الأحد , يناير 2 2022
السياحة داخل معبد الكرنك

باشتغل مع مصريين!

الدكتور عاطف معتمد

شهد الاقتصاد السياحي في مصر في السنوات العشر الماضية تغيرا ملموسا. يهمني في رصد الظاهرة جانب السلوك الاجتماعي أكثر من الأرقام الاقتصادية.قبل عام 2011 كان السائحون في مصر نسبة مكتسحة من الأجانب مع نسبة أقل من السائحين العرب وغياب شبه تام للمصريين.

عانت صناعة السياحة قبل ذلك تصدعات كبيرة في عهد مبارك بسبب الصراع مع الإرهاب وأهمها المذبحة المروعة التي وقعت في 1997 في معبد حتشبسوت بالبر الغربي في الأقصر.

تسببت مثل هذه الحوادث وغيرها في تراجع تدفق السائحين على وادي النيل المزدحم بالسكان الذي يصعب التحكم فيه وسط الفيضان البشري هنا وهناك.

كانت إسرائيل بالطبع أول مستفيد من مثل هذه الحوادث وانتعشت مقاصدها السياحية على حساب “تطفيش” السياح من مصر، سواء جاء ذلك لأسباب داخلية بحتة أم بتآمر خارجي أيضا (والأسباب الداخلية قد تكون أشد تآمرا من الخارج كما هو معلوم).

وفيما يشبه المعجزة التاريخية، وجدت السياحة المصرية طوق نجاة لغريق في الانتقال من سياحة المعابد والحضارة إلى سياحة الشواطئ ودرجة الحرارة والشعاب المرجانية على البحر الأحمر في كل من الصحراء الشرقية وجنوب سيناء.

ويعود الفضل في هذه المصادفة إلى تداعيات تفكك الاتحاد السوفيتي منذ عام 1991 حين تحرر المواطن الروسي من “سجن الأمم الكبير” وبدأ انتشار الروس ومواطني الجمهوريات السوفيتية سابقا طلبا لمتعة السياحة حول العالم.

وقد وجد ملايين الروس والأوكرانيون وبعض شعوب الجمهوريات المستقلة وجهتهم في البحر الأحمر المصري حيث ثالوث: الشمس، والماء المالح، والصحراء، وكلها عناصر مفقودة في بيئة الشمال الجليدي.مرت عشر سنوات (2000-2011) تراجع فيها دور سياحة الآثار في وادي النيل لصالح سياحة البحر الأحمر، ثم جاءت ثورة 2011 وما لحق بها من أحداث محلية وإقليمية وتسبب كل ذلك في ترقب ثم تعثر ثم توقف السياحة إلى مصر.ورغم أن العلاقات بين مصر وروسيا كانت في أفضل حالاتها إلا أن تفاصيل كثيرة أدت إلى حادثة سقوط الطائرة السياحية الروسية في 2015 فوق سيناء عائدة من البحر الأحمر وهو ما اتخذه الرئيس الروسي ذريعة لوقف تدفق السياحة إلى مصر في مشهد أمني وجيوسياسي، فسر البعض القرار الروسي بأنه مبرر ومفهوم ومتوقع حفاظا على حياة الروس من الإهمال المصري في الرقابة والأمن، وفسر آخرون القرار بأنه ضغط مكشوف على مصر في ملفات أخرى.

ثم أضافت أزمة كورونا بعدا جديدا في توقف السياحة إلى مصر وشهدت ركودا كبيرا في كافة القطاعات لدرجة أفلس معها الكثيرون وتوقف حال كثيرون وأغلقت مؤسسات ومشروعات سياحية كبيرة.

هنا صعدت السياحة الداخلية مستفيدة من تغير الأحوال، تدفق المصريون على كل مكان للمرة الأولى ليروا بلادهم. وبدلا من اقتصار المصري على معرفة بلاده في شواطئ إسكندرية أو العين السخنة أو سواقي الفيوم إذ بالجيل الجديد من المصريين يتوجه إلى كل مكان: من جبل موسى في سيناء ومرسى علم وشلاتين في البحر الأحمر، وغرب سهيل في أسوان وأبو سمبل في النوبة مرورا بالواحات الخارجة والداخلة ووصولا إلى جبل الموتى في سيوة على حدودنا مع ليبيا.

ولأني أسافر كثيرا في السنوات الأخيرة فقد راقبت الظاهرة وأسعدني كيف يتم استقبال المصريين من قبل القائمين على السياحة بعد حالة من الاستعلاء والغرور وقفل الباب أمام أبناء هذه الأرض لرؤية بلادهم.

قبل أكثر من عشر سنوات كان هناك شعار أحمق يقول “مابشتغلش مع مصريين”. يرفع صاحب المؤسسة السياحية هذا الشعار مقارنا سلوك الأجانب بسلوك المصريين ومؤكدا على أن المصريين أناس غير متحضرين لا يفهمون في السياحة ولا يقدرونها.

إذا أردنا الحقيقة لم يكن هذا الشعار صحيحا في المجمل. لا ننكر طبعا أن هناك سلوكيات بائسة من قبل بعض المصريين لا سيما على مستوى النظافة والاهتمام بالمكان وجمالياته والضوضاء الأقرب إلى مولد السيد البدوي، لكن هذا الشعار كان سببه الفارق الكبير بين الدولار والجنيه.

سأسمح لنفسي بأن أقرر أن هذا الشعار لم يعد صالحا الآن وآخذ في التلاشي وذلك للأسباب التالية:- أن السياحة الداخلية في فترة الركود فاقت أضعاف عدد السياحة الأجنبية وكان لها الفضل في استعادة أنشطة كثير من المؤسسات السياحية في مصر ولو في حدود دنيا بدلا من الإغلاق والتسريح.

للسياحة الداخلية الفضل في فرص العمل المتاحة لعشرات آلاف العاملين في هذا القطاع، وبدونها لتوقفت مصادر عملهم، ومن ثم لها دور إيجابي ملموس.

أن الجيل الجديد من السائحين المصريين ليس هو ذلك الجيل الذي كان يذهب لحديقة الحيوان محملا بأكياس البيض والبرتقال واللب والفول السوداني، بل جيل متفتح على العالم.

لا أقول إن هذا الجيل تعلم تعليما جيدا في المدارس والجامعات بالضرورة بل أقول إنه متفتح على ما يحدث حوله في العالم عبر وسائل التواصل الحديثة التي كشفت له عبر الفيديوهات والإعلانات والتصوير الرقمي عالي الجودة كيف أن بلادهم قبلة للملايين وهم لا يعرفونها وكيف أنه بوسعهم تدبير رحلات وأسفار بتكلفة معقولة. وهذا الجيل لديه سلوكيات أفضل بكثير من الجيل السابق وأقرب إلى الحداثة.

أدرك القائمون على السياحة أن التعامل مع هؤلاء المصريين من أبناء وطنهم لا يجب أن يكون في مستوى أدنى من الاهتمام بنظرائهم الأوروبيين أو الروس. الجيل الجديد من شباب السائحين المصريين يتكلم لغة متحضرة ويقدم الشكر المعنوي والمادي في حدود الإمكانات المتاحة مقارنة بحالةالاستعلاء من عدد من الأجانب الذين وإن أغدقوا في “البقشيش” إلا أن العلاقات ليست بالضرورة سوية ومتوازنة وصحية مع العاملين في السياحة.

من الملفات المسكوت عنها في بعض تيارات السياحة الأجنبية الوافدة إلى مصر هو تحقيق مكاسب خرافية بسرعة ثم فقدانها بسرعة.

لا يحب كثير من العاملين في السياحة الخوض في هذا الموضوع، لأنه موضوع شائك يرجعه البعض إلى العلاقات غير الشرعية مع السائحات الأجنبيات (في تلبية لنوع سري مشهور في العالم وغير معلن عندنا في مصر وهو السياحة من أجل الإشباع الجنسي) ويرجعه البعض الآخر إلى تحقيق أرباح من عمليات خداع السائحين دون تقديم خدمات حقيقية.

وقد ساهم كل هذا في هروب السياحة من مصر في السنوات العشر الأخيرة كنوع من “عقاب السماء”، وعقاب السماء هنا ليس تعبيرا علميا أو اقتصاديا بل تعبير شائع في التحليل الاجتماعي عند كثير من العاملين في هذا القطاع الذين يقولون لك إن هذه المهنة “مافيهاش بركة”.

يتدفق المصريون الآن على بلادهم فرادى، وفي جماعات بتنظيم نقابي كالأطباء والمهندسين وغيرهم، أو في أسر ميسورة من الطبقة الوسطى والثرية.

بالطبع ما زال عموم المصريين بعيدين كليا عن سياحة بلادهم أخذا في الاعتبار أن السياحة في حد ذاتها نشاط اقتصادي ترفيهي لا يقوم به الفقراء، وإن كان الفقراء قد يستفيدون في مواطنهم إذا ما انتعشت السياحة بنوعيها الداخلي والخارجي.

في عام 2008 مررت بتجربة تستحق الاستدعاء في هذا السياق.

قمت بتنظيم رحلة إلى قناة السويس لطلابي في جامعة القاهرة وكان عددهم ٦٠ طالبا اخترتهم بعناية من بين أفضل الطلاب خلقا وسلوكا ورغبة في التعلم، وكان يرافقنا أستاذ من جامعة عربية تصادف وجوده في نشاط علمي حين وجهت له الدعوة لإلقاء محاضرة على طلابنا فجاء على نفقته الخاصة ملبيا الدعوة.

انتظرنا أمام باب جامعة القاهرة في السادسة والنصف صباحا وحين جاءت الحافلة وبدأ الطلاب في الصعود وقع من بعضهم سلوكيات مفرطة في النشاط والفرح وهو أمر متوقع لمن هم في سن الشباب (18 إلى 22 سنة).

وهنا انتفض سائق الحافلة وأنزل الطلاب وقال إنه لن يصعد بالرحلة إلى وجهتها لأنه في الحقيقة “مابيشتغلش مع مصريين”. وأخذ السائق المغرور يبين باستعلاء كيف أنه عاد للتو من الغردقة مع رحلة كان بها سائحون ألمان متحضرون مقارنة بنا نحن المتخلفين من المصريين.

كان الموقف بائسا للغاية تخلله توتر وشبه اشتباك وتعطل الرحلة لمدة ساعتين حتى نجحنا في النهاية في الحصول على حافلة قديمة من شركة سياحة داخلية رضت أن تشفق علينا وترسل لنا إنقاذا للموقف.

وقف الضيف العربي الكريم مشفقا علينا من المشهد البائس. ينظر من بعيد.

ذهبنا إلى قناة السويس وأمضينا مع الطلاب يوما مبهجا رغم بؤس الصباح الباكر ، وشاركنا الأستاذ العربي اليوم بكرم ومحبة.

ورغم مرور سنوات عدة على هذه الواقعة في 2008 إلا أن عبارة “مابشتغلش مع مصريين” ترن في أذني ولم تغادرني يوما.

الشهر الماضي زرت عديدا من المواقع السياحية في مصر وشاهدت كيف ينتثر المصريون من الجيل الجديد في بلادهم كي يعرفونها ويتعلمون حقيقتها.

حدث تطور إيجابي كبير، الأسعار أصبحت في متناولهم بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية، أصحاب المشروعات السياحية الذين عانوا الركود أصبحوا ألطف في الحوار ويرحبون بالناس بعبارات “تشرفونا ياولاد بلدنا”.

لا أتوقع أن تكون هذه التحولات الإيجابية مؤقتة عابرة تعود بعدها السياحة إلى سابق عهدها من انفتاح حصري على الأجانب وطرد كلي لأصحاب البلد.

ما أتوقعه – وأتمناه- أن يشهد المستقبل تزاوجا بين السياحة الخارجية التي تقدم موارد بالعملة الصعبة مطلوبة لميزانية الدولة جنبا إلى جنب مع سائحين من الداخل المصري يفهمون بلادهم ويعرفونها وتتسع آفاق إدراكهم ويقدرون معطياتها الجغرافية والتاريخية والبشرية.

دعونا نودع العبارة القبيحة القميئة الجاحدة “مابشتغلش مع مصريين” ونعمق ونكرس العبارة الجديدة “باشتغل مع مصريين ويشرفني ويسعدني”.ولكي تدوم العبارة الجديدة لابد من وعي ونضج وتطوير من كلا الطرفين، ولابد من تحسين وتنقيح وتطهير سلوكياتنا، وهو أمر سيتحقق دون شك بمرور الوقت، والتعلم من التجربة والخطأ، ومزيد من التعليم الحقيقي، ومزيد من الثقافة، وانفتاح على فهم العالم من حولنا.

شاهد أيضاً

لنجعل الله امامنا والمجتمع في الخلف .

أزدواجية المجتمع العربي سبب أمرضنا النفسيةنحن مجتمع يعاني الكثير من الأمراض النفسية ترجع معضمها إلي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *