تياراً بعينه ولا يوجه قلمه نحو صدر فريق ضد آخر، لا يُستقطب ولا يُزايَد عليه من أحد ما ولا ينضم إلى صفوف قضاة تفتيش النفوس المنتشرين هذه الأيام على وسائل التواصل الاجتماعي.

ما يحدث الآن في المجتمع المصري لهو أمر مؤسف لم نره من قبل سواء في الأوساط الاجتماعية، السياسية أو حتى الدينية فالبعض يتصيد أخطاء البعض الآخر وينشرها دون تحقق لمجرد فضح الآخر والتشهير به . ازداد الكاذبون ، ازداد المتآمرون ، ازداد الجهلاء مُدّعو العلم والمعرفة . ظهر من يتاجر بالإيمان وهو لم يعرف الله بعد . ظهر من يتاجر بالعلم وهو لم يقرأ كتاباً بعد . ظهر من يطعن في أعراض الناس وهو من يتحرش بهم مساءا في الخفاء .

ظهرت فرق ولجان إلكترونية تتصيد أخطاء الشرفاء وتلوث سمعتهم . وظهرت صفحات تنقاد لفكر لم يقرأوا عنه شيئاً بل اعتنقوه ثقة في قائله ليس أكثر دون بحث أو تمحيص، متناسين قول الكتاب :”فتشوا الكتب” ! وفوق هذا يتهمون من يخالفهم هذا الفكر بالكفر والهرطقة والابتداع، يُخيل لهم أنه يملكون الحقيقة المطلقة وهم في هذا إما مغيّبون أو متغيّبون . فلا أحد يمكنه أن يدّعي هذا ، فالحق المطلق هو الله أما أنا وأنت ما نملكه من فكر واعتقاد هو صوابٌ يحتمل الخطأ ويحتمل الصواب.

كمجتمع، نعم قد تختلف أيديولوجيتنا لما لا ، قد تختلف معتقداتنا، توجهاتنا أو حتى أولويات أهدافنا ولكن هناك أمور لا تقبل الاختلاف هي إنسانيتنا، وطنيتنا، تعايشنا السلمي، احترامنا لبعضنا البعض ، رُقي حواراتنا . دعني أتكلم معك بكل صراحة فكل إنسان في هذه الدنيا دينه ومعتقده أغلى ما يملك وبأكثر صراحة دعنا لا نلملم جراحتنا بل نعالجها .

أقول هذا لأن التلاسن والتناحر امتد في كل اتجاه في المجتمع ، بين الساسة، بين أصحاب الأديان ، بين افراد كل الطائفة داحل كل ديانة بل قد تتعجب حين ترى الخلافات تدب داخل الطائفة الواحدة ، على أن أخطر الحروب هي الإلكترونية التي تصدر عن أناس متعصبين متشنجين وهو أمر خطير وناقوس خطر يمس الأمن القومي وهدم أساسات المجتمع، فكم من حروب اشتعلت من شرر بسيط هنا أو هناك فقد تبدأ حرب من مجرد ترحم مسلم على متوفي مسيحي فتجد نفسك فجأة أمام حرب شرسة وتراشق بين الأديان واذدراءها.

أتذكر يوما كنت في احتفال للعرب الأمريكيين في جنوب كاليفورنيا .أثناء مروري بين الخيام المنصوبة لبيع التذكارات والملابس العربية وجدث من يعطيني إنجيل كهدية مجانية بعدها مباشرة وجدت من يعطيني قرآن كهدية مجانية وفرحت بهذا المشهد الراقي وقلت في نفسي هذه هي الحرية الحقيقية والقدوة لأولادنا في احترام الآخر إلا أن فرحتي لم تدم طويلا ففي منتصف اليوم فوجئت بأصوات سيارات الشرطة تتداخل مع أصوات مشاجرة بالأيد والألسن بين مجموعة من العرب تعود إلى أن بعض المسيحيين والمسلمين وجدوا مجموعة من الأناجيل والمصاحف ملقى بهم في سلة المهملات . منع البوليس بيع هذه الكتب وطلب من المتشاجرين التصالح وإلا سيقبض عليهم .

وجدت نفسي أطلب ورقة وقلم وأكتب رسالة تهدئة ومودة ونشرتها في صحيفة عربية توزع مجانا في المحلات العربية بعد أيام قليلة وجدت رسائل هجوم عنيف على شخصي من بعض أعضاء الجالية من الطرفين مسلم يقول لي أنت لا تؤمن بديننا فكيف تأتي بآيات من عندنا ومسيحي قال لي كيف تكتب في صدر الخطاب باسم الإله الواحد الذي نعبده جميعا . هنا وجدت نفسي أقف أمام حقيقة محزنة مخجلة لمرض مزمن يصعب علاجه إلا باتحادنا معا وفضحها علنا ومواجهتها لأننا أمام حقيقة واضحة وهي أننا لم نتعلم لا في منازلنا ولا مدارسنا ولا مساجد وكنائسنا كيفية قبول الآخر مع وجود الاختلاف، قبوله ضد الاقتراب من مناطق الاختلاف.

منذ عدة عقود طالب المتنيح البابا شنودة الثالث مرارا وتكرارا بوضع روشتة علاج طرحها على الرئيس السادات وشيخ الأزهر وصفقت له يومها مصر كلها فقد طالب بتأليف كتب مشتركة بين الديانتين لتدرّس لتلاميذ المدارس من الصغر يُكتب فيها كل ما تتفق فيه الأديان من مُثُل وقيم وسمو المبادئ ونربي عليها الأجيال القادمة ونتفق فيها على المواطنة وقبول الآخر. أومأ السادات يومها برأسه معبراً عن موافقته لكنه لم يفعل شيئاً بل ازداد تعصبا ودهماً للمتطرفين.

افيقوا يا إخوتي قبل فوات الآوان

شاهد أيضاً

جمال يوسف ونجلاء باخوم وقصة الصعود

بقلم عبد الستار عبد الرحيم جاء الي قرية المريس قادما من المنيا في الثمانينيات ضمن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *