الثلاثاء , يناير 4 2022
كوبرى عباس

على كوبري عباس!

دكتور عاطف معتمد

مررت أمس على كوبري عباس، ما أسرع الأيام منذ أن توطدت علاقتي بهذا الجسر الذي يمتطي نهر النيل، وما أسرع أيام الشباب التي حملتني عبره منذ عام 1987 مع رفيقي محمود الشيمي حين التحقنا سويا بقسم الجغرافيا بجامعة القاهرة.

كان الشيمي جاري في السكن. اعتدنا في بعض الأيام أن نقطع رحلتنا إلى جامعة القاهرة سيرا على الأقدام. كنا نتجول وكأننا في متحف تاريخي مفتوح بحجم المدينة، نبدأ من الشرق بحي الزهراء و”خارطة الشيخ أبو السعود”، ثم نمر على كنيسة “مار جرجس” ومسجد “عمرو بن العاص” ثم نهبط من الهضبة الجيرية إلى السهل الفيضي الخصيب الأخضر اليانع عند “الملك الصالح” فنعبر جسرا صغيرا طوله بضع خطوات نحو جزيرة “الروضة” التي تستدعي مسمى روضة من رياض الجنة خاصة في الشطر الجنوبي منها في حي “المماليك” ومقياس النيل المختبئ وسط شجر وظل وأزاهير.

ما إن نقطع الروضة كي “نجتاز” النيل نحو “الجيزة” إلا ويقابلنا “كوبري عباس” بكل جمال وبهاء ونسيم عليل، يتأرجح في اهتزاز خفيف يخيف حين تمر عليه السيارات مهرولة في الاتجاهين.كان الشيمي في مثل عمري لكنه كان أكثر مني وعيا ونضجا. سافر أبوه في سن مبكرة فمنحته أمه الثقة ليكون منذ الصغر رجل البيت، فكان بيننا حكيما عاقلا وكأنه يسبقنا ثقة وعقلا بعشر سنوات.

سألت الشيمي ونحن نرى فتيات جميلات يتطلعن إلى النيل عبر الجسر: “أليس هذا هو كوبري عباس الذي يغني له أحمد عدوية”؟!الحقيقة أنني أتيت والشيمي من أحياء شعبية كانت تنطلق منها أغاني أحمد عدوية في مناسبات كثيرة بديعة، ومن بينها الأغنية المعروفة باسم “بنت السلطان” والتي تبدأ بمقطوعة موسيقية تمهيدية وموال شعبي من الشجن قبل أن يبدأ المطرب في مناداة فاتنته الجميلة التي تسير فوق “كوبري عباس” ومن حولها يتطلع الناس إلى جمالها الأخاذ.

يسأل عدوية فاتنته “يا بنت الغاليين، مين في حلاوتك مين؟ ياللي جمالك فاكهة ..وكلامك فيتامين”.

في هذه الأغنية يؤكد العاشق الولهان أنه مستعد لتحمل مشاق كثيرة لدرجة أن بوسعه أن يذهب لمحبوبته سيرا على الاقدام حتى إلى “مصر الجديدة” !بدهي أن المسافة من كوبري عباس في الجيزة إلى مصر الجديدة كانت تعد نوعا من تضحيات المحبين في القرن الماضي، بل إن عدوية هنا يعد أكثر جسارة وتضحية مقارنة مثلا بمحمد عبد المطلب في أغنية “ساكن في حي السيدة وحبيبي ساكن في الحسين” والذي يتفاخر فيها بأنه يضحي بالذهاب إلى حبيبته مرتين يوميا من السيدة إلى سيدنا الحسين! رغم أن المسافة بينهما بضع خطوات بمعايير اليوم.

كانت المسافات في الماضي بعيدة نسبيا عما نعرفه حاليا من العصر الذي يقول عنه الجغرافيون إنه عصر “موت المسافة” أو بالمعنى الأوسع “موت الجغرافيا” أي قدرة المواصلات ومحاور الحركة الحديثة أن تقرب البعيد وتقتل المسافات.

أكد لي محمود الشيمي أن هذا هو الجسر فعلا الذي يغني له عدوية، افترض محمود أنه طالما عدوية يخاطبها بمسمى “بنت السلطان” فلابد أنها كانت تسكن قريبا منا هنا في حي المماليك الذي كان يقطنه حكام مصر قبل قرون بعيدة.

يؤكد عدوية أنه محب لكل مكان في مصر، ويعدد لحبيبته قدرته على رؤية العالم مستهلا بوصف نفسه بصفة “محسوبك”، وهي كلمة ذات دلالة على التبعية وأنه من جملة التابعين لها ورهن إشارتها.

يختتم عدوية أغنيته الشهيرة بذكر الأماكن التي يحبها ويعرفها وبوسعه أن تفتح شهية المحبوبة وتغريها، فهو واسع المعرفة الجغرافية: يحب إسكندرية، وكايرو بلده، والدول العربية، والصعيد وطنطا، وغيرها من بقية الأقاليم المصرية.

برفقة محمود الشيمي كنا نعبر كوبري عباس فنصل إلى شارع كبير يحمل اسما بالغ الدلالة: “البحر الأعظم”. النيل هنا مقسم عبر مجموعة من الجزر، جزيرة الروضة مثلا تقسم النيل إلى شطرين غير متساويين، الفرع الصغير الذي عبرناه إلى الروضة، أما هذا الفرع الكبير الذي يمر فوقه كوبري عباس فهو “الأعظم” مقارنة بنظيره الشرقي الصغير الذي يحف بالملك الصالح.

سألت الشمي مجددا بعد أن تجاوزنا الفتيات الجميلات على الكوبري: “من هو عباس هذا الذي يحمل الكوبري اسمه؟”.

أدهشني محمود – الذي يعرف كل شيء – أنه غير متأكد من هوية عباس هذا، لكنه بفطنته وحكمته عالج الموقف سريعا وقال لي “دعنا نستغل أقرب درس ونسأل عن سبب التسمية عند أحد الأساتذة”.

مرت كل سنوات الدراسة في قسم الجغرافيا ولم يتحدث أحد عن أي تفاصيل لمدينة القاهرة أو الأحياء التفصيلية التي نعيش فيها، تخرجنا من الجامعة ونحن لا نعرف مدينتنا.

درسنا 40 مادة عبر 4 سنوات عن كل شيء إلا مدينتنا، عرفنا حشائش السفانا، وبحور الرمال في الصحراء الكبرى، وغابات الأمزون، وجليد سيبيريا، وأسماء سلاسل جبال الألب، وكبريات نظريات التخطيط الإقليمي، وهي مادة عجيبة بها كثير من الكلام النظري العظيم الذي لا نجد له تطبيقا على أرض واقع بلادنا فكان الطلاب يتهكمون عليها سخرية ويسمونها “التخبيط الإقليمي”.

درست مع الشيمي خريطة العالم السياسية، لكن الحقيقة أنها كانت جغرافيا سياسية صامتة لا تتقاطع مع الأحداث المعاصرة، وتتحدث فقط عن موضوعات مرت عليها عقود طويلة مثل نظرية ماكيندر عن قلب الأرض وتوسع هتلر في أوروبا وتقسيم برلين، كانت هذه الموضوعات الصامتة تصدعنا بينما صدام حسين يغزو الكويت والعالم ينقلب من حولنا.

لم نحصل على أي إجابة على السؤال الذي شاغلني انا ومحمود: “من هو عباس هذا الذي يحمل الكوبري اسمه؟ والذي كانت تتبختر عليه محبوبة أحمد عدوية؟ ستمر سنوات طويلة قبل أن نتأكد أن عباس هذا هو الخديوي عباس حلمي الثاني الذي كانت لديه مشروعات عديدة لتحديث مصر ولا سيما في طرق النقل والمواصلات.

اهتم عباس حلمي الثاني بمحاور النقل في أماكن كثيرة من القاهرة وحلوان. وأنشأ هنا الجسر الذي يعبر النيل من أجل “اجتيازه” إلى “الجيزة”. لعباس حلمي الثاني اهتمامات كبرة بمحاور النقل وخاصة في مد خط للسكة الحديدية من الإسكندرية إلى السلوم وهو أحد الذين دخلوا قبل 120 سنة واحة سيوة دخولا سلميا واستقبل فيها استقبالا مهيبا من شيوخ القبائل في تلك الواحة الاستراتيجية على الحدود مع ليبيا، بعد ما يقرب من قرن من الزمن من الغزو العسكري الاستعلائي الذي قام به جده محمد علي باشا في إخضاع الواحة.بعد قيام ثورة يوليو 1952 تم تغيير أسماء كثير من المواقع الجغرافية في القاهرة.

ومن بينها كوبري عباس الذي أصبح “كوبري الجيزة”.

شملت هذه الخطة تبديل كل ما هو انجليزي وملكي، فعلى سبيل المثال تم تغيير اسم الجسر الذي يربط الطرف الجنوبي لجزيرة الزمالك بالضفة الغربية ليصبح “كوبري الجلاء” بدلا من “كوبري الإنجليز”.في حالة كوبري عباس لم تفلح التسمية الجديدة الركيكة المتكررة في تغيير الاسم من أذهان الناس رغم مرور 100 سنة، حتى أن خرائط جوجل تعتمده اسما على الخريطة الرقمية إلى اليوم.

الطريف أن كوبري الإنجليز الذي أصبح الآن كوبري الجلاء مقام على النيل في فرع يسمى “البحر الأعمى” رغم أنه في الضفة الغربية مثله مثل البحر “الأعظم”. لكن المفارقة هنا أن جزيرة الزمالك تقترب جدا من الجانب الغربي فتجعل نهر النيل ممرا ضيقا خانقيا أقرب إلى الطريق المسدود أو “الأعمى” مقارنة بالفرع العظيم الواسع الواقع هذه المرة شرق جزيرة الزمالك الذي أقيم عليه جسر قصر النيل، وهي التسمية التي لم تتغير منذ عهد الخديوي اسماعيل في 1872.

ليلة أمس كانت ليلة عجيبة، حاولت أن أهرب فيها من ذكريات الماضي، استحضرت مشاهد الصبا والشباب مع محمود الشيمي، كل شيء تغير، محمود رحل عن دنيانا دون مقدمات في ريعان الشباب دون أن يكمل الأربعين، القاهرة صارت مزدحمة للغاية، وحده بقي كوبرى عباس شاهدا على ما يزيد عن قرن من الزمن لأحداث متواترات لا تتوقف.عبرت امس كوبري عباس وبعض أبيات من شعر أمين حداد ترن في أذني: “الزمن ما فيهوش دلوقتي…الزمن شغال على طولوالحياة حزنها فوق طاقتيعشتها ومتها مذهول”.—-

هذا البوست مهدى إلى الابن العزيز “الشيمي الصغير” نجل محمود الشيمي والذي يدرس الآن في كلية العلوم بجامعة القاهرة، وأرجو أن يجد وقتا ليراه، ليعلم كم كان أبوه رجلا عظيما

شاهد أيضاً

أنا عربي حتى لو غادرتْ العربَ عروبتُهم!

في عصور الانحدار يثرثر الناس عن حيرة الهوية، ويتخبطون في تاريخهم، وينزلقون من جغرافيتهم، ويُخرجون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *