الإثنين , مارس 1 2021
مدحت موريس
مدحت موريس

خلف النافذة

مدحت موريس

خطوات قليلة تفصله عن داره، وساعة أو أكثر ستنجلى بعدها الحقيقة ليضع حداً لهواجس نالت منه وأرهقت حواسه وأبدلت من أحواله. سنوات من الكفاح والالتزام عاشها ولا يزال منذ التحق بالجامعة دارساً بل عاشقاً للقانون حتى حفظه بين جنبات قلبه وأودعه فى خلايا عقله لهذا لم يكن غريباً أن يكون التفوق حليفه فى مسيرته حتى التخرج بدرجة الامتياز التى أهلته لأن يصير معيداً فى الجامعة وتكون أمامه الفرصة لأن يُدرس القانون بعدما كان دارساً له، لكنه رفض مجرد التفكير فى هذا الأمر فالغلاف الدينى الذى أحاط نفسه به علمه أن هناك قانوناً آخر يعلو ويسمو عن قانون أرضى وضعه بشر قد يصيبون ولكن كثيراً ما يخطئون….قانون لا يعرف التمييز، هو العدل بعينه وضعه من لا يعرف الخطأ وضعه العادل، وضعه العدل ذاته…واضعه هو الله جل جلاله.

وتعددت أمامه عروض العمل فقبل ما وجدها أكثر ملاءمة لمنهج حياته وعُين نائباً لمدير الشئون القانونية بواحدة من كبريات شركات المدينة….وفلسفته هنا أنه يطبق لوائح نظامية لا قوانين وضعية قد تتعارض مع شرائع الله.

أمام منزله توقف وقد لمح نور غرفته مُضاء فعرف أن شقيقته لم تنته بعد من ” العزال ” فقد اتفقا – هو شقيقته – على تبادل غرفتيهما وقد أدرك أنها مازالت تلملم حاجياتها من الغرفة. جلس على المقهى وهو من غير مرتادى المقاهى لكنه أراد قتل الوقت حتى تنتهى شقيقته من مهمتها.

كوباً من الينسون كان طلبه من عامل المقهى فهو لا يتعاطى المكيفات او حتى أقلها ضرراً، لا يزال يذكر وجه شقيقته الذى اعترته الدهشة أو الذهول بعدما وافق فجأة على أن يتبادلا غرفتيهما وهى التى الحت عليه فى ذلك لأكثر من عام وكان الرفض هو جوابه الدائم…عموما سعادتها بالمبادلة لن تدعها تفكر فى أسباب موافقته المفاجئة.

أما هو فقد توقف بالفعل عند السبب الوحيد لديه والذى جعل من مبادلة الغرفتين هدفاً يسعى هو اليه…..انها هى …لا يعرف اسمها …لا يعرف عنها شىء سوى أنها الساكنة الجديدة فى العمارة فى ذلك الحى الجديد ، والأحياء الجديدة سكانها من مختلف المستويات خريجون جدد من مستويات اجتماعية متفاوتة، حرفيون أو تجار صغار افتتحوا محلاتهم فى الحى الجديد وأقاموا بجوار أعمالهم أو من هم مثله وعائلته الذين هجروا حيهم العتيق ومنزلهم الآيل للسقوط..وقبلوا مبلغاً لا بأس به من المالك ليمتلكوا شقة فى عمارة جديدة بالحى الجديد الذى صار منشأ لمجتمع جديد لا يعرف أفراده بعضهم البعض ورحم الله الحى الشعبى القديم الذى كنا فيه نعرف بعضنا بالاسم الثلاثى وكان الساكن بأول الشارع يُعرف الساكن بآخر الشارع بأنه جاره وحبيبه ويعرف متى تناول إفطاره وماذا تناول فى غذائه وأنه -أيضاً- نام دون عشاء. ثم يعاود التفكير بها “هى” التى قلبت نظام حياته “هى” التى صارت أمام عينيه فى كل مكان يذهب اليه “هى” التى هاجمت منامه ونالت بطولة كل أحلامه..ثم وكأنه لا يكفيها المنام فهاجمت يقظته فى عنف… يغمض عينيه فيراها يفتحها أيضاً يراها…وانتابه الرعب حينما ركع أمام الله مصلياً فرآها أمامه وخشى أن يكون قد ركع أمامها دون الله !!!!!

لا بد أن يضع حداً لهذا الأمر الذى بات أخطر من أن يتركه دون علاج….والحل بسيط …الزواج..ولكن هل يقدم على الزواج ممن لا يعرفها؟ …وكيف يعرفها ومن يسأل عنها ؟ هذا أسوأ ما فى الحى الجديد. لهذا كان الحل الأمثل غرفة شقيقته وبالأدق نافذة الغرفة والتى تطل مباشرة على غرفتى المعيشة والنوم الخاصتين ب “هى” شاور نفسه كثيراً قبل اقدامه على هذه الخطوة وأعلن بينه وبين نفسه أن هدفه هو محاولة معرفتها عن قرب فهو يستطيع أن يختلق الفرص لأن يحادثها أثناء نزولها أو صعودها لكنه لا يريد لأحد أن يتناول سيرتها اذا ما رآها تتحدث مع شخص غريب. ساءه أن يكون هو ذلك الغريب وغادر المقهى بعدما رأى غرفته مظلمة قافزاً درجات السلم حتى وصل الى الشقة ودخل مسرعاً متجهاً لغرفته الجديدة بينما أخته تركض خلفه تسأله عن رأيه فى تنظيمها ورد عليها من خلف الباب الذى أغلقه ” عايز أنام.”


على الأريكة…محتمياً بالظلام انكمش بجسده بحيث تحتل رأسه الركن السفلى من شباك النافذة وراوده السؤال الذى لم يجد اجابة له لماذا تعيش بمفردها؟ لم يفكر فى الاجابة فقد رآها قادمة ….ثبت جزعه حتى لا تتحرك رأسه وينفضح أمره فقد كانت فى مواجهته تماماً…رآها تجلس على “الفوتيه” وتشاهد التلفاز….سره أن ملابسها داخل البيت محتشمة فقد تعلم أن الاحتشام أمر باطنى بالدرجة الأولى فالمرأة الملتزمة حقاً هى التى تحتشم بينها وبين نفسها أولاً….صحيح أنه يأخذ عليها أنها لا تستر جسدها بالكامل أمام الناس الا أنه يجد أن ملابسها لائقة الى حد كبير بصورة تطمئنه أنه من السهل اقناعها بالاحتشام الكامل مستقبلاً. غاب فى أفكاره وفتح عينيه -وهو لا يدرى كم من الوقت مضى- والظلام أسدل ستاره على المشهد الذى أمامه، غاص فى فراشه راضياً بما أنجزه وبالأفكار التى بدأ فى تكوينها عن محبوبته.

تكررت السهرات وتناقضت الأفكار وساورته الشكوك فقد تنازلت عن احتشامها المنزلى وجحظت عيناه وتصبب عرقه وهو يراها بملابس نوم فاضحة وهى تروح وتجىء داخل المنزل فى دلال لا يدرى سبباً له حتى ارتاب فى أنها كشفته فى مكمنه وأرادت إغاظته واثارته…لكنه صمم على الصمود أمامها وأمام إغراءاتها الفاجرة هذا اذا كانت كشفته بالفعل…لكنه -فى النهاية – لا بد أن يصل للحقيقة فاما أن تكون فى يوم من الأيام زوجة صالحة له واما أن يتركها داعياً لها بالهداية وهذا أضعف الايمان.

ثم كانت الأمسية التالية أكثر صعوبة عليه وهو يراها بملابسها الفاضحة تتحدث فى تليفونها المحمول وصوتها يعلو بضحكات تفوح برائحة الخلاعة ثم ترتمى على فراشها كالحية تتلوى وتتوالى ضحكاتها وحديثها الذى صار هامساً…أما هو فقد نهض من مكمنه وكاد أن يكشف عن نفسه وهو يريد أن يكاشفها بحقيقتها ويوجه لها أقسى الكلمات من قلب خُدع فيها وأرادها زوجة له تحمل اسمه وتصونه.


فى اليوم التالى وكان عائداً من عمله كانت سيارة ليموزين قادمة من المطار واقفة أمام العمارة وقد نزل منها شخصاً غريباً محملاً بحقائب كبيرة وكثيرة وصعد على الفور الى شقته الجديدة والتى نفسها شقة “هى” ماذا؟…الغريب يدخل شقة هى؟ نعم لقد عاد ليلحق بزوجته التى سبقته لتؤسس عش الزوجية الجديد بعد عناء سنوات الغربة. تلك كانت الاجابة على السؤال الذى لم يجرؤ ان يسأله…. أصابت الحقيقة رجل القانون الملتزم بالصدمة..صحيح انه طرد فكرة ترشحها لتكون زوجة له لكن الحقيقة التى اكتشفها و رآها بلبلت افكاره…افكاره التى عانى منها طويلاً ولا يزال يعانى منها بل ومن المؤكد انه سيظل فى معاناته وهو كامن يحتمى بالظلام وبعدما كان يراقب “هى” اصبح يراقب “هى” و زوجها….من خلف النافذة

شاهد أيضاً

الشخصية المصرية وماذا قالوا عنها

يقول ابن خلدون فى وصفه أهل مصر ” انهم يميلون إلى الفرح والمرح خفة الظل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *