السبت , فبراير 27 2021

تخطيط التعليم أهم من جودة التعليم ويأتي أولا

بقلم د. محمد شعيب

إن أول ما يتبادر للذهن عند سماع مصطلح “العشوائيات” هو سوء التخطيط العمراني أو انعدام التخطيط من الأساس مما ينجم عنه من تلك التشوهات العمرانية والإنشائية التي نشاهدها في بعض المدن والقرى.

وقد تبارى المنتجون والمخرجون في إظهار تلك العشوائيات وما يكتنفها من أخلاقيات وسلوكيات سلبية وذلك في الأعمال الفنية بشكل متكرر وكثيف خلال العقدين المنصرمين، مما أثار جدلاً واسعاً في كل الأوساط.

ومنذ تولى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي مسئولية الدولة المصرية، قرر فتح هذا الجرح الغائر العفن، الذي غض الطرف عنه السابقون وذلك من أجل اعتبارات الترضية الشعبية لشريحة ليست بالبسيطة من إجمالي الشعب المصري.

وقد شاهدنا جميعاً والعالم بأسره ثمرة بعض هذه الجهود في صورة بعض التجمعات السكنية التي تليق بالمواطن المصري مثل الأسمرات 1 و 2 و3. هذا فيما يخص العشوائيات في التخطيط العمراني، ولكن ماذا عن العشوائيات في سوق العمل والتخصصات الأكاديمية أو الفجوة ما بين العرض والطلب على العمالة؟ للمتابعين جيداً فإنهم يرون أن بعض القطاعات في بعض الدول أصبحت تدار بشكل آلي مثل قطاع البنوك، حيث أصبح بإمكان العميل في تلك الدول فتح الحساب وإصدار الكارت الممغنط والتعامل على الحساب بكافة الصور من خلال الانترنت وماكينات الخدمة الذاتية، بل وأصبح دخول البنوك ممنوعاً بدون سبب!! بينما نحن في مصر لازلنا نقبل عشرات الآلاف من الطلاب بكليات التجارة والمعاهد العليا، وتُدرس لهم بعض المناهج التي تقادمت، بل وتوفي مؤلفوها منذ عقود طويلة، ولم يعد لها وزن تطبيقي في سوق العمل الراهن.

بل إن بعض هذه المناهج للأسف تكون مسار سخرية لدى أرباب الأعمال ومأخذاً على عدم تناسب التعليم الجامعي مع متطلبات سوق العمل. وعندما يُعطى الضوء الأخضر بإنشاء جامعة جديدة في أي محافظة، فأول وأسهل ما يطرأ على ذهن المكلفين بذلك هو استكمال نصاب الجامعة من الكليات المطلوبة لكي يكتمل هيكلها، وذلك من خلال فتح الكليات التقليدية والنظرية التي تستوعب أكبر عدد من الطلاب بأقل عدد من أعضاء هيئة التدريس مثل كليات التجارة والحقوق والآداب والتربية، وذلك بقرار جامعي منفرد، دون النظر في احتياجات سوق العمل من هذه التخصصات، ودون النظر إلى حجم المتعطلين عن العمل من حملة شهادات تلك الكليات.

وأنا ألتمس لهم العذر الكبير، لأنهم يسعون إلى استيعاب أكبر عدد من الناجحين في الثانوية العامة في الجامعات الحكومية كمطلب شعبي يلزمه الترضية السياسية، وهذا لن يتحقق إلا من خلال تلك الكليات المعروفة.

لذا فإن تخطيط التعليم في مصر أهم من جودة التعليم نفسه، ويفترض أن يأتي أولاً.

فما الفائدة المرجوة من تنفيذ معايير الجودة بما تمثله من إنهاك للمؤسسات والأفراد، وإهدار ملايين الجنيهات في سبيل ذلك على تخصص مات إكلينيكياً في سوق العمل منذ عقود مضت.

لذا أصبح واجباً إنشاء قطاع لتخطيط العنصرالبشري وسوق العمل بالتعاون بين وزارات التخطيط والتعليم العالي وبالتنسيق مع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والغرف التجارية والنقابات المهنية.

وألا يتم الموافقة على إنشاء وتشغيل أي كلية أو قسم علمي دون أن يكون لسوق العمل حاجة إليه، وأيضاً ألا يتم قبول الطلاب في الكليات والتخصصات إلا الأعداد التي يحددها قطاع تخطيط العنصر البشري المصري بالكم والكفاءة والجودة المطلوبة. حتى وإن تطلب الأمرالاكتفاء بشهادة الثانوية العامة للطالب، فهذا خير له من تضييع وقته وعمره لمدة أربع سنوات، وإجهاد أسرته مالياً، والضغط على المرافق العامة “النقل والمواصلات والمدن الجامعية ومباني الكليات” وتضييع الملايين من النقد الأجنبي على استيراد معدات ومستلزمات طباعة الكتب والأدوات المكتبية، التي يكون مصيرها معروفاً بعد انتهاء الامتحانات.

والوضع الراهن الذي يتمثل بقبول الآلاف في الكليات النظرية دون قيود سوى على سعة القاعات وعدد أعضاء هيئة التدريس هو أشبه بالقيادة على طريق دون وضع ضوبط لتجاوز السرعة القانونية، والتي تكون نهايتها الهلاك. فالتعليم الذي لا ينفذ سياسة الدولة وخطتها الاستراتيجية ويخدم مصالحها لا يستحق ما ينفق عليه، وعلى من يهواه ويطلبه غير عابئ بسوق العمل دفع مقابله كاملاً.

شاهد أيضاً

كلاكيت أول مرة

الأديب والكاتب /مدحت ثروتولدت الجودة من رحم القدم، لا تتعجبوا، فلنتابع التاريخ، حين كانت آلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *