الأحد , مايو 16 2021

رمضان في السينما المصرية..مجرد خلفيَّة وسبب لخلْقِ تناقضات كوميدية

بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، حاولنا التعرف على الصور العديدة التي ظهر بها هذا الشهر الكريم في الأفلام العربية، فوجدنا أن الصورة السينمائية لم تحفل كثيرًا بمظاهر شهر رمضان إلا في أفلام قليلة العدد، منها «العزيمة» لكمال سليم 1939، و«قلبي على ولدي» لبركات 1952، و«في بيتنا رجل» لبركات عام 1961، و«إضراب الشحاتين» لحسن الإمام عام 1967، و«ضربة معلم» لعاطف الطيب 1987، وغيرها من الأفلام. والغريب أن العالم الشعبي الواسع لمظاهر الاحتفال بالشهر الكريم قد ظهر ضيقًا للغاية في هذه الأفلام، رغم أننا أمام نصوص سينمائية متميزة. وكأن الشهر الفضيل بمنزلة ديكور فقط للحدث.

فيلم العزيمة

في فيلم «العزيمة» هناك مشهد عابر يؤكد نمو العلاقة بين الجارين الحبيبين محمد وفاطمة وتدور أحداثه ذات ليلة رمضانية، ونحن لا نرى من هذه الليلة الكثير مما يؤكد ويدل على أننا في رمضان. سوى في هذا المشهد من الفيلم، حين يصعد محمد وفاطمة إلى سطح المنزل يتبادلان الحديث، حتى سماع دقات طبلة المسحراتي وهو الرمز الوحيد على شهر رمضان، مع تشكيل فني بديع لأضواء نوافذ الحارة وهي تشرع في الإضاءة بالتتالي لإعداد وجبة السحور.

«في بيتنا رجل»

هو أحد أهم الأفلام التي وظف بها شهر رمضان دراميا. فنحن أمام إبراهيم حمدي (عمر الشريف)، أحد الثور الذين قاموا باغتيال سياسي خائن متعاون مع الإنجليز، لا يجد إبراهيم حمدي أي مكان يذهب إليه سوى منزل تلميذ صديقه في الدراسة، لا علاقة له بالسياسة (حسن يوسف)؛ حتى يكون بعيدا عن الأعين. يهرب إبراهيم حمدي من المستشفى الذي كان قد نقل إليه في ميعاد إفطار رمضان حيث يكون الجميع مشغولين بالإفطار، ونشاهد بالفيلم مدفع رمضان الشهير يعلن عن وقت الإفطار كما كان متعارفا عليه في مصر، دون الدول الإسلامية الأخرى. يذهب إبراهيم ليختبئ في بيت زميله فيجد الأسرة جميعها على مائدة الافطار في مشهد رمضاني مألوف، ليكون هذا المشهد تجسيدا حيا لشعور الأسرة بقدوم طارئ، فمن هذا الذي يدق الأبواب وقت إفطار رمضان؟ وعندما يود الهروب من أعين البوليس الذي عرف مكانه، يختار أيضا ميعاد الإفطار لخلو الشوارع من المارة. جاء استخدام شهر رمضان في هذا الفيلم متلائما مع التطور الدرامي في العمل وليس مجرد ديكور. 

رمضان مع أحمد حلمي

وجود الشعائر في أفلام الكوميديا نادر بعض الشيء ألا أن أحمد حلمي كسر تلك القاعد في فيلمين من بطولته، هما «عسل أسود» إخراج خالد مرعي 2009، و«إكس لارج» إخراج شريف عرفة 2011.

يتحدث فيلم عسل أسود عن شاب أمريكي من أصل مصري يعود لمصر اثناء شهر رمضان، وقصد صانعو الفيلم بذلك توضيح أن هذا الشخص مرتبط بوطنه وبدينه، فنجده صائما أثناء رحلة السفر، ليفطر مع السائق الذي يوصله من المطار سندويتشات فول، دلالة على أنه مرتبط بشدة بمصر وبأكلتها الشعبية. بما أن الفيلم يظهر التناقضات التي يكتشفها “مصري/ أحمد حلمي”، التي حدثت في المجتمع المصري، فإن شخصية السائق الذي يستغل أحمد حلمي كان لها دور محوري في إظهار بعض تلك التناقضات والسلبيات.

فهو بالرغم من استغلاله لمصري استغلالا يصل لحد السرقة، ألا أنه يتوقف عن الشرب عند أذان الفجر، لأنه سيصوم. استغل هنا الفيلم الصيام ورمضان لإظهار التناقض الرهيب داخل المصريين في التعامل مع الدين على أنه مجرد شعائر، أما السلوكيات والمعاملات فهي مجرد مظهر لا جوهر، أو كما يعتقد المصريون، أن لهذا تُمارس الشعائر، حيث تمحو الحسنات السيئات.

مائدة الرحمن

كما أظهر الفيلم موائد الرحمن التي يجلس عليها مصري ليتناول طعام الإفطار، حيث أراد بعد الأكل أن يدفع الحساب في كوميديا لطيفة. كما أن الفيلم في منحى فضح النفاق والتناقضات في الشخصية المصرية، يقدم لنا نموذج المحسن المودرن، وهو يتمثل هنا في الراقصة دينا، التي ظهرت في الفيلم باسمها الفني، فهي تنزل ليلا بسيارتها كي توزع اللحوم على عمال النظافة في الشوارع، وتنادي على «مصري»، ظنا منها أنه غلبان، وعندما ينفي كونه مسكينا أو شحاتا ويخبرها بأن اسمه “مصري” تقول له: «تبقى غلبان». فهنا يحاول الفيلم توضيح أن لا تناقض بين الاعتقاد الديني والمهنة التي تمارسها، وهذا هو واحد من أكبر تناقضات الشخصية المصرية، وكثير من تجار المخدرات والسلاح، هم من أكثر الشخصيات المحبوبة في أحيائهم، وقراهم، حيث إنهم أكثر الشخصيات تقديما للصدقات وغالبيتهم من الحجاج، ولا يهم طبعا من أين أتت النقود.

أما الأسرة التي ينزل عندها «مصري» لبعض الوقت، فإن الفيلم يعطيها قيمة إنسانية كبيرة، وفي علاقة «مصري» بهم جميعا ستتضح لنا جميع شعائر شهر رمضان، ابتداء من العادات الاجتماعية الشعبية، فالأسرة كلها تلتئم معًا فقط حول مائدة الإفطار في شهر رمضان، كما أن هناك «طبقا» يتضمن أشهى الحلويات الرمضانية، يتجول كل يوم على بقية الشقق، ليدور بين الجيران، مما يعني حسن التعامل مع الآخر، فالجيران تهادي بعضها البعض الحلوى، وفي هذا البيت، نستمع في الخلفية، قبل الإفطار إلى صوت الشيخ محمد رفعت وهو يتلو القرآن الكريم، أما بعد الإفطار فإن طفلاً من الأسرة يحمل فانوس رمضان بشكل المفتش كرومبو ليوضح ما آلت إليه إحدى أهم عادات رمضان في مصر، مع غزو التليفزيون لكل منزل، والأهم غزو البضائع الصينية، فالفانوس بالطبع صيني.

وقد صور الفيلم ليالي رمضان، من خلال نزول مصري مع سعيد إلى المقهى، هناك في الخلفية قراءة للقرآن الكريم، وهناك أيضا الفوانيس، والزينات، وصوت أم كلثوم وهي تغني «هو صحيح الهوى غلاب».

هذه الأسرة الطيبة، استضافت «مصري» إلى أن تتحسن ظروفه، وقاموا بمساعدته للحصول على جواز سفره الأمريكي، كما أن الشاب شارك الأسرة في نشاطها الرمضاني الشعبي المعتاد، خاصة في إعداد صواني الكعك في آخر الشهر. وعندما يحل العيد تذهب الأسرة بكل أفرادها مع ضيفها إلى الحدائق للتنزه كما هي عادة المسلمين في جميع البلاد.

الفيلم الثاني «إكس لارج» هو عن «البدانة» والشراهة، ولا بد أن شابا شديد البدانة، مجدي (أحمد حلمي) سوف تكون له معاناة مع الصيام، فهو شخص بدين يأكل بشراهة ولا يستطيع التوقف عن تناول المزيد والمزيد من الطعام. عندما يحل شهر رمضان، نراه دومًا يأكل بشراهة، يطلب المزيد من الأطعمة ولوازمها، كي يأتي عليها.

كما أننا هنا نرى الزينات الكثيرة في الشوارع، مثلما هو الحال في مصر، ونسمع صوت المطرب محمد عبد المطلب يغني «أهلًا رمضان»، وبالرغم من التهام مجدي مكاوي الكثير من الطعام، إلا إنه يستمر في الأكل حتى رفع الأذان، ويطلب من خادمه ألا يوقظه إلا ساعة الإفطار، وهو يشعر بالعطش فور إعلان الأذان.

في أحد أيام الصيام، تتصل به حبيبته دينا سمير غانم وتطلب منه أن يذهب بأسرتها إلى محافظة الشرقية لأداء واجب العزاء، وهو يعتبر أن الذهاب إلى الشرقية بمنزلة سفر، لذا يبيح لنفسه الإفطار، ويقوم بشراء كم كبير من الأطعمة والحلويات من كشك، كي يأكل أثناء السفر، لكنه يتراجع عندما يركب معهم أحد أقارب دينا، وهو ملتح، متدين، يصاحبه أيضا في رحلة العودة، فيبقى مجدي صائما طيلة النهار رغمًا عنه.

وعندما يذهب إلى بيت دينا لتناول الإفطار، فإنه لا يشبع رغم كثرة الطعام. وهو ينتقد الطعام الذي أعدته والدة دينا، باعتباره بالغ الخبرة في شئون الأغذية، ومن خلال الحوار الذي يدور بينه وبينهما، نفهم أنه واظب على الصيام طوال الشهر وعقب الإفطار فإنه يبدو حرص الفيلم على أن يقدم لنا بعضًا من الاحتفاليات بشهر رمضان، مثل الزينات التي تملأ الشوارع، وأيضا ماذا يفعل الصائمون عندما يحل الصيام في شهور الصيف؟.

استغل أحمد حلمي شهر رمضان لإخراج الكوميديا والضحك من بين التناقضات، فتارة نجده يلعب على التناقض بين التزام الصائم بأخلاق وآداب الصيام، وبين السلوك الفعلي الذي يمارسه المصريون في حياتهم العملية، والذي يستمر كما هو حتى وهم صائمون. وتارة أخرى بين الصيام كزهد في المأكل والمشرب وبين الشره والإقبال على الطعام.

شاهد أيضاً

التقرير اليومى لفيروس كورونا بأونتاريو اليوم 15 مايو

نشرت وزيرة الصحة بأونتاريو تقريرها اليومي عن كورونا اليوم 15 مارس حيث كتبت كرستين إليوت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *