الثلاثاء , يناير 4 2022
الخورما

خورما!

دكتور عاطف معتمد

اشتريت قبل أيام بضع ثمرات من هذه الفاكهة المدهشة، التهمت واحدة وأخذت صورة لما بقي منها على قيد الحياة. هذه فاكهة مظلومة للغاية، نعطيها في مصر اسما مضحكا لا نعرف معناه: “كا كا”.

لا تحظى هذه الكاكا بتقدير كبقية الفواكه الأخرى. ورغم أنها في مذاق فريد عجيب ولا يسبب مشاكل صحية إلا أنها لا تحظى بشهرة المانجو الغنية بالأملاح الضارة، ورغم أن نواتها الداخلية صغيرة رقيقة لينة هينة إلا أنها لا تتحصل على نصف الاكتساح الشعبي الذي تتمتع به الجوافة.أين السر إذن؟ هل في هيئتها التي تجعل البعض يعتقد أنها أقرب للطماطم منها للفاكهة؟ أم في القوام المائع الذي لا يحبه المتطرفون في أكل الفواكه الذين يريدون فاكهة ذات شخصية واضحة وقوام حدي يقرقع صوت التهامه فيشعرون أنهم يخوضون معارك مظفرة ويقهرون أعدائهم؟ أم أن المشكلة في العمر القصير لتاريخ هذه الفاكهة في مصر؟تعود معرفتي الحقيقية بهذه الفاكهة لظروف سياسية واقتصادية متوترة في روسيا عام 1998.

هذه هي السنوات الأكثر مأساوية في المجتمع الروسي منذ تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991.كانت روسيا وقتها يحكمها نظام رأسمالي غربي برئاسة بوريس يلتسين ومجموعة من الخبراء الروس الذين تعلموا في أوروبا والولايات المتحدة وعادوا من هناك بروشتة علاج اسمها “العلاج بالصدمة”.

تقوم فكرة هذا النوع من البرنامج على أنه طالما اقتصاد البلاد في غرفة الإنعاش فلن ينفع مع المريض الذي توقف قلبه أدوية ولا محاليل ولا بديل عن تعريضه لصدمة كهربائية صاعقة.

بدهي ان الصعقة الكهربائية ستقتل في الحال قطاعات واسعة من السكان الذين سيخرجون من دائرة تحمل الدولة لهم وتركهم على قارعة طريق الحياة.

جاءت أول صدمة بتحرير سعر الروبل أمام الدولار، ففقد الروبل ما بين 70 إلى 90 % من قيمته في حالة مفزعة من التضخم.

ولأن كبار السن ومن هم على سن المعاش كانوا يتلقون رواتبهم بهذا الروبل المسكين فقد كانوا الأكثر تعرضا وسحقا من الشباب القادر على تعلم لغة العصر والاندماج في النظام الرأسمالي الجديد.

تخيل أنك تتلقى معاشا من الدولة المصرية بقيمة ألف جنيه وتصحو من نومك فتجد برنامج العلاج بالصدمات جعل من هذه الألف 100 جنيها، لا أريد أن أقول جعل منها 10 جنيهات لأنك لن تصدقني.

مات بالفعل آلاف البشر من صدمة القرار، وانتحر آخرون، وأفلس ملايين وتشرد في الشوارع عدد لا يحصى.لعلك تعرف إذن لماذا التف المجتمع الروسي بعد عامين من هذه الحادثة حول فلاديمير بوتين تلك الشخصية غير المعروفة ولا المشهورة والتي لم تمارس أي عملي قيادي في البلاد سوى المخابرات.

تمر الآن عشرون سنة وما زال بوتين يحمل ذكرى إعادة الأمن الاقتصادي للبلاد بغض النظر عن ابتعاد روسيا عن النظام الديموقراطي وبغض النظر عن أن المعارضين الروس يقولون إن اسم “بوتين” صار صفة وليس اسما أي صار وكأنه “قيصرية” وليس اسم عائلة، ذلك لأن الـ”بوتينية” من وجهة نظرهم أصبحت نظاما وعقيدة في الحكم. ما علاقة كل ذلك بفاكهة الكاكا؟ ولماذا أعطيت للمقال عنوان “خورما”؟حين وقعت الأزمة الاقتصادية خرجت المرأة الروسية للعمل في كل شيء لتحصل على رزقها اليومي لها ولمن تعول.

يفتح الرجال المصريون أفواههم إعجابا بالمرأة الروسية لجمالها الفاتن، لكن الحقيقة أن المرأة الروسية تستحق الإعجاب لأسباب أخرى عديدة، ليس أولها مطلقا الجمال الشكلي.اكتسبت المرأة الروسية عبر الزمن تطويرا بيولوجيا ونفسيا وعصبيا لا يقدر عليه غيرها.

ففي آخر 150 سنة على الأقل اقتيد الرجال المعارضون منذ العهد القيصري إلى المعتقلات، أو انتزعوا من الفراش والبيت إلى جبهات القتال للدفاع عن الأرض ضد الألمان والفرنسيين والأتراك وغيرهم، أو وقفوا يشبكون الليل بالنهار أمام المصانع الفولاذية في النيران ومن حولها، ومن بقي من الرجال في البيت ونجا من المعتقلات والحرب وسخرة المزرعة والمصنع أصابهم اكتئاب عدمي فعاقروا الخمر وأصبحوا عالة على الزوجة أو الأم أو الأخت.على هذا النحو عرفت المرأة الروسية العمل في كل شيء وكانت كالرجال في مواقف عديدة.

وحين جاءت أزمة عام 1998 لم تتأخر المرأة عن المعركة.على أرصفة ثلجية من صقيع قاتل يتجاوز 20 درجة تحت الصفر في المدينة التي كنت أدرس فيها آنذاك عند الدائرة القطبية افترشن الشوارع، يبعن متاع بيوتهم أو مشغولات أيديهم من كوفيات للعنق وجوارب وقفازات صوفية.شمل العمل كل النساء في كل الأعمار: من الثلاثين إلى الثمانين.

من بين هذه الفئات العمرية كانت فئة “البابوشكا” وهن النساء الأكثر من 70 عاما. تعمر المرأة الروسية طويلا بسبب برنامج الرعاية الطبية منذ العهد السوفيتي.بابوشكا تعني “الجدة” وكنت لولا فارق اللون الأسمر عندنا والأبيض الثلجي عندهن لقلت إني كنت أرى فيهن صورة لجدتي لأمي التي تكفلتني بالتربية بينما كان أبي وأمي يخوضان معركة الحياة في مصر قبل 50 عاما.

هنا في روسيا وعلى هذه الأرصفة الثلجية بصقيعها المرعب تجلس الجدات يبعن الفاكهة، ومن بين الفاكهة كانت هذه الكاكا التي تعرف في روسيا باسم “خورما”.كان الزبائن يشترون من الجدات على الأرصفة لسبب اقتصادي بحت لا علاقة له بالشفقة أو المساعدة:

من يشفق على من والكل مطحون؟ فالأسعار في المحلات الرسمية التي تدفع كهرباء للتدفئة تزيد بنحو مرتين عن أسعار الجدات على قارعة الطريق الصقيعي تحت الثلوج المنهمرة.كنا جميعا نعرف أن الميزان الصغير الذي تمسكه الجدات في أيديهن ليس دقيقا وأن الكيلو جرام هو في الحقيقة 900 وربما 800 جراما، ومع ذلك كان لهن زبائن دوما، وكنت واحدا من هؤلاء.

كانت عندي أسباب أخرى غير السعر، أحببت دوما أن أتحدث إليهن لأنهن كن يصبرن على لغتي الروسية المتمهلة البدائية التي كنت أتعلمها في الجامعة صباحا، كن يصبرن على بحثي عن الفعل والتصريف كي أنطق الجمل صحيحة فلا يحدث التباس في المعنى، اللغة الروسية ليست كالإنجليزية، في الإنجليزية ترص كلمات بجوار بعضها بعضا فتصنع جملة مفيدة، الروسية تحتاج تصريف وتبديل وتقديم وتأخير حتى يفهمك محدثك بشكل صحيح ولا تحدث مواقف محرجة للغاية. لم تكن الجدات في عجلة من أمرهن وكان لديهن وقت كاف لتحمل لغتي البدائية.

هناك سبب آخر لكوني زبونا دائما عند الجدات على قارعة الطريق الثلجي، وهي أنني بطبعي أحب المشاكسة فكنت أسأل الواحدة منهن عن رأيها فيما يحدث في هذه البلاد العجيبة الغريبة الشاسعة المدهشة المرعبة المبهجة.كنت أتلقى دوما إجابات بليغة تبقى معي طيلة اليوم.

ذات مساء وأنا عائد من الدرس توقفت عند واحدة منهن لأشتري بعضا من الموز.

كان الموز مستوردا من الإكوادور لأن مناخ روسيا لا يعرف الموز من قريب أو بعيد. سألت جدتنا البابوشكا الجميلة ذات الأسنان الذهبية التي ركبتها من زمن الشيوعية محل التي تساقطت بمرور الزمن: “ما هو الحل للخروج من الوضع البائس حاليا في الاقتصاد المتعثر للبلاد؟ “أجابتني على الفور: “ستالين… لا حل لنا يا ولدي سوى ستالين؟قلت لها بلغة التلاميذ السذج مندهشا ومستنكرا: “ولكن هذا الرجل فتح المعتقلات وقتل الملايين وكمم الأفواه والعقول”.

ردت بكل بسبطة “لا يهمني كل هذا..المهم ألا أجلس في هذا الصقيع القاتل”.نعود إلى الكا كا. في الأسبوع التالي لحوارنا عن ستالين ذهبت إليها واشتريت منها كيلوجرام من الخورما ولكني لاحظت هذه المرة أن الوزن قليل جدا، أقل حتى من 800 جرام بل إنني شككت أنه ربما لا يزيد عن نصف كيلو.

سألتها بقليل من الاعتراض “ولكن الميزان مغشوش هذه المرة أيتها الجدة؟ هذا ليس كيلوجرام مطلقا؟ “اجبتني بكل وقار وهي تهز رأسها كحكيم عرف الدنيا كلها: “معك حق طبعا…لكني أقسم لك يا ولدي أنني أقل من يغش في هذا السوق الكبير؟”ألجمتني كلماتها، فدرت ببصري إلى السوق الذي يعج بالجدات المكافحات والزبائن الكثر ضحايا التضخم وعدت إليها فابتسمت لها ابتسامة رضا وشكرتها وقبل أن أغادر حاولت أن تسترضيني، فقالت وهي تبدي الإعجاب: “ابتسامتك حلوة يا ولدي من أين أتيت بهذه الأسنان البيضاء؟ قلت لها، لا شيء هنا يدعو للعجب أنت ترينها بيضاء بسبب التناقض الكبير بين لوني الداكن وأسناني الفاتحة، وأنا على ثقة أن أسنانك وقت الشباب كانت أجمل منها، وعلى كل حال ما تزال ابتسامتك ساحرة أيتها الجدة”.

أخذت الخورما وظلت عبارتها الحكيمة ترن في أذني منذ شتاء عام 1998 وحتى اليوم: “أنا أقل من يغش في هذا السوق يا ولدي”علمتني هذه العبارة الكثير، صرت لا أنتظر من نفسي ومن الناس الصفات المثالية الكمالية الجمالية، لم أعد أنتظر من نفسي ومن الناس كمال الحق والعدل والأمانة والحب والصدق في الصور المثالية.

بت أقرب لأن أصدق أن أجملنا وأكملنا وأكثرنا فائدة هو الأقل غشا لا صاحب الأمانة المثالية، الأقل كذبا في الحقيقة هو الأقل كذبا وليس الصادق الأمين كما الأنبياء، الأقل طمعا وشرها هو الذي يعيش بيننا ويجب أن نقبله ونتعامل معه لأنه يعيش هنا بيننا على قارعة طريق الحياة وليس ملاكا يجلس من دون اختبارات… هناك في سمو الحضرة السماوية !

شاهد أيضاً

أنا عربي حتى لو غادرتْ العربَ عروبتُهم!

في عصور الانحدار يثرثر الناس عن حيرة الهوية، ويتخبطون في تاريخهم، وينزلقون من جغرافيتهم، ويُخرجون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *