السبت , سبتمبر 18 2021
الراهب المشلوح

اليقين

بقلم : فيليب فكري

يشغلني دائمًا ذلك اليقين الذي يتولد عند البعض بكل أريحية وسهولة مُطلقة.. وخاصًة اليقين في الرأي وليس اليقين عن رؤية أو معلومة مؤكدة..

وهؤلاء هم الذين يبادرون بيقينهم لإثبات صحة آرائهم خاصًة في الموضوعات الجدلية..

هم محظوظون بالفعل، حيث أن اليقين يتولد ذاتيًا، زي الإشعال الذاتي كدة

يعقبُه راحة ضميرية هائلة.. بلا أي تأنيب أو ندم.المتطرف لديه يقين بصحة ما يفعل

وما يقتنع وأن فهمه هو الصحيح للدين.. بينما المُلحد لديه نفس اليقين بصحة ما يعتقد

وهو متطرف أيضًا.. فمن المؤكد أن أي معتدل أو وسطي أو غير متطرف

من الصعب أن يصاب بهذا اليقين إلا في الأمور الإيمانية (الثقة بما يرجى والإيقان بأمور لا ترى)

أو الثابتة بالرؤية.. غير ذلك لا يقين.

من منّا رأى الراهب أشعياء يقتل رئيس ديره؟.. لا أحد.. إذن لا يقين بإدانته

وبالمثل من منّا رأى غيره يقتل الأنبا أبيفانيوس؟ لا أحد أيضًا..إذن لا يقين ببراءته.

ومن هذا الـ لا يقين نتجه الى الشهود والأدلة والاعتراف والمعلومات وهو دور التحريات ومن ثم القضاء.. ومن الجائز وجود أخطاء ومن الجائز انهم على حق.. ويبقى الـ لا يقين.

فأن يذهب البعض الى الحد الأقصى من اليقين ببراءة الراهب المدان، فهذه قدرة عجيبة لا أدركها

وبالتالي مع تضخم هذا اليقين بالبراءة يتم اتهام الجميع، الدولة بأجهزتها كاملة مع الكنيسة بمؤسساتها كاملة، ولا مانع من إدانة البطريرك..

وهنا ليست إدانة بالتقصير أو اختلاف الرأي على قرار ما..

بل وصلت الإدانة الى الاشتراك في اتهام الراهب المُدان، وهو على علم ببراءته، أي تسليم نفس بريئة

أي تسليم لحبل المشنقة.. أي قتل بريء.

أتعلم يا هذا أنك بيقينك هذا تدين بطريرك الكنيسة بالقتل؟

هل أنت إذن مرتاح وترى أن ما توصلت إليه (بإحساسك) الذي تحول ليقين هو الحقيقة؟

ما الذي يمكن أن يصل بالكنيسة ومؤسساتها وبطركها لتقديم نفس بريئة لحبل المشنقة مهما كانت الدوافع والضغوطات؟

كيف تصل بمعتقدك الفولاذي الى هذا الحد من التطرف وأنت مرتاح الضمير وسعيد بيقينك الذي تتشدق به على صفحات الفيس بوك؟

.التوبة قبل الموت هي أعظم فرصة لأي انسان.. من المحتمل جدًا أن المُذنب المُدان قدم توبة نقية وتاريخنا مليء بالتائبين بدءًا من بولس الرسول ومرورًا بالقديس موسى الأسود ووصولا الى المذنب مجدي يسى، والذي تم إعدامه وقد نشرت جريدة الأهرام تحقيق عن توبته آنذاك.

كلهم ارتكبوا جرائم وقدموا توبة نقية ورددوا مقولة اللص (المُدان): أذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك.. فكلمات اللص تدل على التوبة من جرائمه ولم تدل على تبرئته من جرائمه..

بينما لم نذكر مطلقًا أن اللص اليمين مات شهيدًا، بالرغم من وعد السيد المسيح بوجوده بالفردوس (قبول توبته).

لن أتطرق الى كل الشهادات والأدلة والاعتراف الواضح جدا دون أي ضغوط وأدع العلم عند الله وحده

وأصلي من أجل هذه النفس كما أصلي من أجل رئيس الدير الضحية البريء بالفعل (باليقين).

لذا أرجو من الكنيسة تقنين تصريحات الأباء الكهنة والأساقفة خاصة في قضايا الرأي العام

كما أرجو محاسبة الكاهن الذي أُنيب لحضور تنفيذ الحكم، وهو غير المسئول عن السجون

لعدم وجود الكاهن المخول لذلك- لعدم حكمته وتوصيف تنفيذ الحكم على متهم بالقتل

بإدانة القضاء بأنه شهيد.. ربما توبته تصل به الى مراتب أعلى من الشهداء.. ربما..

وهو أمر يعلمه الله وحده.. ولكن توصيفه بالشهيد على اسم المسيح غير موفق وغير حكيم ويستوجب المحاسبة.. حتى وإن كان بريء، مما تسبب في هذا اللغط المؤلم.. فليست التوبة شهادة ولا الظلم أيضًا وإن حدث.

وأخيرًا أرجو من الجميع ممن يقودهم يقينهم الى الاختلاف معي ومن ثم سبّي أن يراجعوا أنفسهم، فيقينهم ببراءة شخص مُدان قضائيًا قادتهم لإدانة الجميع.

شاهد أيضاً

من يحدد نتيجة الانتخابات الكندية؟؟

بقلم: مدحت عويضة تشهد كندا حاليا انتخابات فيدرالية في ظل منافسة حامية بين حزب المحافظين …

تعليق واحد

  1. واحد من الناس

    أحسنت سيدى الكاتب . هذا من أجمل منا قرأت بخصوص موضوع الراهب …أتمنى أن يعم الفهم والاتزان للجميع ..لا أحدي ملك الحقيقه المطلقه ..لا أحد يعرف الحقيقه اليقينيه غير الله وكفى . تحياتى لشحصكم كثيرا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *