الإثنين , يناير 3 2022
مختار محمود

في ذكرى عبد الحميد شتا..هل تغيَّر شيء؟

مختار محمود

عندما يغتالون حُلمك أمام عينيك فلا جدوى من الحياة. عندما يعدمون طموحك برصاص قبحهم، فالموت يومئذ يكون أبقى من الحياة.

اليوم..تحل الذكرى الخامسة عشرة لانتحار الشاب عبد الحميد شتا. عاش “شتا” من أجل تحقيق حلم كان يراه قريبًا، ولكنهم بأنانيتهم جعلوه بعيدًا ومستحيلاً.

كان يتوهم أن الأحلام البعيدة يحققها الاجتهاد والنبوغ والتفرد، قبل أن يفيق من حلمه في اللحظة الأخيرة.

استيقظ عبد الحميد شتا من الوهم، وعندما استيقظ قرر الموت.

التحق ابن قرية ميت الفرماوي، التابعة لمركز ميت غمر، بمحافظة الدقهلية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية؛ من أجل الالتحاق بالسلك الدبلوماسي.

وكما كان نابغًا في الثانوية العامة، فقد حصل على بكالوريوس الاقتصاد والعلوم السياسية بتقدير عام “جيد جدًا”. لم يكتفِ الشاب الطموح بمؤهله الجامعي، بل شرع في تحضير رسالة ماجستير عن إصلاح المحكمة الدستورية، تزامنًا مع الحصول على كورسات مكثفة في اللغتين الإنجليزية والفرنسية.

عبد الحميد شتا

عندما أعلنت وزارة الخارجية عن وظائف شاغرة، ظن أنه اقترب من معانقة المجد.

ورغم أن 42 متسابقًا غيره تقدموا لوظيفة “ملحق تجاري” إلا إنه حصل على المركز الأول. تخيل “شتا” أن هذا يكفي لاستلام وظيفته التي طالما حلم بها، ولكنهم أبلغوه أن مؤهله لا يكفي، وأن تفوقه لا يكفي، وأن كورساته لا تكفي، وأن حصوله على المركز الأول في مسابقة الخارجية لا يكفي.

لم تكن حيثيات الرفض طويلة، ولكنهم اختزلوها في 3 كلمات ليست كالكلمات. أخبروه أنه “غير لائق اجتماعيًا”، فكيف لابن عامل مصنع البلاط أن يصبح ملحقًا تجاريًا أو قنصلاً أو سفيرًا؟ وفي يوم إعلان النتيجة رسميًا..اتخذ عبد الحميد شتا قرارًا منفردًا، لقد قرر الانتحار، والهروب من جحيم مجتمع لا يقدر العلم ويحترم الجهل، ويرفع الجهلاء فوق الأعناق.

ألقى عبد الحميد شتا بنفسه في نهر النيل، مودعًا حياة بائسة ظالمة لا ترحم الضعفاء ولا تعطف على الفقراء.

وبعد 15 عامًا من انتحار عبد الحميد شتا، وبعد تعاقب ثورتين تتخذان من العدالة الاجتماعية شعارًا لهما..هل تغير شيء؟ هل أصبح الحلم مشروعًا، هل غدا الطموح جائزًا؟ هل أصبح من حق غير اللائقين اجتماعيًا أن يتمردوا على واقعهم ويغيروا حياتهم بالعلم والاجتهاد؟ الإجابة جاءت من قبل على لسان وزير العدل السابق أحمد الزند عندما وصف القضاة وأبناءهم بأنهم “الأسياد”، وغيرهم “العبيد”، وليس من حق البسطاء مثل ابن عبد الحميد شتا بالالتحاق بالسلك القضائي.

“الزند” لم يكن يعبر عن نفسه بقدر تعبيره عن حالة كان يعيش داخلها ويعرف تفاصيلها ودقائقها وخباياها وخفاياها.

الإجابة جاءت في تصرفات وممارسات رئيس جامعة دمنهور الموقوف بقضايا فساد الذي ألحق ابنه صاحب الـ”51%” بكلية الصيدلة، والموظفة الكبيرة التي استغلت نفوذها لتعيين بناتها الثلاث معيدات، وغيرهما كثير جدًا.

العدالة الاجتماعية.. لا تزال من الملفات المسكوت عنها، وفي ظل الإصرار على تغييبها ومحاصرتها والتضييق عليها وخنقها، فإن نموذج عبد الحميد شتا يبقى قابلاً للتكرار والاستنساخ.. رحم الله عبد الحميد شتا، ولا غفر لمن دفعوه دفعًا إلى إنهاء حياته..

شاهد أيضاً

أنا عربي حتى لو غادرتْ العربَ عروبتُهم!

في عصور الانحدار يثرثر الناس عن حيرة الهوية، ويتخبطون في تاريخهم، وينزلقون من جغرافيتهم، ويُخرجون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *